مرات صاحبك

سكت عصام، والبيت فجأة لفّه صمت تقيل ورهيب. الكلمة خرجت من بق نادية زي طلقة حية هدت كل الهراء اللي كان بيتكلم بيه، وحطت إيدها ببراعة على النقطة العمياء اللي كان بتعامى عنها طول السنين دي.
عصام بلع ريقه وصدره بيعلى ويهبط، مكنش عارف يترجم اللحظة. النرفزة والانشكاح اللي كان راجع بيهم من عند إيهاب ياسمين يتبخروا في ثانية، وحل محلهم إحساس مفاجئ ومُرّ بالكسوف. كان طول العمر شايف “النتيجة” في بيت صاحبه وسرحان فيها، ومفكرش ثانية واحدة في “التمن” اللي اندفع عشان ياسمين تطلع بالصورة دي، ولا التمن اللي نادية بتدعفه كل يوم من دمها وصحتها عشان بيته هو يفضل واقف على رجليه وما يقعش.
نادية كملت كلامها وهي بتتنفس بتعب، بس نبرتها المرة دي مكنتش غضب.. كانت وجع هادي وأعمق بكثير من أي صريخ:
— “أنا مش بعيرك إنك مش إيهاب يا عصام.. ولا عمري فتحت بؤي وطلبت منك شقة في كمبوند ولا عربية ولا خروج كل أسبوع. أنا رضيت بالمرتب اللي ‘على القد’، ونزلت الأتيليه وقفت على رجلي 9 ساعات عشان أكمل معاك مصاريف البيت والدروس وما نحتاجش لحد.. شيلت معاك الكتف بالكتف من غير ما أشتكي ولا أحسسك إنك مقصر. بس إنك يجي لك عين تطالبني أكون ناعمة ومرفّهة زي واحدة عندها شغالة بتخدمها وجوزها شايل عنها كل حاجة، وأنا في نفس الوقت شايلة حِمل راجل وست سوا في البيت والشغل.. يبقى إنت بتظـ,ـلمني يا عصام، وبترمي خيبتك عليا.”
قامت نادية بالراحة، ضهرها كان مشدود من كثرة الوجع. سحبت فوطة المطبخ علقتها، ودخلت ألتفت لأوضة “جنى” تطمن عليها وهي بتسحب رجليها سحب.
سابت عصام قاعد على الكنبة لوحده، والنور الخافت بتاع الصالة نازل على وشّه. لأول مرة من 12 سنة جواز، عصام يبص حواليه في الشقة بنظرة تانية خالص..
بص لكتب جنى المرمية على الطبلية.. وافتكر إن نادية هي اللي بتقعد تحتال على البنت وتذاكرلها بعد ما ترجع هد حيلها من الأتيليه.
بص لسبت الغسيل المليان.. وافتكر إنها بتغسل وتكوي في نص الليل وهي بتغالب النوم وعينيها بتقفل.
بص لفواتير الكهرباء والغاز.. وافتكر إنها بتدفع نصها من ماهيتها عشان “المرتب يكفي للشهر”.
المنظر اللي كان شايفه من شوية “قرف وكركبة”، بياض عينيه اتفتح واكتشف إنه “تضحية ومجهود خرافي” لست بتفرم نفسها كل يوم عشان الكيان ده ما يغرقش.
