انقذت طفلة

بعد فترة طويلة من الصمت، تكلمت ليلي فجأة، وقالت بصوت هادئ جدًا: بابا… أعلم أنك تخفي شيئًا عني منذ أن جاء ذلك الصندوق. لقد رأيتك وأنت تحمله إلى غرفتك، ورأيت التغير في ملامحك، ورأيت دموعك وأنت تمسحها بسرعة عندما دخلت.
نظرت إليها بصدمة، وقالت بصوت متقطع: كيف عرفتِ؟ وكيف لاحظتِ هذا؟
تنهدت بعمق، وقالت: لأنني أعرفك يا بابا، أعرف كل تغير في ملامحك، وكل نبرة في صوتك. لقد كنتَ لي كل شيء، ولم يكن لديّ سواك في هذا العالم. وهناك شيء آخر… لقد كنت أشعر طوال السنوات الأخيرة بأن هناك شيئًا غامضًا يحيط بي، شيء لا أستطيع تفسيره. كنت أحلم أحلامًا غريبة، أحلم بسيارة تسير بسرعة جنونية، وبصوت صرخات، وبيدين تحملانني وتضعانني في مكان آمن، ثم أستيقظ وأنا أرتجف، ولا أستطيع أن أتذكر شيئًا سوى عينين دامعتين تنظران إليّ بحنان.
سكتت للحظة، ثم واصلت بصوت مرتعش: وقبل ثلاثة أشهر، وجدتُ شخصًا يراقبني أمام الجامعة، وبعد عدة أيام وجدتُ رسالة صغيرة في حقيبتي تقول لي: إذا أردتِ أن تعرفي حقيقة والديك، فابحثي عن الشريحة المزروعة في كتفك الأيسر. لم أستطع أن أخبرك يا بابا، كنت خائفة، وخائفة بشكل خاص من أن تقلق، أو أن يحدث لك أي مكروه بسببي. لم أكن أريد أن أكون سببًا في أي أذى يصيبك. لقد حاولتُ أن أتجاهل الأمر، لكنني لم أستطع، لقد كان يلاحقني في كل مكان، ويجعلني أشعر بأنني لست أنا، وأن هناك جزءًا من تاريخي قد سُرق مني.
شعرت وكأن صاعقة قد ضربتني، فهذا هو الجزء الذي لم تذكره والدتها في رسالتها، أو ربما لم تكن تعلم أن ليلي ستكتشفه بنفسها، وأنها ستبدأ في البحث عن الحقيقة وحدها. قلت بصوت عالٍ: ولماذا لم تخبريني يا ليلي؟ ألا تثقين بي؟ ألا تعلمين أنني سأحميكِ بكل ما أملك، وحتى بحياتي؟
دمعت عيناها وقالت: بالطبع أثق بك يا بابا، وأعلم أنك ستفعل أي شيء من أجلي، لكنني كنت أخشى أن تكون هذه الحقيقة قاسية جدًا، وأنها ستغير كل شيء بيننا، أو أنهم سيصلون إليك من خلالي. لم أكن أريد أن أكون سببًا في أي أذى يصيبك.
أمسكت بيديها بين يدي، وقبلت رأسها، وقلت لها بكل حنان: لا شيء يمكن أن يغير ما بيننا يا حبيبتي، لا شيء على الإطلاق. لقد كنتِ ابنتي منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها، وستظلين ابنتي مهما كانت الحقائق، ومهما كانت الأسرار. والآن يجب أن نعرف كل شيء معًا، لا يوجد أسرار بيننا بعد اليوم.


