انقذت طفلة

ارتجفت يداي وأنا أقرأ أول سطر في التقرير الأول: حالة رقم ٧٨٩٢ ليلي محمد، عمرها ٣ سنوات و٤ أشهر تم إدخالها بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٠٨ نتيجة حادث تصادم مروع على طريق القاهرة الإسماعيلية الصحراوي، توفي والداها في الحال، وتعرضت لكسر في الجمجمة ونزيف داخلي حاد في الرئة والبطن… هذا كل ما كنت أعرفه، فأنا من أعدّ هذا التقرير بنفسي قبل خمسة عشر عامًا. لكن ما جعل قلبي يتوقف عن النبض هو ما كُتب في أسفل الصفحة، بخط مختلف، ومؤرخ بعد أسبوع واحد من الحادث، وتوقيعه طبيب لم أسمع به من قبل: ملاحظة هامة: تم العثور على شريحة إلكترونية صغيرة مزروعة تحت الجلد في منطقة الكتف الأيسر للطفلة، لم يتم ذكرها في التقرير الأولي، ولم يُعلم بها الطبيب المعالج الجراح خالد عبد الرحمن، بناءً على تعليمات مباشرة من الجهات الأمنية المعنية.

سقط التقرير من يدي، وشعرت ببرودة شديدة تسري في عروقي. لماذا أخفوا عني هذا؟ ومن الذي أصدر هذه التعليمات؟ وما هي هذه الشريحة التي زُرعت لطفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها؟ فتحت المظروف المغلق بختم أحمر، وخرجت منه رسالة مكتوبة بخط اليد، ومؤرخة في نفس يوم الحادث، وموجهة لي أنا شخصياً:

إلى الدكتور خالد، الذي سينقذ حياتها بكل تأكيد…

إذا قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد على قيد الحياة، وأنهم بدأوا يلاحقونها. ليست ليلي طفلة عادية، يا خالد. والداها لم يكونا مجرد زوجين يسيران في رحلة عائلية، بل كانا يحملان سرًا كان سيدمر عصابة من أقوى العصابات التي تسيطر على تجارة الأدوية المزيفة والمنشآت الصحية في البلاد. كانا يعملان كمسؤولين ماليين لهم، لكنهما قررا الانقلاب عليهم، وجمعا كل الأدلة والمستندات التي تثبت تورطهم في ج/رائم قت/ل وغسل أموال وابتزاز، وقررا تسليمها للنيابة العامة.

عندما علمت العصابة بهذا، حاولوا استرجاع المستندات بكل الطرق، وعندما فشلوا، قرروا التخلص منهما. لكن قبل أن يفعلوا ذلك، أخفوا كل شيء في شريحة إلكترونية صغيرة، وزرعوها تحت جلد ليلي، لأنهم كانوا يعلمون أنهم لن يجرؤوا على لمس طفلة، ولن يفكر أحد في البحث عنها فيها.

أنت الوحيد الذي يمكنه الوثوق به، يا خالد. لقد رأيتك وأنت تعمل في المستشفى، ورأيت مدى نزاهتك وصدقك، ورأيت كيف تعاملت مع الفقراء والمحتاجين بكل رحمة وشفقة. أرجوك… إذا قرأت هذه الرسالة، فلا تتركها لهم. اربّها كابنتك، واجعلها تعيش حياة طبيعية آمنة، ولا تخبرها شيئًا عن هذا السر حتى تكبر، وتكون قادرة على حماية نفسها، وعلى اتخاذ القرار الصحيح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *