زوجة في الظل

فرك إيديه في بعض وقال بصوت مهزوز وهو بيحوب يهرب بعينه: «لأ.. أبداً يا قلبي، تلاقيه بس إرهاق الشغل وضغط المقايسات.. يلا بينا نمشي، أنا حاسس إني محتاج أرتاح في البيت شوية». ابتسمت من جوايا ابتسامة نصر خفية، وأنا شايفة الرعب بياكل في ملامحه، وقولتله وأنا باخد دراعه بدلع: «سلامتك يا حبيبي من التعب.. يلا نروح، وأنا أعملك الغدا بإيدي عشان تفك شوية».
في طريق الرجوع للبيت، كان الصمت في العربية تقيل. مرتضى كان سايق وإيديه بتعرق على الدريكسيون، عينه رايحة جاية بين الطريق وبين وشي الهادي. ناره كانت قايدة، وسكوته كان بياكل في أعصابه أكتر من أي وقت، لحد ما ركن العربية تحت البيت ومطفاهاش، فضل باصص قدامه وخد نفس عميق كأنه داخل على معركة. التفت ليا فجأة، وشه كان شاحب وعينيه مليانة خوف ولخبطة، وقال بصوت متحشرج: «فريدة.. أنا مش قادر أستحمل أكتر من كده، ومش هعرف أعيش بالشك ده ثانية واحدة. رانيا قالتلي على اللي دار بينكم في المكتب.. وأنا مش هكدب عليكي خلاص، أنا تعبت من التمثيل».
بصيت له بكل برود، ملامحي مفيهاش حتى تفصيلة واحدة اتغيرت، كأني مستنياه ينطق الكلمتين دول من سنين. قرب إيده وحاول يمسك إيدي وهو بيتكلم بتوسل ورجفة باينة في صوته: «افهميني يا فريدة، أرجوكي اسمعيني للآخر قبل ما تحكمي.. أنا اتجوزتها لسبب واحد بس، كان نفسي في عيل يشيل اسمي، نفسي أكون أب وأحس بالإحساس ده قبل ما العمر يجري بيا! إنتِ عارفة إن العيب مكنش مني ولا منك بس النصيب مأردش، وأنا عمري ما حبيت رانيا ولا فكرت فيها كواحدة تملى عيني.. أنا بحبك إنتِ، والله العظيم بحبك وعمري ما شوفت ولا هشوف غيرك الزوجة والست الوحيدة لبيتي وحياتي كلها! خبيت عليكي السنين دي كلها عشان مش عايز أزعلك، كنت خايف إني أشوف نظرة حزن أو انكسار في عينك».
بلع ريقه برعب لما لقاني ساكتة ومردتش، وببصله بنظرة تلج مفيهاش أي تعاطف، فكمل كلامه بلهفة كأنه بيحاول ينجي رقبته من الغرق: «أما الفيلا.. الفيلا دي أنا مش كاتبها باسمها، ولا شاريها عشان سواد عيونها! أنا بس كنت عايز مستوى ولادي يبقى كويس، عيالي ميعيشوش في حتة قليلة ولا يقلوا عن عيال الناس.. إنما هي؟ هي ولا تسوى عندي قشرة بصلة! ولو وجودها مضايقك، أو الموضوع واجعك بالشكل ده.. قوليها بس بلسانك يا فريدة، ووالله العظيم أطلقها الليلة وأرميها برة حياتي، وعشان خاطرك إنتِ مستعد أعمل أي حاجة، بس بيتي وإنتِ متضيعوش مني!».


