بقالي ست شهور سايبة خطيبي وعيلته يتمسخروا عليا بأي لغة تانية
بقالي ست شهور سايبة خطيبي وعيلته يتمسخروا عليا بأي لغة تانية، فاكرين إني مجرد واحدة أجنبية ساذجة مش فاهمة أي حاجة. مكانوش يعرفوا إني بتكلم لغتهم بطلاقة! والأهم إنهم مكانوش يتخيلوا أبداً إني كنت بسجل كل كلمة بيقولوها عشان أستخدمها ضدهم في الوقت المناسب.
صوت الضحك كان مالي أوضة الأكل الخاصة في مطعم “دمشق روز”، بس أنا كنت قاعدة ثابتة تماماً والشوكة في إيدي فوق طبق اللحمة. حوالين الترابيزة، 12 فرد من عيلة المنصور كانوا بيتحركوا وبيتكلموا بحماس، وكلامهم باللغة الأجنبية كان بيتدفق زي الماية، وكانوا قاصدين تماماً يتجاهلوني وكأني مش موجودة. طارق، خطيبي، كان قاعد على رأس الترابيزة وإيده على كتفي بشكل فيه تملك، وما كلفش نفسه يترجم لي ولا كلمة. ومن الناحية التانية، كانت أمه ليلى بتبص لي بعيون صقر حادة، وعلى وشها ابتسامة خفيفة. هي عارفة، وكلهم عارفين.
طارق مال على أخوه الصغير عمر، وبدأ يتكلم باللغة الأجنبية بسرعة وبطريقة عادية جداً، وكأني مش قاعدة معاهم. قال طارق بصوت مليان سخرية: “دي حتى ما تعرفش تعمل قهوة مظبوطة، امبارح استخدمت الماكينة”. عمر ضحك بسخرية وقال: “ماكينة؟ إحنا في مطعم عادي؟ يا أخويا فين ذوقك ومعاييرك؟”. خدت رشفة مية بكل رقة، وشي كان قناع من الحيرة المهذبة، نفس التعبير اللي اتدربت عليه بقالي ست شهور، ونفس التعبير اللي استخدمته طوال الثمان سنين اللي عشتهم في دبي، المكان اللي اتعلمت فيه إن أقوى وضع ممكن تكون فيه هو إن الناس تستهون بيك وتقلل من شأنك.
إيد طارق ضغطت على كتفي وقال: “أمي كانت لسه بتقول قد إيه شكلك حلو الليلة يا حبيبتي”. ابتسمت له بضعف وامتنان وقلت: “يا روحي، شكراً جداً، قولي لها إني متشكرة”. الحقيقة إن اللي ليلى قالتها من أقل من نص دقيقة، كان إن فستاني “ضيق زيادة ومخليني شكلي رخيص”. أميرة، أخت طارق، تمتمت بصوت مسموع للعيلة: “دي حتى ما بتعرفش تتكلم لغتنا ولا تعرف حاجة عن ثقافتنا. هتبقى زوجة إزاي دي؟”. طارق رد بهدوء: “النوع اللي ما بيعرفش إنه بيتهان”، والترابيزة كلها انفجرت في الضحك.
ضحكت معاهم ضحكة صغيرة ومترددة، بس جوايا كنت بحسب كل حاجة وبوثقها وبضيف كل كلمة للقائمة. موبايلي رن في الشنطة، استأذنت ودخلت حمام الرخام وقفلته على نفسي. كانت رسالة من جيمس تشين، رئيس أمن والدي، بيقول فيها: “تم رفع الوثائق، وتسجيلات صوت آخر تلات عزمات عيلة تم تفريغها، والدك بيسأل لو إنتي مستعدة تبدأي”. كتبت بسرعة: “مش دلوقتي، لازم يدين نفسه مهنياً، مش بس شخصياً”. مسحت المحادثة، ظبطت الروج، ورجعت للترابيزة. كان حسن، والد طارق، بيرفع كاسه عشان ينخب، وكان بيتكلم باللغة الأجنبية: “لنصيبي ابني الشاطر، أتمنى إنه يستغل كل ميزة في التحالف ده، وتفضل البنت الأجنبية دي غافلة عن هدفها ومبسوطة”.
طارق ترجم وقال: “أبويا بيتمنى لنا السعادة والرخاء”. قلت بهدوء وأنا برفع كاسي وببص في عينه: “ده كلام جميل جداً”. كلهم كانوا فاكرين إني الخروف اللي رايح للمذبح، وما كانش عندهم أدنى فكرة إني أنا اللي كنت بنصب لهم الفخ. فضلت مستمرة في دور البنت الساذجة لأسابيع تانية، بجمع في الأدلة، مش بس الإهانات الشخصية، لكن كمان تسجيلات لطارق وهو بيتلاعب بحسابات الشركة، وبيحول أصول العيلة لصالحه الشخصي في صفقات مشبوهة، وبيستغل اسمي واسم والدي لتغطية عمليات غسيل أموال.
وفي ليلة الخطوبة الرسمية الكبيرة، اللي حضرها أهم رجال الأعمال، قررت إن دي اللحظة المناسبة. طارق كان واقف بيخطب، بيتكلم عن “الشراكة العظيمة” اللي هتبدأ بين عيلته وعيلتي، وكان كل كلمة بيقولها هي مسمار في نعشه المهني. وأنا، كنت واقفة بجانبه، ببتسم الابتسامة المعتادة، وفي اللحظة اللي خلص فيها كلامه، أشرت لجيمس اللي كان موجود في القاعة. وفجأة، الشاشات العملاقة اللي كانت بتعرض صورنا، بدأت تعرض ملفات طارق، تسجيلاته، فضايحه المهنية، وصوته وهو بيسخر من الجميع، من أبوه، ومن أمه، ومن شركائه.
القاعة سادها صمت مطبق، طارق وشّه بقى أبيض كالموت، وليلى وقعت من الكرسي، وحسن كان بيحاول يفهم إيه اللي بيحصل، بس كان الأوان فات. مسكت المايك بيدي، وبكل ثقة، اتكلمت باللغة الأجنبية بطلاقة، وكشفت كل الألاعيب، وكل الصفقات المشبوهة، وكل الإهانات اللي اتوجهت ليا ولعيلتي. طارق حاول يقرب مني ويهددني بصوته الواطي، بس رجال الأمن التابعين لوالدي كانوا أسرع منه.
في اللحظة دي، طارق وعيلته عرفوا إنهم ما كانوش بيتعاملوا مع “بنت أجنبية ساذجة”، لكن كانوا بيتعاملوا مع واحدة واخدة تدريب عالي جداً في الإدارة والأمن، ومخططة لكل خطوة من أول يوم دخلت فيه حياتهم. خرجت من المطعم وسط ذهول الجميع، وما بصيتش ورايا أبداً، لأني عرفت إن الفخ اللي نصبته ليهم قفل عليهم تماماً، ومش بس فقدوا ثروتهم ومكانتهم، لكن كمان بقوا تحت طائلة القانون. بقيت حرّة، والقوة اللي كنت بتمناها، ما كانتش في إني أرد الإهانة، كانت في إني أخليهم يدفعوا تمن استهانتهم بيا غالي جداً، وبنفس الأدوات اللي فكروا إنهم بيستخدموها ضدي.
