عمري ما كنت أتخيل إن اللحظة اللي أخويا هيطلب مني فيها أبعد عنهم هتكون هي نفس اللحظة اللي هكتشف فيها إنهم من غيري مش هيعرفوا حتى يركبوا الطيارة

فضلت ماسكة الموبايل ومش قادرة أنطق. قلت للمحامي: مين الشخص ده? قال بصوت هادي: قبل ما أقولك لازم أقابلك وش لوش. قلت بعصبية: أنا سافرت باريس مخصوص عشان أفهم اللي بيحصل. قالي: وعشان كده لازم ترجعي القاهرة. سألته: ليه? قال: لأن الوصية الأصلية موجودة في مكتبي في مصر ومش هينفع أبعتهالك على الموبايل. وبعدين سكت لحظة وقال: وخلي بالك من حاجة مهمة، متقابليش أي حد من عيلتك لوحدك لحد ما ترجعي. قفلت المكالمة وأنا حاسة إن كل حاجة حواليا بقت غريبة. أنا كنت فاكرة إنهم زعلانين مني عشان مش عايزينني أروح معاهم باريس، طلع الموضوع كله له علاقة بفلوس وورق وبيت جدتي. بس أكتر حاجة كانت مخوفاني إن المحامي قال إن في حد تاني سبق كريم. رجعت أبص في الموبايل، لقيت رسالة جديدة من أختي منى: نهى متصدقيش كل اللي بابا بيقوله، أنا عارفة إنك مش هتسامحيني إني سكت بس كنت خايفة. كتبت لها: قوليلي مين الشخص اللي راح للمحامي قبل كريم. فضلت الرسالة مقروءة من غير رد، وبعد حوالي دقيقة كتبت: مش هقدر أقولك هنا، اتصلي بيا. اتصلت بيها فورًا، ردت بصوت واطي جدًا: نهى. أيوه. الشخص اللي راح للمحامي مش كريم. مين? سكتت، وبعدين قالت: ماما. اتجمدت مكاني: ماما? أيوه. ماما راحتله قبل كريم بيوم، وسألته عن الوصية. سألتها: هي كانت عايزة تعرف إيه? قالت: كانت بتسأله إذا كانت الوصية لسه سارية وإذا كان ممكن تغير اسم المستفيد. حسيت إن نفسي اتقطع: قلت: يعني ماما كانت بتحاول تاخد حقي. قالت: مش عارفة، بس في حاجة تانية. إيه? ماما كانت معاها ورقة قديمة، ورقة بإمضتك إنتي، أنا معرفش الورقة دي إيه. قفلت المكالمة وأنا حاسة إني محتاجة أرجع القاهرة في نفس اللحظة. حجزت أول رحلة راجعة، وقبل ما أتحرك من الفندق جالي اتصال من كريم. المرة دي رديت، قال: إنتي رجعتي? قلت: آه، ليه? لأن عندي أسئلة. قال: اسألي. قلت: إيه حكاية شقة جدتي? سكت، وبعدين قال: إنتي عرفتي منين? ضحكت بسخرية: يعني الكلام حقيقي. قال: نهى اسمعيني، أنا كنت بحاول أحميكي. قلت: تحميني من إيه? قال: من بابا. سكت، قال: بابا باع الشقة من غير ما يقولك. قلت: بس إنت قلتلي إنها اتباعت. قال: كانت دي الخطة. سألته: خطة مين? قال: بابا وماما. قلت: وإنت? سكت، قلت: وإنت كنت جزء منها? قال بصوت متردد: أنا كنت فاكر إن الموضوع هيعدي من غير مشاكل. قلت: والفلوس? قال: مفيش فلوس. قلت: كريم متكدبش عليا. قال: أنا هقولك كل حاجة لما ترجعي. قلت: لأ، هتقولي دلوقتي. سمعت صوته بيتنهد، وبعدين قال: الحساب اللي جدتك سايباهولك مش مجرد حساب. يعني إيه? قال: الحساب ده مرتبط بشركة كانت جدتك شريكة فيها. قلت: شركة إيه? قال: شركة أبوكي. سكت، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي: قلت: إنت عايز تقول إن أبويا كان بيستخدم فلوس جدتي في شركته? قال: مش أبوكي بس. قلت: مين كمان? سكت، قلت: كريم? قال: أنا مش هقدر أقول أكتر من كده في التليفون. وبعدين فجأة سمعت صوت حد بيناديه من بعيد: كريم! بصوت ست: كريم اقفل دلوقتي. عرفت الصوت، كانت أمي. قلت: ماما معاكي? كريم اتوتر وقال: نهى أنا لازم أقفل. قلت: استنى، لكن الخط اتقفل. وقفت قدام شباك الفندق وأنا مش عارفة أعمل إيه. بعد دقائق فتحت اللابتوب وبدأت أراجع كل الإيميلات القديمة اللي تخص شغل العيلة. كنت دايمًا أنا اللي بحجز الفنادق والطيران وببعت الفواتير لأبويا، وفجأة افتكرت حاجة: من حوالي أربع سنين أبويا طلب مني أرتب تحويل مبلغ كبير لحساب شركة في الإسكندرية، قال وقتها إن ده مقدم صفقة. أنا نفذت من غير ما أسأل. دورت على الإيميل ولقيته، كان فيه رقم حساب الشركة واسم المدير، والمدير كان: كريم. قعدت قدام الشاشة مش قادرة أتحرك، كل حاجة بدأت تتجمع: رحلة باريس، إبعادي عن البيت، الحجوزات، الوصية، الشقة، الحساب البنكي، والشركة. كلهم كانوا خيوط في نفس الحكاية. وفجأة وصلتني رسالة من المحامي: لقيت الوصية، وفيها اسم الشخص اللي جدتك عينته مسؤول عن حماية حقك، لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة لازم ترجعي القاهرة النهارده. لكن الرسالة التانية كانت أخطر، لأنها قالت: ومتثقيش في كريم، أنا مش هو بيحاول يحميكي ولا بيحاول يوصل للفلوس قبلك. قفلت اللابتوب ومسكت شنطتي، وقلت لنفسي إن أول حاجة هعملها لما أوصل القاهرة إني هروح لمكتب المحامي. لكن وأنا خارجة من الفندق جالي اتصال من رقم مجهول: رديت ومحدش اتكلم، وبعدين سمعت نفس صوت الست اللي كانت مع كريم وهي بتقول: لو رجعتي مصر دلوقتي يا نهى مش هتلاقي أبوكي ولا أمك ولا كريم مستنيينك. وهنا فهمت إن الموضوع خرج من مجرد خيانة عائلية، وإن في حد مستعد يعمل أي حاجة عشان يمنعني أوصل للحقيقة.



