عمري ما كنت أتخيل إن اللحظة اللي أخويا هيطلب مني فيها أبعد عنهم هتكون هي نفس اللحظة اللي هكتشف فيها إنهم من غيري مش هيعرفوا حتى يركبوا الطيارة

فضلت واقفة قدام بوابة السفر والموبايل في إيدي والرسالة الغريبة لسه قدام عيني: متسافريش باريس اللي حصل في بيتكم مش زي ما إنتي فاكرة. مين صاحب الرقم ده? وليه بيقولي متسافريش? وليه يعرف اللي حصل بيني وبين أهلي أصلاً? حاولت أتصل بالرقم: مفيش رد. بعت رسالة: إنت مين. الرسالة اتقريت. وبعد ثواني ظهر إنه بيكتب. وبعدين اختفى. كتبت تاني: إنت عايز مني إيه. المرة دي جالي رد: لو دخلتي الطيارة مش هتعرفي ترجعي زي الأول. وقفت مكاني وأنا حاسة إن جسمي كله اتشد. في اللحظة دي سمعت نداء أخير لرحلة باريس. بصيت ناحية البوابة, وبعدين للموبايل. كان قدامي قرارين: يا إما أركب وأكتشف الحقيقة, يا إما أرجع وأفضل طول عمري أسأل نفسي كان إيه اللي مستنيني هناك. أنا طول عمري كنت بخاف من المواجهة, بس المرة دي خوفي نفسه كان بيقولي إن لازم أعرف. مسكت شنطتي ومشيت ناحية الطائرة. وقبل ما أدخل قفلت الموبايل, وقلت لنفسي: لو في حاجة مستنياني في باريس فأنا هعرفها بنفسي. بعد ساعات وصلت مطار شارل ديجول. أول ما فتحت الموبايل لقيت عشرات الرسائل: أمي، أبويا، كريم، ومنهم رسالة من أختي منى: نهى بالله عليكي ردي عليا. في حاجة حصلت ومحدش عايز يقولك. وقفت مكاني. اتصلت بيها فورًا. ردت وهي بتعيط: إنتي وصلتي. أيوه. إنتي فين. في الفندق. اسمعيني كويس ومتقوليش لكريم إني كلمتك. ليه. لأن كريم مش هو اللي لغى رحلتنا. سكت. قلت: يعني إيه. قالت بصوت واطي: أبوكي هو اللي طلب منه يقولك إنك متجيش. ليه. مش عارفة. بس قبل السفر بيوم سمعتهم بيتكلموا عن ورق باسمك. حسيت ببرودة في إيدي: ورق إيه. منى سكتت. قلت بعصبية: قولي يا منى. قالت: أوراق تخص شقة جدتك. جدي? لا, جدتك. الشقة اللي في الزمالك. افتكرت الشقة فورًا: شقة جدتي اللي اتقفلت من سنين بعد وفاتها. الشقة كانت أغلى حاجة سابتها لنا. وأبويا طول عمره بيقول إنها اتباعت وإن الفلوس اتقسمت. بس فجأة افتكرت حاجة غريبة: أنا عمري ما شفت عقد البيع، ولا مرة. قلت لمنى: إنتي سمعتي إيه بالظبط. قالت: سمعت أبوكي بيقول إن لو إنتي سافرتي معاهم هتسألي عن الورق. وكريم قال له إنك متعرفيش حاجة. قلبي بدأ يدق بسرعة: قلت: يعني إيه مش عايزينني أعرف. منى بدأت تعيط وقالت: عشان الشقة لسه باسمك إنتي. حسيت إن الدنيا وقفت: باسم مين? باسمك يا نهى. جدتك كتبت جزء كبير من الشقة باسمك قبل ما تموت, وأبويا كان مخبي ده عني. رجعت خطوة لورا وقعدت على كرسي في المطار. كل السنين اللي فاتت بدأت تتجمع في دماغي: ليه كانوا دايمًا بيقللوا مني? ليه كانوا بيخلوني أحس إني أقل واحدة في البيت? ليه كريم كان بيتدخل في كل قرار يخصني? وليه أبويا كان مصر إني أكون بعيدة عن أي ورق أو حسابات أو أملاك? سألت منى: إنتي عرفتي الكلام ده إمتى. قالت: من يومين, وسكتنا كلنا عشان كنا خايفين من أبوكي. قلت: طب كريم كان عايز يعمل إيه. قالت: معرفش، بس سمعت اسمه وهو بيقول إن لازم الموضوع the يخلص قبل ما ترجعي من باريس. قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب. في نفس اللحظة جالي اتصال من رقم مصري: رديت: ألو. جالي صوت راجل معرفوش: مدام نهى? أيوه مين حضرتك? أنا المحامي اللي جدتك كانت موكلاني. حسيت إن قلبي وقع: قلت: محامي جدتي? أيوه, أنا حاولت أوصلك من فترة بس والدك كان بيرفض يديني رقمك. طب حضرتك عايز مني إيه? قال: لازم أقابلك فورًا. ليه? عشان عندي نسخة من وصية جدتك الأصلية, والنسخة دي بتثبت إن في حاجة أكبر بكتير من شقة الزمالك. سكت. قال: جدتك سايبة لك حساب بنكي, وحسابك ده محدش في عيلتك يعرف عنه حاجة. مسكت الموبايل بإيدي وأنا مش عارفة أتكلم، وبعدين سألته: وقد إيه الفلوس اللي فيه? صوته اتغير وقال: المبلغ كبير جدًا، بس المشكلة مش في الفلوس، المشكلة إن أبوكي وكريم عرفوا إن الحساب موجود. سألته بسرعة: عرفوا إزاي? قال: لأن حد منهم جه عندي من أسبوع وطلب يشوف الوصية. مين? سكت ثواني، وبعدين قال اسم خلاني مش عارفة أتنفس: كريم. وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني قال: بس كريم مش أكتر شخص كان بيدور على الوصية، في شخص تاني من عيلتك سبق كريم للمكتب. ولما سمعت الاسم فهمت إن اللي حصل في بيت أبويا وأمي وفي المطار وفي الرحلة كلها كان مجرد بداية، لأن الشخص اللي كان بيدور على حقي الحقيقي كان أقرب واحد ليا، وأنا عمري ما شكيت فيه.

