في عيد ميلادها حكايات منى السيد

جاء يوم عيد الميلاد. ندى صحيت بدري وبصت لنفسها في المراية؛ كانت لسه زي ما هي، نفس الست اللي كافحت والبنت اللي أمها كانت بتشتغل عشانها والمهندسة اللي بنت نفسها بنفسها، بس النهاردة كانت حاسة إنها داخلة معركة. لبست فستان بسيط أنيق بلون هادئ وحطت مكياج خفيف، مفيش مبالغة ولا استعراض، كانت عايزة تدخل عليهم وهي طبيعية. طارق خرج من الحمام وأول ما شافها قال: — كل سنة وانتي طيبة يا نودي. ندى ابتسمت: — وأنت طيب. قرب منها ومد إيده بعلبة صغيرة. ندى بصت للعلبة: — دي إيه؟ — هديتك. — دلوقتي؟ — أيوه. فتحتها؛ كانت سلسلة رقيقة جدًا. ندى بصت لها: — حلوة. — عجبتك؟ — أيوه. طارق ابتسم: — كنت عايز أجيبلك حاجة تليق بيكي. ندى بصتله، وللحظة فكرت تقول له «كنت أتمنى تجيبلي راجل يحترم مراته»، لكنها سكتت وقالت: — شكرًا. طارق حضنها: — بحبك. ندى حطت إيدها على كتفه لكنها ما حضنتوش بنفس الطريقة وقالت: — يلا عشان أهلك هييجوا.
الساعة سبعة بالليل، الجرس رن. ندى كانت عارفة إن المسرحية بدأت. فتحت الباب؛ كانت فوزية واقفة قدامها بفستان غامق ماسكة شنطة هدايا كبيرة، وراها مريم وخالتها وداد. فوزية أول ما دخلت قالت: — كل سنة وانتي طيبة يا بنتي. ندى ابتسمت: — وانتي طيبة يا طنط. فوزية بصت في الشقة: — ما شاء الله… لسه زي ما هي. ندى رفعت حاجبها: — قصدك إيه؟ فوزية ضحكت: — قصدي الشقة حلوة. ندى قالت: — آه. ودخلت. مريم قربت من ندى وحضنتها: — كل سنة وانتي طيبة. ندى بصتلها، ومريم همست: — أنا آسفة. ندى ردت بنفس الهمس: — لسه بدري.
بعد شوية، السفرة اتملت أكل. فوزية كانت بتتكلم بصوت عالي: — أنا قلت لطارق نجيبلك إيه؟ قاللي مش عارف. وداد ضحكت: — أصل الستات دلوقتي كل حاجة عندها. فوزية بصت لندى: — ما هي الحمد لله مش ناقصها حاجة. ندى ابتسمت: — الحمد لله. فوزية قالت: — بس أنا جبتلك حاجة مخصوص. ندى بصتلها: — متتعبيش نفسك. — لا، دي حاجة بسيطة. طارق كان واقف جنب أمه. ندى بصت له، كان مبتسم، وده كان كفاية. فوزية قامت مسكت الشنطة وقالت: — قبل التورتة بقى. طلعت علبة وبعدين قالت: — دي مش هدية عادية. ضحكوا. ندى قالت: — خير؟ فوزية قربت منها: — افتحي. ندى مدت إيدها وفتحت العلبة، وسكتت. جواها… كان فستان قديم جدًا، مش جديد ومش حتى متغلف كويس، وفوقه صورة قديمة بالأبيض والأسود. ندى مسكت الصورة، ووشها تغير. كانت أمها! صورة قديمة جدًا لأمها وهي شابة، واقفة قدام بيت كبير لابسة هدوم شغل بسيطة وماسكة جردل في إيدها. فوزية قالت: — عرفتيها؟ الصالة كلها سكتت. ندى بصت للصورة وبعدين رفعت عينيها لفوزية: — أيوه. فوزية ابتسمت: — دي أمك؟ ندى قالت: — أيوه، الله يرحمها. لكن نبرة صوتها مكنتش فيها رحمة، كانت فيها شماتة. فوزية كملت: — قولت أجيبلك حاجة تفكرك بأيام زمان. طارق ضحك ضحكة صغيرة. ندى بصتله وهو ما بصش لها. فوزية قالت: — أصل الواحد مهما كبر واتعلم ولبس أغلى هدوم، لازم يفتكر أصله. وداد ضحكت، ومريم وشها اصفر. ندى فضلت ساكتة وفوزية كانت مستمتعة: — مش عيب يا ندى إن أمك كانت بتخدم في البيوت. ندى قالت: — فعلًا. فوزية اتفاجئت من ردها: — بالعكس، دي كانت بتشتغل بالحلال. — أهو ده الكلام. — وأنا عمري ما أنكرت ده. — بس واضح إنك نسيتي. ندى ابتسمت: — لأ. — أمال؟ — أنا فاكرة كل حاجة. سكتت. فوزية قالت: — فاكرة إن أمك كانت بتدخل بيوت الناس من الباب الخلفي؟ — فاكرة. — وبتنضف ورا الناس؟ — فاكرة. — وبتاخد فلوسها آخر الشهر؟ — فاكرة. فوزية ضحكت: — أمال ليه متكسفة؟ ندى ردت: — أنا مش متكسفة. سكتت الصالة كلها. ندى حطت الصورة على الترابيزة وقالت: — أنا فخورة بيها. فوزية اتضايقت: — فخورة؟ — جدًا. — حتى وهي كانت خدامة؟ ندى بصتلها في عينها: — كانت ست بتشتغل. — نفس المعنى. ندى هزت رأسها: — لأ. وبعدين بصت لطارق: — مش نفس المعنى. طارق أخيرًا رفع عينه. ندى قالت: — في فرق كبير بين واحدة بتبيع كرامتها… وواحدة بتشتغل عشان متبيعهاش.

