طمع حماتي

بعد مرور أسبوعين من اليوم ده، كانت الأمور مشيت في مسارها القانوني بدقة مرعبة. شريف وفوزية اضطروا يسيبوا الشقة تماماً بعد ما المحضر نفذ قرار الإخلاء، ونقلوا قعدتهم في شقة قديمة ومؤجرة في منطقة شعبية بعيدة جداً، لأن كل الحسابات البنكية والسيارات الفارهة اللي كانت باسمه اتسحبب لصالح سداد الديون والشركات اللي كانت مسجلة بالباطن.

أما أنا، فكنت قاعدة في كافيه هادي على كورنيش النيل، بشرب قهوتي الصباحية بكل راحة وسكينة، من غير صراخ فوزية هانم ولا طلبات شريف اللي مبتخلصش. موبايلي رن، وكانت رنة غريبة لرقم مجهول. فتحت الخط، فظهر صوت واحدة ست متعرفة كويس: “ازيك يا فريدة.. أنا ميرفت… مرآة شريف الجديدة اللي اتجوزها من وراكي من ست شهور وكنتي متعرفيش عنها حاجة أصلاً!”

الكلمة نزلت عليا زي البرق. صحيح مكنتش مندهشة أوي لأن طبع شريف مبيتغيرش، بس المفاجأة الحقيقية مكنتش في الجواز نفسه، دي كانت في اللي قالته بعدها على طول.

قالت بصوت مكسور ومليان دموع: “أنا متصلة بيكي عشان أحذرك.. شريف كان قايل لي إن الشقة دي ملكه وإحنا رايحين نعيش فيها بعد ما أنتي تمشي، ولما اتقفل علينا باب الشقة القديمة بتاعت أهله، اكتشفت إنه مسجل كل الديون الكبيرة باسمي أنا كمان، وانهاردة الصبح هرب وسابني محبوسة في شقة الدائنين، ومعايا ابننا الصغير اللي متعرفيش عنه حاجة أصلاً!”

 

فضلت قاعدة مكاني ثواني طويلة أبص لسطح المية الهادئ قدامي. عرفت وقتها إن فيه ناس مهما تلف ومهما تسرق وتكدب، بتفضل أسيرة لغرورها الفارغ، وإن أعظم درس الواحد بيتعلمه في الحياة دي هو إنه يحافظ على نفسه وفلوسه وكرامته، وميسمحش لأي حد، مهما كان غالي، إنه يستخسر فيه تعبه أو يطرده من ملكه الحقيقي. قفلت الموبايل، وعملت بلوك للرقم، وكملت فنجان قهوتي وأنا ببتسم للحياة الجديدة اللي بدأت من جديد وبشروط مقبولة تماماً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *