اكلة جمبري

جلس الجميع على السفرة، وعادت الضحكات لترن في أرجاء المكان، وعوض أحمد زوجته بوضع قطع الجمبري في طبقها بامتنان كبير، وخلال ساعتين، تم محو أثر الحزن تمامًا من قلبي العروسين. تم تنظيف السفرة والمطبخ بسرعة فائقة، وأُزيلت كل الروائح وأدلة الوليمة قبل أن تدق الساعة الرابعة؛ موعد عودة الحاج جلال. وعندما فتح والدكِ الباب ودخل البيت بجبروته المعتاد، وجد الهدوء يعم المكان، ووجد زوجته وابنه وعروسته يتعاملون بطبيعية تامة، ولم يكن يعلم أن تلك السفرة التي أراد أن يفرض فيها سطوته بالمنع، قد تحولت في غيابه إلى ميدان لانتصار الحب والجبر، وأن الأصول الحقيقية للبيوت لا تُحفظ بالقسۏة، بل بقلوب الأمهات التي تعرف كيف تداوي الجراح قبل أن تصبح ندوبًا لا تبرأ.

لم تكن تلك الوليمة السرية مجرد وجبة عابرة أُكلت على عجالة وطُويت صفحتها بمجرد مسح السفرة؛ بل كانت بمثابة إعلان حلف صامت غير مكتوب بين قلوب النساء في البيت وأحمد، حلف أساسه أن الكرامة خط أحمر لا يمكن للحاج جلال أو لغيره تجاوزه مجددًا. عندما دخل الأب البيت في تمام الرابعة عصرًا، كانت الرائحة قد تلاشت بفعل البخور وعمليات التهوية المكثفة، لكن الطاقة في المكان كانت قد تغيرت بالكامل. لم يعد هناك ذلك الخنوع والانكسار الذي تركه خلفه ليلة أمس؛ بل وجد هدوءًا رصينًا، ونظرات من أحمد لم يعد فيها عجز، بل فيها ثبات غريب جعله يتوجس خيفة لكن كبرياءه منعه من السؤال.

مرت الأيام والأسابيع، وظن الجميع أن العاصفة قد مرت بسلام، لكن چرح النفوس يغير مسار الحكايات خلف الكواليس. أحمد لم ينسَ تلك الليلة؛ أخذ الكلمة القاسېة التي رماها والده في وجهه لو مشيت ورا كلام مراتك هتخليك تشحت وجعلها وقودًا لتغيير حياته بالكامل. كان يعمل مهندسًا صغيراً في شركة مقاولات براتب ثابت لا يكفي لفتح بيت مستقل بالكامل، وهو السبب الذي جعله يوافق على العيش في بيت العائلة في البداية لتوفير النفقات. ومنذ تلك الليلة، بدأ أحمد يسهر الساعات الطويلة بعد انتهاء دوامه الرسمي، يبحث عن عقود عمل حرة Freelancing، ويصمم مخططات هندسية لشركات خارج البلاد حتى الصباح الباكر، وعيناه مسمرتان على شاشة حاسوبه، بينما كانت نور تجلس بجانبه ببطنها الذي بدأ يكبر يومًا بعد يوم، تسانده وتدعو له بقلب صادق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *