اكلة جمبري

كانت الحاجة هدى تراقب هذا الكفاح الصامت بفخر ممزوج بالقلق. كانت تعرف أن ابنها يبني جسر الخروج من تحت سلطة أبيه الطاغية. وفي المقابل، كان الحاج جلال يلاحظ التغيير؛ يرى ابنه يخرج مبكرًا ويعود متأخرًا، ولم يعد يطلب منه أي دعم مالي، بل إنه في بداية كل شهر أصبح يضع مبلغًا ماليًا محترمًا على الطاولة أمام أبيه كمساهمة منه في مصاريف البيت، وبنبرة جافة يقول اتفضل يا حاج، نصيبي في مصاريف البيت والشهر ده زيادة شوية عشان تشتروا كل اللي نفسكم فيه. كانت هذه الكلمات تقع على مسامع الأب كالسياط، لأنه شعر بأن ابنه بدأ يشتري حريته واستقلاله بماله، ولم يعد قادرًا على كسره بالحاجة أو بالمنّ.

أما نور، فقد تحولت في البيت إلى أيقونة للصبر والذكاء. لم تعد تطلب شيئًا، ولم تعد تتدلع أمام حميها، بل كانت تتعامل بحدود واضحة وتحترم الأصول التي تباهى بها الأب، ولكن بطريقتها الخاصة. كانت تخدم حماتها بحب صادق، وتجلس معكِ تتسامر وتضحك، ولكن بمجرد دخول الحاج جلال إلى الصالة، كانت تستأذن بأدب ووقار وتدخل غرفتها، حارمة إياه من متعة السيطرة أو توجيه أي ملاحظة لاذعة لها. هذا الجفاء المغلف بالاحترام كان ېق/تل كبرياء الحاج جلال ببطء؛ كان يشعر أنه معزول في بيته، وأن الجميع يبتسمون في غيابه، ويصمتون في حضوره.

وجاء اليوم الموعود الذي زلزل أركان البيت مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت الفرح والتحرر. في أحد صباحات يوم الجمعة، وبينما كان الجميع يجلسون على نفس السفرة التي شهدت الانكسار الأول، وضع أحمد أمامه مفتاحًا ذهبيًا لامعًا، وبجانبه عقدًا أزرق مصقولًا. نظر إلى والدته وابتسم ابتسامة دافئة هزت قلوب الحاضرين، ثم الټفت إلى والده وقال بنبرة هادئة وثابتة تمتلئ بالفخر يا حاج جلال… الحمد لله، ربنا كرمني في الشغل الحر الشهور اللي فاتت، ومضيت عقد كبير مع شركة خليجية. والنهارده، أنا اشتريت شقة تمليك واسعة في منطقة راقية، وبكرة الصبح هنقل أنا ونور لبيتنا الجديد، عشان نور تولد ابننا في بيتها المستقل، وتطلب كل اللي نفسها فيه من غير ما حد يقول لها كنتِ في بيت أبوكِ بتاكلي إيه.

ساد الصمت أرجاء الصالة، وتجمدت يد الحاج جلال وهي تحمل كوب الشاي. تلاقت عيناه بعيني ابنه، ورأى فيهما نضج الرجل الذي لم يعد بحاجة لأحد، ورأى انعكاس قسوته القديمة وهي ترتد إليه عارًا ووحدة. لم ينطق الأب بكلمة، بل نهض ببطء ودخل غرفته وأغلق الباب، ولأول مرة في حياته، لم يخبط الباب بقوة، بل أغلقه بهدوء رجل أدرك أنه خسر ابنه وحفيده بسبب كلمة خرجت من جوف كبريائه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *