اشتغلت على نفسي حصري لصفحة روايات رولا

 

بعدها حاولت تطلب أمن المبنى الداخلي… الشبكة مكنتش مجمعة في الجزء ده من الدور. ​في الآخر، لقيت رقم شخص عمرها ما تخيلت إنها تتصل بيه. ​حاتم الفولي… رئيس مجلس إدارة الشركة كله. ​قبل تلات شهور، في لقاء مفتوح مع المتدربين الجداد، حاتم كان قال جملة ندى كتبتها عندها في النوت بوك: «لو حصلت أي طوارئ حقيقية وما لقيتوش حد يسمعكم، رقمي معاكم.» ​غالباً هو قالها من باب التشجيع والكلام اللي بيتقال في الاجتماعات. بس ندى كانت على وشك تكتشف لو كان يقصدها بجد ولا لأ. ​— «أنتي لوحدك؟» — حاتم سألها. — «أيوه.» — «تقدر تقومي تمشي؟» ​ندى حاولت تسند وتقوم، بس وجع رهيب عصر بطنها: — «مش قادرة… مش قادرة خالص.» ​حاتم مسك مفاتيح عربيته: — «مكانك… أنا جاي حالا.» ​قدامه كانت مراته “رانيا”. كانوا قاعدين بيتعشوا سوا بعد 3 أسابيع كاملة مش عارفين يتقابلوا في ليلة واحدة بسبب شغله. ​رانيا سابت الشوكة من إيدها: — «تاني يا حاتم؟» — «في بنت متدربة تعبانة جداً في الشركة.» — «في الوقت ده؟ الساعة داخلة على 11 بالليل!» — «البنت لوحدها ومش قادرة تقف.» ​رانيا بصلت للموبايل اللي في إيده: — «وهي بتتصل بيك أنت ليه دايركت؟» ​حاتم فهم على طول هي بت تفكر في إيه: — «رانيا بلاش طريقة التفكير دي دلوقتي.» — «أنا مابتهمش حد، أنا بس بفتكر وبسأل!» — «البنت عندها عشرين سنة وصوتها رايح من التعب!» ​سكتت ثانية، وبعدين قالت: — «تمام… روح.» ​حاتم مسك بليزر بدلتو، ولما جيه يخرج رانيا أضافت: — «بس لما ترجع، عايزة أسألك سؤال تاني خالص.» ​لف بوشه ليها: — «سؤال إيه؟» — «عايزة أعرف ليه بنت عندها عشرين سنة تفضل شغال لوحدها لحد الساعة 11 بالليل في شركة أنت اللي بتديرها.» ​ما ردش عليها، وخرج. ​طول الطريق كان مخلّي الخط مفتوح مع ندى: — «اتكلمي معايا… ماتقفليش عينك.» — «مش قادرة أتكلم يا أستاذ حاتم…» — «قوليلي أكلتي إيه النهاردة؟» ​ندى اتأخرت عقبال ما ردت: — «علبة زبادي…» — «وبعدين؟» — «قهوة.» — «يا ندى!» — «الشغل كان كتير أوي…» ​حاتم ضغط على دركسيون العربية بغضب: — «مين اللي طلب منك تفضلي؟» ​سكوت. — «محدش قالها لي بالحرّف…» — «يعني إيه مش بالحرّف؟» — «أستاذة نيفين كانت محتاجة الملف ضروري.» — «هي أمرتِك تقعدي لحد ما تخلصيه النهاردة؟» — «مش بالطريقة دي… بس المفهوم كان واضح.» ​الرد ده ساب جواه إحساس مش مريح بالمرة. ​أول ما وصل التجمع، أمن المبنى عرفوه وفتحوا له الجراج بسرعة. طلع في الاسانسير للدور الـ 27. ​لقى النور مطفي في معظم المكاتب. وفي الآخر خالص، جنب أوضة الأرشيف، كانت ندى قاعدة على الأرض لافة جسمها من الوجع، ووشها أبيض زي الملاية. ​— «أسفة جداً يا أستاذ حاتم… أسفة إني تعبتك.» ​حاتم نزل على ركبته جنبها: — «بتتأسفي على إيه؟» — «عشان نزلتك من بيتك في الوقت ده…» — «سيبك من البيت دلوقتي.» ​حاول يسندها عشان تقف. ندى خطت خطوتين وجسمها اتنى تاني من الالم. حاتم مسكها بسرعة: — «إحنا رايحين المستشفى حالا.» — «اللا ب توب بتاعي…» — «سيبيه.» — «بس الملف…» — «قلت سيبيه!» ​في الطوارئ، الدكاترة شَخّصوا حالة ندى بإنها التهاب حاد في جدار المعدة مع جفاف وهبوط حاد في الضغط بسبب الإجهاد. ​الدكتورة قالت بحسم: — «الحمد لله إنها لحقت نفسها، بس لو كملت بالطريقة دي وب الضغط ده، هتدخل في مشاكل صحية أكبر بكثير.» ​ندى كانت سامعة الكلام وهي نائمة على السرير والمحاليل متوصلة في إيدها. أول حاجة سألتها: — «دكتورة… ينفع تكتبي في التقرير إن ده مش هيأثر على شغلي؟» ​حاتم بصلها بستغراب شديد: — «أنتي بتقولي إيه؟» — «أنا لازم أرجع الشركة.» — «أنتي متوصلة بمحاليل يا ندى!» — «أستاذة نيفين بتراجع الحضور يوم بيوم… لو غبت والملف ناقص هيمشوني…» ​حاتم حس بحاجة شبه الخزي والكسوف: — «محدش هيمشيكي.» ​ندى بصلت له بعيون خايفة: — «الولد اللي كان قبلي قالوا له نفس الكلام وبرضه مشيوه.» ​حاتم اتثمر في مكانه: — «ولد مين؟» ​ندى حسّت إنها اتسرعت في الكلام وسكتت: — «أنا… أنا معرفش تفاصيل أوي.» — «ندى… اتكلمي!» — «كان اسمه زياد… زياد مجدي.» ​قبل ما يلحق يسألها أكتر، دخلت إلهام، أم ندى. ​جت تجري على بنتها، حضنتها وبستها وهي بتعيط، وبعدها لفّت وشها لحاتم وشكرته. بس لما عرفت إن بنتها أغمى عليها من كتر السهر والشغل، نبرة كلامها اتغيرت تماماً. ​— «هو يصح بنتي تفضل محبوسة في المبنى ده للوقت ده كل يوم؟» — «أنا بحقق في الموضوع ده بنفسي دلوقتي يا مدام.» ​إلهام طينت على شعر بنتها: — «من يوم ما دخلت الشغل عندكم وهي بتصحى وتنام والموبايل في إيدها. مابتلحقش تاكل… بتشوف الشغل وهي بتاكل، ويوم الأحد اللي هو إجازتها تقعد ترد على إيميلات! مرة كان عندها سخونية عالية وترجتني أسيبها نزلت عشان “في ناس كتير مستنيين ياخدوا مكانها”!» ​حاتم مالقاش كلمة واحدة يقلها. ​رجع بيته بعد الساعة اتنين بالليل. ​رانيا كانت لسه قاعدة صاحية ومستنياه. ​— «بقت كويسة؟» — «أيوه… علقوا لها محاليل.» — « الحمد لله.» ​حاتم قعد قدامها وهو ساكت ومهموم. ​— «طلع عندك حق يا رانيا… أنا مكنتش فاهم ليه كانت بتموت نفسها في الشغل كده.» — «أنا فاهمة ليه.» ​حاتم رفع عينه ليها. ​— «طول السنين اللي فاتت وأنا بشوفك بتفتخر بالناس اللي بتسهر للصبح. بتقول على الموظف اللي بيرد على الإيميل الساعة 3 الفجر إنه “راجل جوكر ومخلص”. بتبارك للي بيلغي إجازته السنوية عشان يقفل صفقة للشركة.» — «ده مش معناه إني عايز ناس تعيا وتترتير في المستشفيات!» — «أنت مش محتاج تقولها بصريح العبارة يا حاتم.» ​رانيا قربت منه وقالت بهدوء: — «الناس في الشركات بتعمل اللي أنت بتكافئه. الثقافة دي أنت اللي بنيتها بنفسك.» ​حاتم سكت وما ردش. ​في اللحظة دي افتكر حاجة. ​قبل ما يخرج من المستشفى، ندى كانت باعتالة سكرين شوت لرسالة نيفين عشان تبلغه بطلب الملف. بس كان في جزء باين من شات قديم فوق الرسالة. ​رسالة من نيفين باعتها للجروب من أسابيع: «زياد عرفنا كلنا إيه اللي بيحصل للناس اللي معندهاش طموح ورغبة حقيقية إنها تكبر.» ​حاتم عمره ما سمع الجملة دي. ولا كان يعرف مين “زياد” ده اصلاً. ​الساعة 6:40 الصبح، حاتم كان واقف في مدخل الشركة. ​طلب فوراً من إدارة الموارد البشرية (HR) ملفات كل المتدربين اللي سابوا الشركة أو اترفضوا خلال السنة اللي فاتت. ​إدارة HR اتأخروا 40 دقيقة كاملين عقبال ما جابوا الملفات. ​ولما استلم الورق، لقى الاسم: زياد مجدي. ​سبب الاستقالة مكتوب في الورق الرسمي: «استقالة طوعية لعدم ملاءمة بيئة العمل ذات الأداء العالي.» ​بس كان في حاجة غلط ومش منطقية. ​الورقة الرسمية للاستقالة متأرخة بيوم “الثلاثاء”. ​لكن سجلات الكروت الذكية وبوابات الأمن المُميكنة كانت بتقول إن زياد حاول يدخل المبنى يوم “الأربعاء” الصبح عادي جداً… وإن كارت الدخول بتاعه اتلغى فجأة الساعة 8:13 الصبح من غير ما يدخل! ​حاتم مسك التليفون وطلب مدير الـ HR: — «هاتلي الإيميل الأصلي اللي زياد بعت فيه استقالته فوراً.» ​جه الرد بعد لحظات سكون مرعبة: — «أستاذ حاتم… إحنا تدورنا في السيرفر… مفيش أي إيميل استقالة مبعوت من زياد.» ​حاتم بص تاني لـ الشات اللي في موبايله. ​اللي حصل مع ندى إمبارح بالليل مكنش مجرد حالة فردية ولا بنت مجتهدة زيادة عن اللزوم… دي كانت رأس الجبل الجليدي لحاجة أكبر وأخطر بكتير مستخبية جوه الشركة.الجزء الثاني ​الساعة تسعة الصبح، حاتم قفل باب قاعة الاجتماعات الرئيسية. كان داعي 5 أفراد بس: نيفين سليم (المنشرفة على ندى)، وسامح نوير (نائب رئيس مجلس الإدارة للعمليات)، وجيهان عبد الله (مديرة الموارد البشرية – HR). ​حاتم حط ملف “زياد مجدي” على الترابيزة وبص لـ جيهان: — «عايز اعرف مين اللي كتب التقرير ده.» ​جيهان مسكت الورقة: — «ده نموذج إنهاء الخدمة العادي…» — «أنا شايف إنه العادي،» حاتم شاور على سطر معين: «بس مكتوب هنا “استقالة طوعية بناءً على رغبة الموظف”، ومفيش استقالة مكتوبة، ولا إيميل، ولا حتى إمضاء منه!» ​نيفين مربعة إيدها وقالت ببرود: — «أكيد غلطة إدارية غير مقصودة يا فندم.» — «طب فسرولي إزاي حاول يدخل المبنى التجمع ثاني يوم وكارته اتلغى من الأمن أول ما وصل؟» ​تدخل سامح نوير بنبرة حادة: — «حاتم… إحنا شغالين على صفقة استثمارية بـ 3 مليار جنيه! مش معقول هتوقف الشركة عشان عيل متدرب مشي من كام شهر!» — «أنا ممكن أوقف الشركة كلها لما أكتشف إن الموظفين بيترفصلوا وبيكتب في ورقهم إنه استقالوا!» ​الجو في القاعة اتكهرب. نيفين دافعت عن نفسها: — «محدش بيمشي حد عشان تعب!» ​حاتم زق موبايله على الترابيزة، وكان مفتوح على رسالة نيفين لـ ندى: (زياد عرفنا كلنا إيه اللي بيحصل للناس اللي معندهاش طموح ورغبة حقيقية إنها تكبر). ​— «يعني إيه الكلام ده يا نيفين؟» وش نيفين اصفرّ: — «طريقة كلام عادية عشان أشجعهم…» — «فسريها لي!» — «زياد كان عنده مشاكل في الاستجابة وضغط الشغل.» — «مشاكل في الأداء ولا طلب يستأذن عشان عنده ظرف صحي؟» ​نيفين ماردتش. ​حاتم طلب مراجعة وتفتيش إداري فوري. واللي ظهر خلال 48 ساعة كان أبشع مما يتخيلوا. ​في ظرف 6 شهور بس، 17 موظف ومتدرب سجلوا خروج من بوابات الأمن بين الساعة 10 بالليل و1 الصبح، لكن سيستم الحضور المالي بيسجل إنهم مشيوا 7 مساءً! 5 موظفين قدموا أجازات مرضية بسبب قرحة معدة، واضطرابات قلق، وهبوط حاد. 3 منهم استقالوا بعدها على طول. ​إدارة الـ HR استلمت 11 شكوى رسمية، 8 منهم اتقفلوا من غير أي تحقيق! والسبب الثابت في كل مرة: «عدم التوافق مع متطلبات العمل العالية». ​حاتم أخد قرار يجمّد المفاوضات الخاصة بالصفقة الكبيرة اللي مجلس الإدارة بيجهز لها بقاله سنة. ​سامح نوير انفجر فيه: — «أنت بتخاطر بأكبر صفقة للشركة عشان شوية رسائل واتساب؟!» — «أنا بوقف المهزلة دي لحد ما أعرف هل أرباحنا قايمة على عرق ناس بنجبرهم يشتغلوا ببلاش وبنمسح ساعات شغلهم من السيستم!»

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *