دهبي اماني السيد

ابنها الصغير رفع عينه بدموع بريئة وسألها بصوت بيترجف: “ماما.. إحنا رايحين فين؟ وبابا ليه مش نازل ورانا؟”
بلعت ريقها المر، وحبست غصة في حلقها كانت كفيلة تهد جبال، ونزلت لمستواه، مسحت وشه بكم عبايتها وقالتله بنبرة مليانة قوة معرفتش منين طلعت: “بابا اختار طريقه يا حبيبي.. وإحنا رايحين نبني بيتنا من أول وجديد، بيت مفيش فيه خيانة، ولا فيه مكان لحد يبيعنا.”
مدت إيدها في جيب العباية، مكنش حيلتها غير كام جنيه فكة باقين من مشوار الصبح، وتليفون قديم مكسور شاشته. وقفت تحت عمود النور، سحبت نفس طويل بطعم القهر والعزيمة في نفس الوقت، وطلعت التليفون ورنت على النمرة الوحيدة اللي باقية ليها في الدنيا وسندها الحقيقي.
الخط فتح على صوت دافي ولهفان، مكنتش محتاجة تشرح كتير، أول ما قالت: “أنا في الشارع بولادي يا فلان.. طردنا وباع كل حاجة”، جه الرد اللي رد الروح في عروقها: “اثبتي مكانك ومتنزليش دمعة واحدة.. ربع ساعة وأكون عندك، وحقك وحق عيالك هيرجعلك تالت ومتلت بالقانون ومن عينه.”
قفلت السكة، بصت لمدخل العمارة اللي خرجت منها لآخر مرة، رفعت راسها للسما، وابتسامة تحدي اترسمت وسط ملامحها الحزينة، عارفة إن الليلة دي مش نهاية الحكاية.. دي بداية معركة مش هتخرج منها غير وهي كاسرة اللي استقوى عليها وظلم عيالها.
عربيات النقل مشيت، والشارع هدي شوية، ووقفت هي تحت نور العمود الأصفر، حاضنة العيلين اللي دفيوا من قربها وبطلوا عياط، كأنهم حسوا إن حضن أمهم هو الحيطة الوحيدة اللي مش هتميل عليهم أبداً.
مرت الدقايق تقيلة زي سنين، لحد ما وقفت قدامها عربية مألوفة، نزل منها الشخص اللي كلمته.. نزل بخطوة سريعة وعينه بتدور عليها، وأول ما شاف القعدة والشنط، عروق وشه اتشدت بغضب، بس أول ما قرب منها حسس على راس العيال وقال بصوت هادي يطمن: “قومي يا غالية.. طول ما فينا نفس بتتنفس، ولا إنتي ولا ولادك تتداس لكم طرف ولا تباتوا في الشارع.”
شال الشنط والكراتين في شنطة العربية، وفتح الباب الخلفي عشان تركب هي وولادها. قبل ما تحط رجلها في العربية، لفت وبصت لشباك الشقة في الدور التالت؛ كان النور عالي، والست التانية واقفة في البلكونة بطرحتها السواريه بتبص بشماتة ومستنية تشوفها مكسورة وبتستعطف أو بتصرخ.


