دهبي اماني السيد

ريهام مسكت دراعه وضحكت ضحكة عالية، وبصتلي من فوق لتحت وهي بتغمزلي بعينيها وتقول: “ألف مبروك عليكي الكرسي يا مديرة، وألف مبروك عليا أحمد.. شفتي مين اللي كسب في الآخر؟”

سقعة درجات السلم الرخام كانت بتنخر في عضمها، بس ولا حاجة جنب النار اللي قادت في صدرها فجأة. حضنت العيلين بكل عافيتها، بتدفن وشوشهم جوة عبايتها المتبهدلة عشان تداري عنهم نظرة الشماتة والتناكة اللي بتبص بيها الست التانية من ورا ضهر جوزها. صوت شهقات البنت كان بيقطع القلب، وإيد الولد ماسكة في كتفها وبترتعش برعب من صوت عمال النقل، وهما نازلين وشايلين كراتين فيها شقى سنين عمرها وذكرياتها، كأنهم بينقلوا كراكيب ملهاش عازة!

بصت تحت رجليها.. لقت برواز صورتهم القديمة مرمي جنب شنط الهدوم المقطعة؛ وشوشهم فيها كانت لسه بريئة ومتعرفش يعني إيه غدر. وجنب البرواز الورقة الملعونة.. عقد الشقة اللي اتدفع دمه من بيع غوايش أمها يوم ما كان مديون ومش لاقي ياكل، عشان يوقف على حيله ويكبر.. وأول ما ريشه قِوي، كتب البيت باسم الهانم الجديدة كادو ومؤخر صداق على الجاهز، وفي ليلة العيد!

هو كان واقف مربع إيده، وشه خشب مفيش فيه نقطة دم، بيبص لدموع عياله كأنهم شحاتين على بابه. رفعت عينها ليه، اتقابلت عيونهم ثانية واحدة، بس مكنش فيها نظرة استعطاف، كان فيها انطفاء ووجع قلب اتحول في لحظة لحجر.

مسحت دمعتها بطرف طرحتها، وضمت العيال وقالت بصوت باصص بس يرن في الحيطان: “اشبع ببيتك وعزك يا ابن الأصول.. الأيام لسه طويلة والدنيا بتلف، وبكرة هتدور على ضفر عيل من دول ومش هتلاقيه، وساعتها اللي بعت ولادك عشانها.. هتبيعك بتراب الفلوس.”

وقفت على حيلها براحة، شدت الشنطة المتبهدلة بإيد، ومسكت في عيالها بالتانية، ونزلت درجات السلم بخطوة ثابتة وسط ضلمة الشارع، سايبة وراها باب اتقفل في وشها، بس فتح ألف سكة لحساب جاي لا محالة.

نزلت رجلها على أول بلاطة في الشارع، وكانت الهوا الساقع يلطش وشوش العيال الباكية، وأغاني العيد طالعة من المحلات والبيوت حواليهم كأنها سكاكين بتدبح في قلبها. الناس في الشارع بتجري تشتري لبس العيد وحلوياته، وهي بتجرجر شقاها في شنط مقطعة وعيالها مشبوكين في هدومها من الرعب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *