قصة زوجي وعزومة اصحابي

الليلة دي ما كانتش مجرد عزومة عشاء عادية، ولا مناسبة شغل زي ما الكل افتكر وهلل.. دي كانت الليلة اللي بكتب فيها بإيدي نهاية مرحلة كاملة من حياتي. ليلة “سفرة الخيانة” اللي افتكروا إنها هتكسرني وتذلني قدام الناس، وهي في الحقيقة كانت اللحظة اللي استرديت فيها نفسي، وكرامتي، وكياني اللي اتنسى.
من الصبح بدري وأنا واقفة على رجلي في المطبخ.. عين على الحلل المترصصة وعين على نار الفرن. رجلي ما شالتنيش من كتر التعب واللف، بس حماسي وطاقتي كانوا غالبين، كأني بأجهز لملحمة أو بظبط مسرح لأهم عرض في حياتي.
بأظبط ملح المحشي بعناية، وأتابع المشويات في الفرن بعين ست خبرة عارفة إن التفاصيل الصغيرة هي اللي بتعمل الصورة الكبيرة وتشرّف أي بيت. كنت عاوزة كل حاجة تطلع مثالية وبأعلى جودة؛ مش خوف ولا هزيمة من كلام حد، ولا عشان أثبت لحد إني شاطرة.
طول السنين دي، أنا اللي كنت السند والظهر.. من أول ما بدأنا الأتيليه بمكنتين خياطة قدام شقة صغيرة، لحد ما بقى اسم وكيان كبير. كنت فاكرة إن طارق جوزي هيرفع راسه بيا قدام الناس، ويقف في نص الصالة يقول إن “سارة” مش مجرد زوجة وبنت أصول شاطرة في المطبخ وبيت، دي شريكة نجاح حقيقية، هي اللي وقفت جنبه وسندته لما ما كانش حيلته القرش وكان بيلف على مكتب المقاولات يستجدي شغلانة. ما كنتش أعرف في اللحظة دي إني بجهّز بدم قلبي وعرقي مسرح لمشهد أسود عمري ما تخيلته في أبشع كوابيسي!
بس اللي هما ما يعرفوهوش، إن السكون اللي كان على وشي الصبح ما كانش طيبة غشيمة.. ده كان الهدوء اللي بيسبق الإعصار!
على الساعة تمانية بالظبط، جرس الباب رن رنات متواصلة ومبهجة، والصالة اتملت ضحك، ومجاملات، وسلامات باليد بين طارق وزمايله في السوق وأزواجهم. طارق كان بيتحرك بين الضيوف بثقة وشياكة زيادة عن اللزوم، لابس أنضف بدلة عنده، بيبتسم أكتر من العادة وكأنه مستني لحظة معينة يرفع فيها الستار عن مفاجأة الموسم.
الصدمة على السفرة
أنا من المطبخ كنت سامعة ضحكاته العالية.. ما أخدتش في بالي لغز نظراته المترقبة، ولا نظرات أخت طارق اللي كانت قاعدة على حرف الكرسي وبتبصلي بتوتر غريب كل ما أدخل وأخرج. كنت مشغولة برص السُفرة؛ الأطباق السيراميك، المعالق الفضة، وأطباق السلطات المتقطعة بالمليم. شلت صينية القهوة المغلية بوش مظبوط، وخرجت بخطوات ثابتة وابتسامة محترفة ومرحبة بالضيوف.. لحد ما خطوتي اتجمدت، وعيني وقعت عليها!
قاعدة في نص الكنبة الرئيسية، في مكاني أنا تقريباً، ولابسة طقم شيك وغالي جداً عمري ما شفته عليها، ولابسة كعب عالي ومظبطة شعرها في كوافير راقي! نظرة عينيها كانت مختلفة تماماً عن البنت الغلبانة المكسورة اللي جاتلي الأتيليه من ست أشهر، تدمع وتتمسكن وتترجاني عشان أساعدها وأشغلها معايا في الخياطة والتطريز، ووظيفة تأكل منها عيش بعد ما قاطعت أهلها وظروفها اتكسرت!
بس اللي يقطع القلب ويرج الجسم رج.. إنها كانت لابسة الكوليه الذهب الإيطالي نفسه اللي طارق حلف لي على المصحف من شهر إنه ضاع منه في زحمة الشارع وهو رايح للصائغ يغير القفل بتاعه! يومها قالي بوجه مكسور وتمثيلية مقتنة:
– «يا سارة الطقم تقيل وقفله صغير وممكن يقع منك في أي حزّة، فقلت أروح أغير القفل وضاع مني في التاكسي!»
يومها صدقته من طهارة نيّتي، وطبطبت عليه وواسيته وقُلت له: «الذهب يروح وييجي يا حبيبي، فداك ألف كوليه المهم إنك جنبي وبخير وما جرالكش حاجة.»
أول ما شفت الكوليه بيبرق في رقبتها وتحت إضاءة الصالة، صينية الفناجين اتزحلقت من إيدي ووقعت على السيراميك! صوت الكسر دبح السكوت ورن في أذن الصالة كلها، والقهوة المغلية اتدلقت على السجادة وعلى طرف فستاني!
الوجع ما كانش في وجود مي بس.. الوجع كان في الطريقة اللي قاعدة بيها، في لفة رجلها بثقة، في النظرة اللي بتبصلي بيها بكل حقد وغرور، وفي الثقة اللي كأنها إعلان انتصار رسمي على حطامي في بيتي قدام الناس!
طارق قطّع السكتة والذهول اللي خيم على القاعة، وقام وقف بكل جحود وبصوت هادي، بارد، وخالي من أي نبرة إنسانية أو رحمة:
– «سارة.. أحب أعرفك، دي مي مراتي التانية! والنهاردة الشباب وزمايلي جايين يباركوا بالمرة.. أصلها حامل وفي شهرها الأول.»
لو كان حد مسك آلة حادة وضربني بيها في نص الصالة قدام الناس، كان أهون عليا ألف مرة! الكلمات طلعت من بؤه ببرود يجمّد الدم في العروق؛ لا ارتباك في صوته، ولا خجل في عينيه، ولا حتى نبرة اعتذار بسيطة تستر قلة أصله وندالته.. مجرد إعلان رسمي ومفاجأة قذرة بيكسرني بيها في قلب بيتي وعلي السفرة اللي طافحة فيها الدم من الصبح.
مي كملت المشهد المريض عشان تجهز عليا؛ ضحكت بخفة ودفء مصنع، ولفت رجل على رجل، ولمست الكوليه الذهب اللي في رقبتها بصوابعها وقالت بنبرة تقطر سم وصفاقة:
– «البيت بقى كبير يا سارة.. تعيشي وتجيبي غيره، والبركة في اللي جاي وفي الصغير اللي في بطني! ولازم نتعود نتشارك في كل حاجة من النهاردة!»
الضيوف والزملاء اللي كانوا في الصالة اتخرسوا تماماً، الضحك والمجاملات اتخرطوا فجأة والجو اتكهرب ووقف في الزور.. الناس بقت تنقل عيونها بكسوف وإحراج شديد بيني وبين طارق ومي، ومحدش كان عارف يتحرك ولا ينطق كلمة واحدة، وكأن على رؤوسهم الطير.
