"وعدتها بموبايل آيفون جديد لو قلبت الطين على تورتة يوسف." أبويا قالها وهو بيبتسم... كأنه بيحكي نكتة عادية على قهوة، مش بيدي أمر بتدمير فرحة حفيده الوحيد. ورأه على طول كان يوسف، ابني اللي عنده 8 سنين، واقف مكانه متخشب زي الصنم، ولسه ماسك في إيده علبة الشمع اللي كان مستني يولعه من أكتر من أسبوعين عشان يبدأ أمنيته السنوية. التورتة الكبيرة، اللي كانت معمولة خصيصاً على شكل صاروخ فضائي تفصيلي عشان ده كان حلمه المطلق، كانت بتنهار قدام عينينا في جنينة الفيلا الواسعة. الكريمة البيضاء الفاخرة كانت بتسيح وتنزل على الترابيزة، والشوكولاتة اختلطت بالطين الأسود، والزينة الزرقا اللامعة اللي يوسف بنفسه اختارها قطعة قطعتة بقت كلها غرقانة في الوحل ومتبهدلة بشكل يقطع القلب. كل ده حصل قدام أكتر من 30 واحد من الجيران والأصدقاء وأقاربنا اللي دعوناهم يشاركونا الفرحة. بنت أخويا، ملك، اللي عندها 11 سنة، كانت واقفة ماسكة جردل بلاستيك فاضي كان مليان مفاكرة وطين، وباصّة لجدو بفخر واعتزاز... وبعدها بصّت لأبوها كريم، كأنها مستنية حد يقولها الكلمة السحرية: "برافو... شاطرة، عملتيها تمام." أخويا كريم كان بالعافية ماسك نفسه من الضحك، وشه محمر من كتر ما كان مكتوم. أما أبويا... فماحاولش حتى يخبي شماتته أو يداري نظرة القسوة اللي في عينه. قال بمنتهى البرود ولا كأن فيه أي ذرة إنسانية اتحركت جوه: "هي تستاهل الآيفون... وأنا أوفيت بوعدي ليها." لثواني معدودة، المكان كله سكت سكون تام.. محدش تجرأ ينطق بكلمة واحدة. بعدها طفلة صغيرة من المعازيم انفجرت في العياط من الرعب والمشهد الصادم. أمها مسكتها بسرعة ومشيوا من غير ما ينطقوا بكلمة وداع واحدة. بعدها أسرة تانية لمت عيالها وانسحبت في صمت مطبق. وبوبعدها الأسرة التالتة والرابعة. في أقل من ربع ساعة، كل المعازيم كانوا خرجوا برا الفيلا كأنهم هاربين من كارثة. النطاطة الكبيرة اللي استأجرناها ليوسف بمبلغ وقدره عشان تنور الحفلة، كانت لسه شغالة وموتورها بيزن... بتطلع وتنزل مع الهوا الفاضي... من غير ولا طفل واحد بيلعب فيها أو بيجري حواليها. يوسف حط علبة الشمع الزرقا بهدوء غريب فوق كرسي قريب، ودخل البيت في سكون تام، وبعدين خرج من الباب الرئيسي للشارع. لقيته قاعد على السلم الواطي قدام البيت، حاطط إيده الاتنين بين رجليه، وباصص للشارع الفاضي. والغريب بجد... إنه ماكنش بيعيط قطرة دمعة واحدة. وده كان أصعب بكتير وأقسى على قلبي من العياط والصراخ. قعد يتفرج على العربيات وهي ماشية واحدة ورا التانية بلا هدف. قربت منه وقعدت جنبه بحذر وقلت بصوت مخنوق: "يا حبيبي..." ما بصليش خالص. وسألني بصوت هادي وبارد كسرني لنصين وخلص على باقي طاقة الصبر اللي فيا: "هو جدو عمل كده... عشان هو بيكرهني؟" حسيت إن قلبي اتجمد في مكاني والدم وقف في عروقي. قلتله وأنا باخد نفس طويل وبحاول أتماسك قدامه بالعافية: "لأ يا يوسف... إنت معملتش أي حاجة غلط خالص يا حبيبي، العيب مش فيك." سكت ثانية طويلة كأنه بيستوعب الكلام، وبعدين بص لي وقال: "طب... ليه عمو كريم كان بيضحك عليا؟" والمرة دي... ماكانش عندي ولا إجابة واحدة ينفع طفل عنده 8 سنين يفهمها أو يستوعبها. حضنته جامد لقرب ضلوعي لبعضها، وفضلنا قاعدين جنب بعض على السلم البارد، لحد ما الشارع فضي تماماً من الرايح والجاي. وفي اللحظة دي بالضبط، جوه حشاشة قلبي، حاجة انكسرت وحاجة تانية اتغيرت للأبد. أبويا وأخويا كانوا فاكرين بطيشهم وغبائهم إنهم بوظوا تورتة تمنها كام ألف جنيه عشان يكسروا فرحة طفل بريء.. وماكانوش يعرفوا أبداً ولا يدركوا إنهم في اللحظة دي خسروا حاجة أكبر بكتير وأثمن من الفلوس والتورتة. القصة دي مكنتش مجرد موقف عابر في يوم ميلاد، دي كانت القشة اللي قسمت ظهر الاحترام والروابط العائلية الزائفة اللي كنت باقية عليها سنين طويلة. طول عمري وأنا شايفة بعيني إزاي بابا بيميز ولاد أخويا كريم ومنة عن ابني ياسين. كان دايماً بيعتبرهم هما العزوة والظهر الحقيقي، بينما ياسين كان دايماً في نظره "ابن الغريبة" أو الطرف الهامشي اللي ملوش مكان وسط الهيبة والعزوة المزعومة بتاعت العيلة. كنت بأبلع الإهانة وأسكت، وأقول معلش عشان خاطر صلة الرحم وعشان ما أعملش مشاكل تهد البيت، وكنت دايماً أقول لنفسي بكرة يكبروا ويفهموا، بس للأسف الظلم زاد عن حده وبقى علني وبجاحة ملهاش وصف. بعد الليلة دي، دخلت أنا ويوسف البيت، ومحدش من العيلة الكبيرة نطق بكلمة اعتذار واحدة، بالعكس، أخويا كريم كان بيعدي قدامي وهو رافع خشمه وكأنهم عملوا إنجاز عظيم. أبويا حتى مابصش في وش ياسين وهو ماشي. بس هم مكنوش عارفين أنا بجهز إيه جوه عقلي. أنا مقتتلتش بالصوت العالي ولا عملت خناقة تليق بمستوى انحطاطهم، لأن الكبار أحياناً بيتصرفوا بندالة تفوق عقول الأطفال. أخذت ياسين، وبدأت أغير طريق حياتنا تماماً. قطعت زيارتنا تماماً لبيت العيلة، ومبقيتش أرد على مكالمات بابا أو كريم. في الأول استغربوا وافتكروني بتمأسل أو بغضب يومين وهروق لوحدي زي العادة القديمة، لكن لما لقوا الشهر بيعدي والثاني والشهر الثالث ومفيش أي أثر لوجودنا في حياتهم، بدأ القلق يدب في قلوبهم، خصوصاً لما المجتمع حوالينا بدأ يلاحظ غيابنا في المناسبات والأعياد ويسألوا هو إيه اللي حصل بين المهندس الكبير وبنته الوحيدة؟ أبويا حاول يبعث ناس وسطنا عشان نيجي نصالحهم ونبوس الدقون كالعادة، بس أنا كنت قفلت الباب بالمفتاح وبلا رجعة. ياسين ابني بدأ يرجع لضحكته الطبيعية بعيد عن نقددهم السم وسمومهم اللي كانت بتدمر نفسيته بالتدريج. دخلته نادي رياضي كبير، وبقى بيلعب ويحقق بطولات صغيرة بتخليه يرفع رأسه لفوق بفخر حقيقي مش مصطنع. في يوم من الأيام، وبعد مرور سنة كاملة على حادثة التورتة والآيفون، جاتني رسالة على الموبايل من رقم غريب، فتحتها لقيتها من أخويا كريم بيقول لي فيها بصوت متردد: "ابقي اسألي عليا أبوكي، حالته الصحية متدهورة وعمال ينادي باسمك إنتي وياسين، وكل ما نسأله عن طلب يقول عايز بنتي فوزية." قلبي حنّ لحظة واحدة بحكم الطفولة والتربية القديمة، بس رجعت افتكرت نظرة يوسف وهو قاعد على السلم باصص للشارع بلا حيلة، وافتكرت برود أبويا وهو بيقول "تستاهل الآيفون"، فوقفت قدام المراية وقلت لنفسي: اللي يبيع كرامة ابنه عشان خاطر طيش عيال، ملوش مكان ياخد من عمري ولا من وقتي باقي العمر. مروحتيش، وفضلت ثابتة على مبدئي. وبعدها بشهرين جاني خبر وفاة أبويا. روحت العزا لأداء الواجب الإنساني والأخير وبس، دخلت وشفت كريم ومنة مكسورين وحاسين بالذنب والضعف بعد ما السند الحقيقي راح، وبصوا لي نظرة طويلة فيها ألف معتذر وندم متأخر ما بقاش له أي قيمة ولا طعم. ياسين كان واقف جنبي، رافع رأسه، لابس أسود شيك، وعينه كلها ثقة وقوة، مفيهاش أي خوف أو انكسار من الماضي. خرجت من العزا وأنا ماسكة إيد ابني جامد، وعرفت وقتها إن التورتة اللي اتقلب عليها الطين زمان، كانت هي الطين الحقيقي اللي دفنوا بيه قسوتهم وظلمهم للأبد، وإحنا طلعنا من الوحل ده أقوى وأطهر بكتير، وعلمناهم درس في الكرامة الإنسانية مكنوش يتوقعوا إنهم يتعلموه في يوم من الأيام على إيد طفل عنده 8 سنين وأمه اللي قررت توقف المهزلة.