“وعدتها بموبايل آيفون جديد لو قلبت الطين على تورتة يوسف.” ​أبويا قالها وهو بيبتسم

أخذت ياسين، وبدأت أغير طريق حياتنا تماماً. قطعت زيارتنا تماماً لبيت العيلة، ومبقيتش أرد على مكالمات بابا أو كريم. في الأول استغربوا وافتكروني بتمأسل أو بغضب يومين وهروق لوحدي زي العادة القديمة، لكن لما لقوا الشهر بيعدي والثاني والشهر الثالث ومفيش أي أثر لوجودنا في حياتهم، بدأ القلق يدب في قلوبهم، خصوصاً لما المجتمع حوالينا بدأ يلاحظ غيابنا في المناسبات والأعياد ويسألوا هو إيه اللي حصل بين المهندس الكبير وبنته الوحيدة؟

أبويا حاول يبعث ناس وسطنا عشان نيجي نصالحهم ونبوس الدقون كالعادة، بس أنا كنت قفلت الباب بالمفتاح وبلا رجعة. ياسين ابني بدأ يرجع لضحكته الطبيعية بعيد عن نقددهم السم وسمومهم اللي كانت بتدمر نفسيته بالتدريج. دخلته نادي رياضي كبير، وبقى بيلعب ويحقق بطولات صغيرة بتخليه يرفع رأسه لفوق بفخر حقيقي مش مصطنع.

في يوم من الأيام، وبعد مرور سنة كاملة على حادثة التورتة والآيفون، جاتني رسالة على الموبايل من رقم غريب، فتحتها لقيتها من أخويا كريم بيقول لي فيها بصوت متردد: “ابقي اسألي عليا أبوكي، حالته الصحية متدهورة وعمال ينادي باسمك إنتي وياسين، وكل ما نسأله عن طلب يقول عايز بنتي فوزية.” قلبي حنّ لحظة واحدة بحكم الطفولة والتربية القديمة، بس رجعت افتكرت نظرة يوسف وهو قاعد على السلم باصص للشارع بلا حيلة، وافتكرت برود أبويا وهو بيقول “تستاهل الآيفون”، فوقفت قدام المراية وقلت لنفسي: اللي يبيع كرامة ابنه عشان خاطر طيش عيال، ملوش مكان ياخد من عمري ولا من وقتي باقي العمر.

مروحتيش، وفضلت ثابتة على مبدئي. وبعدها بشهرين جاني خبر وفاة أبويا. روحت العزا لأداء الواجب الإنساني والأخير وبس، دخلت وشفت كريم ومنة مكسورين وحاسين بالذنب والضعف بعد ما السند الحقيقي راح، وبصوا لي نظرة طويلة فيها ألف معتذر وندم متأخر ما بقاش له أي قيمة ولا طعم. ياسين كان واقف جنبي، رافع رأسه، لابس أسود شيك، وعينه كلها ثقة وقوة، مفيهاش أي خوف أو انكسار من الماضي.

خرجت من العزا وأنا ماسكة إيد ابني جامد، وعرفت وقتها إن التورتة اللي اتقلب عليها الطين زمان، كانت هي الطين الحقيقي اللي دفنوا بيه قسوتهم وظلمهم للأبد، وإحنا طلعنا من الوحل ده أقوى وأطهر بكتير، وعلمناهم درس في الكرامة الإنسانية مكنوش يتوقعوا إنهم يتعلموه في يوم من الأيام على إيد طفل عنده 8 سنين وأمه اللي قررت توقف المهزلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *