أمي جت عندي بعد الولادة عشان تخدمني، حماتي طردتها من شقتي

أمي جت عندي بعد الولادة عشان تخدمني، حماتي طردتها من شقتي

وأنا حامل في الشهر التاسع، أمي قالتلي: — تعالي اولدي عندي يا بنتي، مش عاوزة أجيلك شقتك عشان جوزك ياخد راحته. وبعدين قالتلي إنها مربية فراخ بلدي على السطوح، وهتدبح منها وتطبخلي أول ما أولد عشان أتقوّت. بس جوزي رفض تمامًا وقاللي: — لأ، تولدي في شقتك وبيتك. أمي سكتت شوية وقالت بحنية: — خلاص، هاجي أبات معاكي أول يومين، ولما تشدي حيلك أروّح بيتي. وفعلًا ولدت على خير وروّحت، وأمي جت معايا. فرشتلي السرير ونيمتني، وكانت رايحة جاية تلف حواليا من أول لحظة، كل شوية تسألني: — عايزة حاجة يا حبيبتي؟ حاسة بوجع؟ أجيبلك مية؟ كنت محرجة وتعبانة، بس في نفس الوقت كنت محتاجّة أمي جنبي ومطمنة بوجودها. وفجأة، لقيت حماتي داخلة الشقة ومعاها كيس سميد وترمس وحلبة، وقالت لأمي بكل بساطة: — صبي كوباية حلبة ليها، وصبيلنا إحنا كمان نشرب على ما الأكل يجهز. أمي بصتلها باستغراب وقالت: — أكل إيه؟ أنا جايبة معايا فراخ بلدي شامورت، وهقوم أطبخ لبنتي حالًا. حماتي ردت عليها ببرود: — متزعليش مني، البيت بيتك وشقة بنتك شقتك، بس أنا أمها برضه وهي أم حفيدي وفي عنيا.. لو كلمتك واشتكت وقالتلك حماتي مقصرة، ابقي كلميني. أمي سكتت لحظة، وبعدين قالتلها بكسرة نفس: — يعني أنا وجودي مالوش لزمة؟ حماتي ردت من غير تردد: — من غير مطرود يعني.. بنتك في عنيا ومش محتاجة حد. أمي قامت بهدوء، لبست عبايتها وطرحتها، وأنا شايفة الدمعة محبوسة في عينيها. حسيت بوجعها أوي، بس من تعبي وعجزي مقدرتش أنطق ولا أقولها متزعليش. كنت محتاجة حضنها في اللحظة دي بالذات، وكل حاجة كانت صعبة عليا. بعد ما أمي مشيت، لقيت الأكل جاهز؛ سلقوا فرخة بلدي وشوربة ولسان عصفور، وكان جوزي جه من برة. بصيتله بحزن وقلت: — أمي مشيت زعلانة ومكسورة الخاطر. رد بكل ثقة وهدوء: — متقلقيش، أنا هرضيها بنفسي. قام واهتم بيا، ودخلني الحمام وساعدني، وكان هو وأمه واقفين جنبي وبيخدموني بجد.. ساعتها للحظة قلت في بالي: «يمكن حماتي مش قصدها شر؟ ويمكن هما فعلاً حابين يشيلوني ويريحوا أمي؟».. بس مهما حصل، حنية وضفر الأم ميتعوضش. بالليل، مسكت التليفون ورنيت على أمي عشان أطمنها: — يا ماما أنا أكلت وأخدت شاور ودلوقتي مرتاحة، متقلقيش عليا أبدًا. قالتلي بصوت باين فيه الغصة إنها مبسوطة إني كويسة، وقفلت.. بس أنا من جوايا كنت هموت من الزعل، ومش طايقة أبص في وش حماتي. وكل ما أفتكر طريقتها مع أمي، أحس بنغزة في قلبي وإن فيه حاجة غلط بتتدبر من ورايا، حاجة أنا مش فاهماها. فضلت طول الليل أتقلب وأفكر: إزاي أراضي أمي وأردلها كرامتها؟ هل أروحلها أول ما أقدر أقف على رجلي؟ ولا أضغط على جوزي يروحلها يبوس راسها؟ وفي عز سرحاني وهدوء الشقة بالليل، سمعت صوت همس في الصالة.. كان جوزي بيتكلم مع أمه بصوت واطي جدًا. قربت ودني على الباب، وفجأة سمعت حماتي بتقول جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: — استنى بس لما مراتك تفوق وتشد حيلها شوية… وساعتها هقولك إحنا عملنا إيه مع أمها! اتسمرت في مكاني وقلبي هيقف من الصدمة والرعب.. إيه اللي حماتي تقصده بالجملة دي؟ وإيه اللي عملوه مع أمي من ورا ضهري وأنا نايمة مش حاسة بحاجة؟!

الفصل الثاني

الدم جمد في عروقي، وحسيت إن السرير بيتهز بيا من كتر ما دقات قلبي كانت بتدق في وداني وصوتها أعلى من أنفاسي. كنت لسه والدة، الجرح بيوجعني وكل حتة في جسمي مكسرة، بس الوجع اللي حسيت بيه في صدري لما سمعت جملة حماتي كان أشد بكتير من وجع الولادة. سكت، كتمت نفسي بإيدي عشان ميسمعوش صوت شهقتي، وقربت ودني أكتر ناحية طرف السرير اللي قريب من الباب الموارب بتاع أوضة النوم. كانت الصالة مظلمة، بس نور المطبخ الخافت ضارب على الأرض، وصوت وشوشتهم واطي ومتقطع كأنهم خايفين حتى الحيطان تسمعهم. سمعت جوزي أحمد بيقول بصوت مرعوب ومكتوم: — وطي صوتك يا أمي الله يهديكي، نسمة نومها خفيف وممكن تكون لسه صاحية، وبعدين إنتي إزاي تقوليلها كدة في وشها؟ ده إحنا اتفقنا نكتم على الموضوع لحد ما تولد بالسلامة! حماتي ردت بلهجة فيها قسوة وغيظ حاولت تداريهم بضحكة مكتومة: — تتقطم رقبتها، يعني كنت عايزني أسيبها تتدلع في الشقة وتطبخ الفراخ اللي جايباها وتفضل قاعدة على قلبنا؟ إنت ناسي اللي هي عملته زمان؟ ناسي الدهب اللي ضاع؟ ناسي إنها كانت هتخرب جوازتك قبل ما تبدأ؟ ده أنا لو عليا كنت شديتها من شعرها ورميتها في الشارع، بس قولت أطلعها من الباب بالشياكة عشان خاطر حتة العيل اللي لسه نازل ده. أحمد رد بعصبية مكتومة: — يا أمي مش كدة! الموضوع مش ناقص شعللة، أمها لو حكت لنسمة دلوقتي أو فتحت بؤها، البت هتتدمر نفسياً، وإنتي عارفة الدكتور قال إيه عن ضغطها بعد الولادة! حماتي قالت بحسم وبرود: — ما تقدرش تفتح بؤها، أمها عارفة كويس إن كلمة واحدة زيادة هتكلفها كتير أوي، وأنا ماسكاها من الإيد اللي بتوجعها.. نام إنت يا واد ومتشيلش هم، الصباح رباح، والبت دي بكرة هتصحى، هنخدمها يومين ونكسر عينها باللقمة، لحد ما تمضي على التنازل اللي اتفقنا عليه، وساعتها الشقة والورث هيبقوا في جيبك، وأمها تبقى تقعد في بيتها تولول على حظها. الأرض لفت بيا، وجسمي كله بدأ يترعش برعشة برد ورعب.. تنازل إيه؟ وورث إيه؟ ودهب إيه اللي بيتكلموا عنه؟! أمي طول عمرها ست غلبانة، من يوم ما أبويا مات وسابنا وإحنا ملناش غير بعض، كانت بتبيع في السوق وتربي فراخ فوق السطوح عشان تجهزني وتسترني، وفي الآخر يتقال عليها الكلام ده؟ ومن مين؟ من حماتي اللي كنت فاكراها ست طيبة وفي حالها، وجوزي اللي اتجوزته عن حب وكنت فاكراه سندي في الدنيا! فضلت باصة في السقف والدموع بتنزل شلال على خدي من غير صوت، مش قادرة أصرخ عشان متكشفش، وفي نفس الوقت النار بتغلي جوايا غليان. الليل ده كان أطول ليل عدا عليا في حياتي. كل ثانية كانت بتمر كأنها سنة. أحمد دخل الأوضة بعد نص ساعة، مشي على طراطيف صوابعه، قفل الباب وراه براحة، وجه قرب من السرير وغطاني وباس راسي وقال بهمس: — نامي يا حبيبتي وارتاحي، ربنا يخليكي ليا. كنت عاملة نفسي نايمة، بس في اللحظة دي، حسيته عقرب بيلدغني، كنت عايزة أقوم أصرخ في وشه وأقوله إنت مين؟ إنت إزاي كدة بوشين؟، بس تماسكت.. الوجع علمني إن الاندفاع بيخسر، ولازم أعرف الحكاية من أولها لآخرها، وأعرف أمي مخبية عني إيه وساكتة ليه. أول ما الفجر أذن، أحمد نزل يجيب أدوية وطلبات من الصيدلية، وحماتي كانت نايمة في الصالة على الكنبة بصوت شخير عالي. اتسحبت من على السرير، وجع الجرح كان بيقطع في بطني، بس الغيظ ولّد فيا قوة غريبة. مسكت تليفوني، دخلت الحمام وقفلت الباب بالمفتاح على أقل من مهلي، وفتحت المية بصوت واطي عشان يغطي على صوتي، ورنيت على أمي. الخط فتح من أول رنة، وصوت أمي كان مخنوق وباكية: — ألو.. نسمة؟ يا حبيبتي أنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟ سمعت صوتها وانهارت، قولت بهمس وصوت بيرتجف: — ماما.. متخبيش عليا حاجة، حماتي طردتِك ليه؟ وإيه التنازل اللي هما عايزيني أمضي عليه؟ وإيه الدهب اللي حماتي بتقول إنك خدتيه؟ انطقي يا ماما ونبي عشان دماغي هتشلني! أمي شهقت من الناحية التانية، والسكوت عم لثواني، كأنها كانت متوقعة إن اللحظة دي جاية، وقالت بصوت مهدود ومكسور: — سمعتيهم يا نسمة؟.. يا وقعة سودة، يا ريتني ما سكت، يا ريتني ما خفت عليكي منهم.. أمي أخدت نفسها بالعافية، وبدأت تحكيلي بصوت مرعوب ودموعها مسموعة: — قبل فرحك بأسبوع، حماتك جاتلي البيت لوحدها.. قالتلي إن أحمد مديون، وإن الشقة اللي انتو هتتجوزوا فيها مش ملكه، دي مرهونة، وإنها باعت دهبها عشان تفك الرهن وتفرشلك، وطلبت مني ورق البيت بتاع أبوكي أمانة عشان تضمن إنك مش هتسيبيه لو عرفتي بديونه.. وأمنتك من خوفي على فرحتك وإن الجوازة تبوظ والناس تتكلم عليكي، عطيتها الورق اللي كنت شايلاهولك، بس هي سرقت معه عقد الأرض اللي في البلد ودفتر التوفير، ولما واجهتها، هددتني وقالتلي لو نطقتي بكلمة هفضحك وأقول إنك إنتي اللي سرقتي دهبي وبعتيه، وهخلي أحمد يطلق بنتك وهي حامل ويفضحها وسط الناس! حسيت بكهربا مشيت في ضهري، ولساني عجز عن النطق.. أمي كملت بدموع وقهر: — وعشان كدة لما جيت عندك، كانت نظراتها ليا كلها سم.. قالتلي من غير ما تسمعي لو ما خليتيش نسمة تتنازل عن نصيبها في أرض أبوها لأحمد أول ما تولد، هبلغ عنك وأقول إنك سرقتي الشقة وسرقتي دهبي، والورق اللي معايا هوديكي بيه ورا الشمس.. عشان كدة مشيت يا بنتي، مشيت عشان مدمركيش وعشان متشوفيش أمك بتتهان أكتر من كدة. قفلت التليفون وأنا مصدومة، مش قادرة أستوعب كمية الغدر والوساخة اللي عايشة وسطها.. جوزي وحماتي مرتبين كل حاجة، مستنيين أصحى وأقوم عشان ياخدوا شقى عمري وشقى أبويا الله يرحمه على الجاهز، ومستغلين ضعفي بعد الولادة وخوف أمي عليا. مسحت دموعي بسرعة، وخرجت من الحمام وسندت على الحيطة لحد ما رجعت السرير.. بصيت لبنتي اللي نايمة في السرير الصغير جنب مني، وحلفت في سري: وحياتك عندي يا بنتي، وحق أمي ودمعتها اللي نزلت على خدها، لأخليهم يدفعوا تمن كل دقيقة خوف وكسرة نفس، ومش نسمة اللي تتكسر ولا يتاخد حقها بالساهل. غمضت عيني، وبدأت أجهز خطتي اللي هتقلب الطاولة فوق دماغهم كلهم.. وفي اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح أحمد وهو بيفتح باب الشقة برة، وحماتي بتصحى وتقوله: جبت الورق اللي المحامي كتبه؟..

الفصل الثالث

صوت تكة المفتاح في الكالون رن في ودني زي جرس إنذار. رجعت راسي بسرعة على المخدة، وشديت اللحاف لحد رقبتي، وغمضت عيني نص غمضة عشان أبان نايمة بعمق وتعبانة، بس في الحقيقة كل عصب في جسمي كان مشدود زي وتر القوس، ووداني مفتوحة على آخرها تلقط كل همسة وكل نفس في الصالة. سمعت صوت خطوات أحمد الهادية وهو داخل، وصوت حماتي العالي وهي بتقوم من على الكنبة بتثاؤب مصطنع وتقول بصوت واطي ومبحوح: — ها يا أحمد؟ عملت إيه مع الأستاذ فرج المحامي؟ جبت الورق وجهزت التنازل والتوكيل زي ما اتفقنا؟ أحمد قفل الباب وراه بالراحة وصوته كان باين فيه التوتر والقلق: — ووطّي صوتك يا أمي شوية! نسمة لسه والدة وأي حركة هتحس بيها.. الورق أهو معايا في الظرف، الأستاذ فرج ظبط كل بند على الفرازة، تنازل رسمي عن حجة الأرض اللي في البلد ووكالة عامة تخليني أتصرف في بيع البيت وإيجاره وسحب الرصيد اللي في دفتر التوفير، بس قاللي لازم إمضتها وبصمتها على الورق، وبصمة الإبهام بالذات تكون واضحة عشان الشهر العقاري ميرجعش في كلامه لما أروح أسجل بتوكيل الإدارة. حماتي ضحكت ضحكة صفرا مكتومة وقالتله: — عفارم عليك يا واد بطني، هو ده الكلام اللي يبرد النار! بقى الست أمها كانت فاكرة إنها هتدخل علينا دور المظلومة والست الأصيلة اللي جايبة فراخ بلدي؟ ده أنا هخليها تلف حوالين نفسها لما تلاقي الأرض والبيت خرجوا من تحت إيدهم هما الاتنين، وساعتها مش هتعرف تفتح بؤها بنص كلمة، عشان تتبت هنا وتخدم بنتها وعيالها وهي حاطة لسانها في بؤها وتنسى حكاية الدهب دي خالص. أحمد رد بنبرة فيها شوية تردد بس طمعها كان غالب: — بس يا أمي، هنخليها تمضي إزاي من غير ما تقرأ؟ إنتي عارفة نسمة ناصحة ومبتعديش حاجة بالساهل، وخريجة تجارة وفاهمة في الورق والعقود. حماتي ضربت على صدرها باستهزاء وقالت: — خريجة تجارة إيه وبتاع إيه يا موكوس! البت طالعة من بنج وعملية قيصرية والجرح بينقر عليها وضغطها واطي ومش شايفة قدامها، إحنا هنجيبلها كوباية عصير مانجو ونحط فيها حباية من المهدئ اللي الدكتور كاتبهولها عشان تنام، ونقولها ده ورق تسجيل المولود في الصحة والتأمين الصحي عشان نطلعلها شهادة الميلاد وناخد منحة الولادة، والورق الكتير ده عشان الإجراءات الحكومية، وهي من كتر الدوخة والوجع هتبصم وتمضي وهي مغمضة.. جهز إنت بس الحبر والورق وسيب الطلعة دي عليا لما تصحى. أنا في الأوضة، كنت بحس إن دمي بيغلي جوة عروقي، وضوافري بتغرس في كف إيدي من كتر الغيظ لدرجة إني حسيت بوجع جرح القيصرية كأنه بيتفتح من جديد، بس الوجع ده كان بيزيدني ثبات وقوة. كنت بقول لنفسي: والله ما هديكم الفرصة، وحق أمي اللي طردتوها وكسرتوا نفسها، وشقى أبويا اللي مات وهو شقيان في الغربة عشان يسبلنا لقمة نعيش منها، مش هيطلع من تحت إيدي لحرامية زيكم. فضلت نايمة في مكاني، وبدأت دماغي تشتغل بسرعة الصاروخ، أرتب أفكاري خطوة بخطوة عشان أوقعهم في شر أعمالهم من غير ما يحسوا إني كاشفة الخطة. أول حاجة، لازم الورق ده ميتمضيش بأي شكل، وتاني حاجة، لازم أرجع ورق البيت وعقد الأرض ودفتر التوفير اللي حماتي سارقاه من أمي في بيتها، وتالت حاجة، لازم كل اللي بيحصل ده يتوثق ويكون معايا دليل يوديهم في داهية لو فكروا يهددوا أمي بتهمة الدهب الباطلة دي. بعد نص ساعة، حماتي دخلت الأوضة وعلى وشها ابتسامة تمثيل تقطر سم، ماسكة في إيدها صينية صغيرة عليها كوباية عصير مانجو وشوية شوربة دافية. قربت من السرير وقالت بصوت ناعم ومحنك: — صباح الخير والياسمين على أحلى أم في الدنيا، حمد الله على سلامتك يا نسمة يا قلبي.. نمتي وارتاحتي يا بنتي؟ فتحت عيني ببطء، ومثلت التعب والدوخة، وصوتي طلع واطي ومبحوح: — صباح النور يا حماتي.. الجرح بيوجعني أوي، وحاسة بدوخة مش قادرة أفتح عيني. حماتي حطت الصينية على الكومودينو وقعدت على طرف السرير ولمست راسي بحنية مزيفة: — ألف سلامة عليكي يا ضنايا، ده طبيعي بعد البنج، اشربي بس كوباية العصير دي عشان سكرك يرفع وتردي حيلك، وأحمد برة هيخش يسلم عليكي ومعاه شوية أوراق كدة روتينية عشان نسجل البت في الصحة ونعملها التأمين وناخد منحة السبوع من شغله، نخلصها عشان نطلع شهادة الميلاد بسرعة. بصيت لكوباية العصير اللي فيها المهدئ، وقولتلها وأنا بتصنع البراءة التامة: — ربنا يخليكي ليا يا حماتي وميحرمنيش منك.. بس بطني مقلوبة أوي من ريحة البنج دلوقتي ومش قادرة أبلع حتى ريقي، سيبي العصير خمس دقايق يهدى من البرودة شوية وهشربه كله ورا الشوربة على طول. حماتي بصتلي وقالت: — طب يا حبيبتي على مهلك، هنادي لأحمد يدخل يطمن عليكي ونجيب الورق تبصمي عليه قبل ما الواد ينزل يلحق مصلحة الصحة قبل ما تقفل على الضهر. خرجت حماتي تنادي أحمد، وأول ما الباب اتقفل، مديت إيدي بسرعة تحت المخدة، طلعت تليفوني، وشغلت تطبيق تسجيل الصوت اللي بيسجل في الخلفية من غير ما الشاشة تنور، وحطيته على الكومودينو ورا علبة المناديل بزاوية تلقط أي صوت في الأوضة بوضوح عالي. وفي نفس اللحظة، مديت إيدي على كوباية العصير، وكبيتها كلها في كيس بلاستيك كان مرمي جنب السرير بتاع الحفاضات، وربطت الكيس ورميته في باسكيت الزبالة تحت المناديل، وسبت بس حبة صغيرين خالص في قعر الكوباية ومسحت شفايفي بمنديل عشان يبان إني شربته كله. دخل أحمد ومامته، وأحمد وشه كان أصفر ومخطوف، ماسك في إيده دوسيه أزرق وقلم حبر جاف وبصامة حبر أسود صغيرة. أحمد قرب مني وباس جبهتي بتوتر: — عاملة إيه يا نسمة؟ شربتي العصير؟ قولتله بصوت تقيل كأني دايخة ومغمضة نص عيني: — أيوة شربته كله.. بس حاسة إني مش شايفة ولا قادرة أرفع راسي، إيه الورق ده يا أحمد؟ خلصه إنت، أنا مش قادرة أركز في حاجة. حماتي غمزت لأحمد بسرعة، وأحمد فتح الدوسيه بسرعة وطلع الورق وتناه بحيث ميبانش غير خانة التوقيع والبصمة اللي تحت، وقاللي بصوت مرتبك: — يا روحي دي أوراق تسجيل البنت عشان نلحق نطلع شهادة الميلاد والمنحة من الشركة، مينفعش غير بإمضتك إنتي بصفتك الأم والشهادة تطلع باسمنا إحنا الاتنين، عشان كدة المحامي جهز الورق مخصوص.. إمضي هنا بس وحطي بصمة إبهامك جنبها على التلات ورقات دول وهنريحك خالص. فتحت عيني وبصيت للورقة، لمحت تحت صباعه طرف كلمة تنازل وإقرار وتوكيل رسمي عام، قلبي اتقبض بس فضلت محافظة على برودي الخارجي. مسكت القلم بإيد بتترعش، وقبل ما أحط القلم على الورقة، بصيت لحماتي في عينها وقولت بتوهان مصطنع: — حماتي.. هو إنتي زعلتي من أمي إمبارح عشان الفراخ؟ ماما كلمتني الصبح وكانت بتعيط، وبتقولي إنك واخدة منها ورق مهم يخص أرض أبويا وعقد البيت، وبتقولي إنك هددتيها بالدهب.. الكلام ده بجد؟ حماتي اتفاجئت بالكلام، وشها اتقلب واتوترت، بس حاولت تسيطر على نفسها وردت بسرعة وبحدة مدارية: — إيه الهبل ده يا بت؟ أمك شكلها خرفت من كتر ما هي قلقانة عليكي، دهب إيه وورق إيه؟ إنتي شايفة إني ممكن أعمل كدة؟ ده أنا اللي شايلالك بيتك وشايلة جوزك، وأمك هي اللي طماعة وعينها في قرشينك، وورق أرضك وبيتك ده أمانة عندي في درجي في شقتي عشان خايفة عليكي من طمع الناس لحد ما تشدي حيلك! إمضي يا بت وبطلي كلام فاضي وماتخليش الشيطان يخش بينا في ساعة زي دي! أحمد اتدخل بسرعة وقال بعصبية متدارية: — نسمة! إنتي بتصدقي أمك وبتشكي في أمي وفيّا؟ إمضي الورق يلا عشان ألحق مشواري، مش وقت الحوارات دي خالص دلوقتي! بصيتلهم بكل هدوء، ورفعت إيدي بالقلم، وفجأة عملت نفسي دايخة تماماً، القلم وقع من إيدي على السرير، ورميت راسي لورا على المخدة وأنا بطلع نفس تقيل وعيني غمضت خالص كأني غبت عن الوعي من تأثير المهدئ اللي المفروض إني شربته. حماتي صرخت بهمس: — شوفت؟ الدوا اشتغل أهو والبت تقلت ونامت! هات البصامة بسرعة يا أحمد قبل ما تروح في سابع نومة وتصحى تعصلج معانا تاني، هنمسك إبهامها ونبصمها وهي نايمة كدة كدة البصمة معترف بيها في الشهر العقاري! أحمد مسك إيدي اليمين، فتح صباع إبهامي، وغمسه في الحبر الأسود، وكان لسه هيقرب صباعي من الورقة البيضاء، وفجأة صوت خبط رزع على باب الشقة برة قلب الموقف 180 درجة! خبط عنيف كأن الباب هيتكسر، وصوت رجالي قوي بيهتف برة في الطرقة: — افتح يا أحمد! افتح يا ابن الحلال بدل ما نكسر الباب، افتح وطلع نسمة بالذوق بدل ما نعملك محضر في القسم دلوقتي حالاً! أحمد اتخض، الدوسيه وقع من إيده على الأرض والورق اتنثر، وحماتي شهقت ولطمت على خدودها: — يا نهار مش فايت! ده صوت عمها الحاج منصور ومعاه ناس من البلد! مين اللي دلهم علىhere في الوقت ده؟! فتحت عيني في اللحظة دي، وبصيت لحماتي ولأحمد اللي كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة من الصدمة، وابتسمت ابتسامة خفيفة وقولتلهم بصوت واضح وقوي مفيهوش أي أثر للدوخة أو التعب: — أنا اللي كلمت عمي الفجر يا حماتي.. وقولتله يجي ياخد حقه وحق أخوه، وورق البيت والأرض اللي في درجك هيطلع دلوقتي برضاكي أو بالبوليس، والورق اللي في إيد أحمد ده.. كله متسجل صوت وصورة بتليفوني اللي ورا علبة المناديل! وش حماتي بهت وبقى زي اللوح الأبيض، وأحمد رجليه مكنتش شايلاه وهو بيبص للتليفون اللي بيسجل وللباب اللي بيترزع برة، واللعبة اللي خططولها سنين اتقلبت في ثواني فوق دماغهم، ومكنتش دي النهاية.. دي كانت لسه البداية لحساب عسير!

الفصل الرابع

الخبط على الباب كان بيتهز معاه جدران الشقة، وصوت عمي الحاج منصور برة بيهز العمارة كلها، ومعاه صوت ابن عمي إبراهيم وهو بيزعق: — افتح يا أحمد بدل ما نكسر الخشب وندخل نجيب البت بحق ربنا والقانون! أحمد وشه بقى أصفر زي الكركم، والبصامة والحبر وقعوا من إيده ولطخوا طرف السجادة على الأرض، وعينه رايحة جاية بيني وبين التليفون اللي ورا علبة المناديل وبين باب الأوضة برة. حماتي اتسمرت في مكانها لسانها اتعقد للحظة، وبعدين فجأة اتنفضت زي الحية الملدوغة، ومدت إيدها بسرعة البرق ناحية الكومودينو عشان تخطف الموبايل وتكسره في الأرض، بس أنا كنت أسرع منها.. سحبت التليفون بإيدي وضغطت على زرار الحفظ وقفل الشاشة، وخبيته تحت ضهري وسندت عليه بكل قوتي.. وجع الجرح كله طار مع كمية الأدرينالين اللي كانت بتفور في دمي. حماتي وقفت فوق راسي وشها محتقن وعينيها بتطلع شرار، وهجمت عليا وهي بتهمس بفحيح: — هاتي الموبايل ده يا بت الكلب! مفكراني هخاف من الكلمتين دول؟ هاتي التليفون لفرتكهولك هنا قبل ما حد يعتب الباب! بصيتلها في عينها مباشرة، من غير ما أرمش ولا خيط خوف واحد يهزني، وقولت بصوت تقيل وثابت: — مدي إيدك عليا خطوة واحدة يا حماتي، وشوفي عمي والرجالة اللي برة هيعملوا إيه فيكي وفي ابنك.. التسجيل مش على الموبايل بس، ده مرفوع حالا على النت وعلى تليفون عمي إبراهيم، حركة واحدة منك، والورق اللي في الأرض ده هيبقى حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتكم انتو الاتنين بتهمة النصب والشروع في التزوير واستغلال مريضة! أحمد جري على أمه وشدها من دراعها وهو مرعوب والعرق نازل شلال من جبهته: — سيبيها يا أمي! سيبيها الله يخرب بيتك وبيت التنازل! الناس برة هتفضحنا في العمارة والجيران طالعة على السلالم، هاتي المفتاح افتح للراجل قبل ما يهد الباب وتبقى فضيحة بجلاجل في المنطقة! حماتي نفضت إيده بعصبية وقالتله بغل: — تفتح لمين يا خايب؟ تفتح لعيلة أبوها الصعايدة عشان يطحنونا؟ لم الورق اللي على الأرض ده بسرعة ودخله جوة المطبخ، ومحدش يفتح لحد لما نخبي كل حاجة! عمي منصور برة كان صبره نفد، وخبط برجله خبطة قوية في قفل الباب الحديد: — أحمد! تلت دقايق بالذبط لو الباب ده ما اتفتحش هكون كاسره ومعايا اتنين من أمناء الشرطة واقفين على أول الشارع مستنيين إشارة مني، اخلص وطلعلي بنت أخويا! أحمد مقدرش يستحمل أكتر من كدة، زق أمه وجري على باب الشقة، فتحه بإيد بترتعش، وكان وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه في وش عمي. دخل عمي منصور بهيبته وطاقيته الصعيدي وعصايته الأبنوس، ووراه إبراهيم ابن عمي، وشوفت في آخر الطرقة أمي داخلة وساندة على الحيطة، عينيها وارمة من البكاء وشايلة في إيدها عبايتي وطرحتي وشنطة هدومي. عمي دخل الصالة بعزم صوته، وبص لأحمد من فوق لتحت بقرف: — بقى كدة يا ابن الأكابر؟ البت لسه طالعة من العمليات دمها منشفش، بدل ما تقعد تحت رجلها وتخدمها زي ما ربنا أمر، مبيت أمك عندها عشان تطرد أمها اللي ربتها وتخططوا تسرقوا حق اليتيمة وورثها؟! حماتي خرجت من أوضة النوم وهي رافعة راسها وبتبتسم بجحود: — يا مرحب يا حاج منصور، نورت بيتنا، بس الكلام ليه أصول برضه.. إحنا مجيناش جنب بنتكم، ده إحنا شايلينها على كفوف الراحة ومسمنينها، وأمها هي اللي مشيت بمزاجها بعد ما عملت مشكلة على حتة فرخة بلدي! ومحدش جاب سيرة ورث ولا نصب، دي بيوت مستورة ومفيهاش الكلام العاطل ده! إبراهيم ابن عمي زعق فيها: — بيوت مستورة بالسرقة والبلطجة؟ طب وحجة الأرض اللي في درجك في شقتك اللي تحت؟ ودفتر التوفير اللي سرقتيه من مرات عمي وهددتيها بيه؟ والورق اللي أحمد لسه راميه تحت السرير لما سمع الباب بيخبط؟ عمي منصور رفع عصايته وأشار لإبراهيم يسكت، ودخل على طول على أوضة النوم عندي. أول ما عمي شافني قاعدة على السرير وأمي دخلت ورا ورمت نفسها في حضني وبكت، قلبي ارتاح، حسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. عمي قرب وباس راسي وقاللي: — حقك في رقبتي ليوم الدين يا نسمة.. ارفعي راسك، مفيش حد من عيلة المنشاوي يتلوى دراعه ولا يتاخد منه مليم غصب عنه. بصيت لعمي ومسكت إيده، وقولتله وأنا بشاور على الأرض: — الورق اللي أحمد كان جايبه عشان يخليني أبصم عليه وأنا متخدرة بالعصير أهو تحت الكومودينو يا عمي.. ومعايا تسجيل صوتي هنا كامل لحماتي وهي بتقوله ازاي هتخدرني وتخليني أمضي على بيع البيت وحجة الأرض اللي في البلد وتنازل عن حساب البنك. حماتي وشها اسود من الغيظ، وأحمد وقف في زاوية الأوضة زي العيل الصغير اللي عمل مصيبة، وقال بصوت مهزوز: — يا حاج منصور اسمعني بس، إحنا كنا بنأمن مستقبل العيل.. نسمة مراتي وأنا مستحيل أضرها، ده سوء تفاهم والمحامي هو اللي فهمنا غلط! عمي منصور التفت ليه وضربه بالعصاية في صدره خلاه رجع خطوتين لورا: — تخرس خالص ومتنطقش بنص كلمة! بتأمن مستقبل العيل بإنك تسرق أمك العيل وتهدد حماتك بالباطل في شرفها وأمانتها؟ الورق ده والتوكيلات دي أنا هاخدها بإيدي أهي، وحجة الأرض ودفتر التوفير اللي في شقة أمك تحت، لو منطقتش مكانهم في خمس دقايق وطلعتهم، قسماً بعزة جلال الله هسحبكم انتو الاتنين على القسم بتهمة السرقة وخيانة الأمانة والتسجيلات دي هتتفرغ هناك! حماتي حست إن الحبل بدأ يضيق حوالين رقبتها بجد، وإن الهيبة والجبروت اللي كانت عايشة بيهم راحوا في غمضة عين.. بصت لأحمد بقلة حيلة، وقالت بصوت مكسور ومخنوق: — انزل يا أحمد.. هات الظرف البني اللي ورا المراية في أوضة نومي وسلمه للحاج. أحمد نزل يجري زي المجنون، وفي الدقايق دي كانت أمي لفت بنتي في اللحاف الصغير، وجهزت كل حاجة عشان نمشي. حماتي بصتلي وقالتلي بحقد مكبوت: — يعني هتخربي بيتك يا نسمة؟ هتطلعي من شقة جوزك عشان كلمتين أمك قالتهم ليكي؟ العيل ده ملوش أب يسأل عنه؟ رديت عليها وأنا بلم حاجتي وبسند على كتف أمي وإبراهيم: — البيت اللي يتبني على الغدر والسقة والتمثيل، ميبقاش بيت يا حماتي.. ده يبقى وكر عصابة. وابنك ده لو كان راجل وعنده أصل، كان صان كرامة مراته وصان الست اللي ربتها، لكن هو اختار يمشي ورا سمك وطمعك.. وحقي وحق بنتي هاخده بالقانون ومليم واحد من شقى أبويا مش هتشوفوه. أحمد رجع ومعاه الظرف البني، عمي منصور فتحه وتأكد إن عقد الأرض الأصلي ودفتر التوفير وحجة البيت كاملين وسليمة، حطهم في جيبه، وبص لأحمد وقال بحزم: — بنتنا هتيجي معانا بيت أبوها ترتاح وتتعالج لحد ما تقوم بالسلامة، وورقة طلاقها وحقوقها كاملة ونفقة البت هتوصلنا لحد عندنا بالذوق، غير كدة المحاكم والنيابة بيننا وبينكم، ومفيش كبير هيتدخل يحلها. خرجنا من الشقة، ونزلت على السلم وأنا ساندة على عمي وإبراهيم، وأمي شايلة بنتي في حضنها ومبتسمة بدموع الفرج.. بصيت ورايا لآخر مرة، شوفت أحمد وحماتي واقفين على باب الشقة باصين في الأرض، كل مخططاتهم اتهدت، بس أنا من جوايا كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، وإن طمع حماتي مش هيقف عند النقطة دي، وإن الحرب القانونية والاجتماعية اللي هتبدأ بعد ما أخرج من البيت ده هتكون أشرس بكتير..

الفصل الخامس

نزلت السلالم خطوة خطوة، وكل درجة كنت بدوس عليها كانت بتديني إحساس جديد بإن روحي بترجعلي من أول وجديد، رغم إن جرح بطني كان بيشد عليا مع كل حركة. الجيران في العمارة كانوا مواربين الأبواب وبيبصوا بفضول واستغراب، بس محدش قدر ينطق بكلمة واحدة وهما شايفين هيبة عمي منصور وعصايته اللي بتخبط في الأرض وإبراهيم ابن عمي ماشي زي الحارس وساندني من ضهري. ركبنا العربية بتاعة إبراهيم، وأمي قعدت في الكنبة اللي ورا حاضنة بنتي نور ومغطياها بطرف شالها، بتبوس في جبهتها وهي بتمسح دموعها اللي منزلتش من امبارح غير بقهر، ودلوقتي بتنزل براحة وفرج. عمي منصور قعد قدام، ولف وشه ليا بعد ما العربية اتحركت وقال بصوت رخيم وهادي: — ارمي كل اللي فات ورا ضهرك يا نسمة.. بيت أبوكي مفتوحلك، والقرش اللي سابه ليكي ساترنا ومكفينا، وأنا طول ما فيا نفس مش هسيب حد يكسر ليكي شوكة ولا يطمع فيكي ولا في عيلتك. أمي مسكت إيدي وقالت بصوت مهدود: — حقك عليا يا ضنايا.. أنا اللي خفت، أنا اللي صدقت كلام العقربة دي لما هددتني، كان كل همي بنتي تتستر وتعيش مبسوطة مع جوزها ومعملش ليكي مشاكل في أول جوازك. بصيت لأمي وبوست راسها وإيدها وقولت: — متقولش كدة يا ماما.. إنتي نيتك كانت سليمة وأصيلة، بس هما اللي ولاد حرام وطمعهم عماهم، والحمد لله إن الحقيقة بانت في أولها قبل ما السنين تعدي وأصحى ألاقي نفسي ماليش مطرح ولا أرض. وصلنا بيت أبويا في البلد بعد مشوار كان مليان تفكير وسكوت، أول ما دخلت البيت وشميت ريحته، حسيت بأمان كان غايب عني بقاله شهور. فرشتلي أمي في أوضتي القديمة، ونيمتني وجابتلي الشوربة السخنة اللي كانت هي طابخاها بإيدها، وفضلت سهرانة تحت رجلي تكمدلي الجرح وتهتم بالبت لما تعيط. عدى أول يومين، وكنت بدأت استرد عافيتي شوية بشوية. في اليوم التالت، التليفون بتاعي مبطلش رن.. كانت نمر غريبة ونمر أحمد ونمر قرايبه. أنا مكنتش برد على حد، وكنت سايبة التليفون لعمي منصور هو اللي يدير الموضوع. لحد ما العصر جه، ولقينا عربية سودا راكنة قدام باب البيت، ونزل منها تلات رجالة كبار من عيلة أحمد ومعاهم راجل غريب لابس بدلة وماسك شنطة جلد سودة، وكان وراهم أحمد ماشي زي الكلب المضروب عينه في الأرض. عمي منصور استقبلهم في المندرة برة، وقفل الباب، بس أنا وإبراهيم كنا سامعين كل كلمة من الشباك اللي بيطل على الحوش. واحد من كبارات عيلتهم اسمه الحاج رشاد اتكلم وقال: — يا حاج منصور، إحنا جايين في حق وأصول، أحمد غلطان وراسه في الأرض قدامك، والشيطان دخل بين الحريم وعمى القلوب، بس البيوت مبتتخربش من أول غلطة، وإحنا جايين نصلح ونبوس على راسك وراس بنتك ونردها بيتها معززة مكرمة ونكتبلها اللي هي عايزاه عشان تضمن حقها. عمي منصور رد ببرود شديد: — الكلام ده كان ينفع لو كان خلاف عادي بين زوجين يا حاج رشاد، لكن دي جر\يمة شروع في نصب وسرق ورق وتخدير مريضة في نفاسها عشان يسرقوا أرضها وبيتها! ابنكم وأمه مكنوش عايزين زوجة، دول كانوا عايزين غنيمة ينهبوها! المحامي اللي معاهم اتدخل وفتح الشنطة وطلع أوراق وقال بنبرة هادية ومسمومة: — يا حاج منصور، إحنا فاهمين موقفكم تماماً، بس الموضوع ليه أبعاد تانية.. الأستاذ أحمد معاه وصولات أمانة ومستندات تثبت إن المرحوم والد مدام نسمة كان مستلف منه ومن والدته مبالغ كبيرة لتجهيز البنت قبل ما يموت، ولو الموضوع وصل للمحاكم والقضايا، الوصلات دي هتنزل النيابة وهنرفع دعاوى حجر ومطالبات قضائية هتدخل العيلتين في متاهات مش هتخلص لسنين! الدم غلي في عروقي لما سمعت كلمة وصولات أمانة على أبويا.. أبويا اللي عمره ما مد إيده لمخلوق وكان دايماً هو اللي بيسلف الناس! إبراهيم كان هيهجم على المندرة، بس أنا وقفته بإيدي.. مسكت عبايتي ولفيت طرحتي كويس، وقومت على حيلي رغم نقح الجرح، ومشيت بخطوات ثابتة للمندرة، وفتحت الباب ودخلت ووقفت قدامهم كلهم. المندرة سكتت فجأة، وعيون الرجالة كلها تعلقت بيا. أحمد بصلي بخوف وندم مصطنع وقال: — نسمة.. اسمعيني بس.. قاطعته بإشارة من إيدي وبصيت للمحامي بتاعهم مباشرة، وقولت بصوت قوي رج المندرة: — وصولات أمانة على مين يا متر؟ على المرحوم اللي أحمد كان بيجي يستلف منه تمن تصليح عربيته وتمن كورساته؟.. طلع الوصولات دي كدة وفرج الرجالة؟ وريني إمضاء أبويا اللي مات قبل ما أحمد يخش بيتنا بأربع سنين؟! المحامي وشه بهت واتلجلج، وبص لأحمد اللي عرق وشه بقى بينقط على هدومه. كملت كلامي ورفعت تليفوني قدام الحاج رشاد والرجالة: — التسجيلات اللي معايا مش بس لحماتي وهي بتقوله نخدرها بالمهدئ في العصير، التسجيلات فيها اعتراف صريح بإنهم سارقين حجة الأرض وعقد البيت من درج أمي، وفيها تزوير توكيلات.. وإذا كنتوا فاكرين إنكم هتهددوني بوصولات مزورة عشان أتنازل عن حقي أو أرجع تحت رحمة العقربة اللي تحت، تبقوا غلطانين! أنا مش هطلب الطلاق في القعدة دي.. أنا هرفع قض\ية خلع، وقض\ية تزوير وسرقة، ومحضر شروع في أذى نفسي وجسدي، ومش هسيب مليم من مؤخري وقايمتي ونفقة البنت، والشارع كله هيعرف مين الحرامي ومين اللي كان عينه في مال اليتيمة! الحاج رشاد بص لأحمد بغضب مكتوم وضرب إيده على ركبته وقال: — بقى جايبنا هنا يا واد عشان توكلنا في باطل وتلبسنا في تزوير؟ ده إنت ملكش عيش بين الرجال ولا وش يترفع! أحمد وقع على ركبه قدام عمي منصور وبدأ يعيط: — يا حاج منصور والنبي بلاش المحاكم والفضايح! أمي هي اللي ضغطت عليا، أمي هي اللي وسوستلي وقالتلي الأرض دي هتعيشنا ملوك.. أنا بحب نسمة وبحب بنتي ومش عايز أخسرهم! بصيتله بقرف وقولتله: — اللي يبيع أصله ويبيع شرف مراته عشان كلام أمه وطمعه، ميعرفش يعني إيه حب.. ورقة طلاقي توصلي هنا الأسبوع ده، غير كدة النيابة هي اللي هتفصل بينا يا أحمد! عمي منصور شاور للرجالة وقال بحزم: — القعدة خلصت.. واللي عنده كلمة تانية يقولها في المحكمة قدام القاضي. خرجت من المندرة وأنا رافعة راسي، شوفت أمي واقفة في الطرقة بتبصلي بفخر، حسيت إن الست الضعيفة اللي كانت تبكي على السرير ماتت، واتولدت مكانها ست تانية قوية هتحارب عشان حقها وحق بنتها لآخر نفس.. بس نظرة الغل اللي لمحتها في عين محامي أحمد وهو خارج كانت بتقول إن اللعبة القذرة لسه هتاخد منحنى جديد وأخطر!

الفصل السادس والأخير

 

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *