صرخة امل

أنا ذلك الطفل، سيدي القاضي! أنا الشقيق الباقي على قيد الحياة من عائلة دُمرت لأن أحداً لم يملك الشجاعة ليحميهم معاً! عندما رأيت صورة هؤلاء الأطفال، لم أرَ غرباء، بل رأيت نفسي وإخوتي الراحلين. أنا لا أمتلك ملايين، ولكنني أملك قلباً يعرف معنى الألم الذي سيعيشونه إذا تفرقوا، وأملك يداً ستعمل أربع عشرة ساعة يومياً لإطعامهم. أنا أتبناهم لأمنحهم ما حُرمت منه طوال حياتي: أن يكبروا وهم يسمعون أنفاس بعضهم تحت سقف واحد. فلا تحكموا عليهم بالموت البطيء الذي حُكم به عليّ قبل ربع قرن”.
انهار خالد بالبكاء، وساد ذهول مطبق على القاعة. محامي الدولة أنزل أوراقه، وبكت إحدى الموظفات، أما القاضي مسح دمعه بطافرة من عينيه، ثم ضرب بمطرقته بقوة ناطقاً بالحكم:
“باسم العدالة والإنسانية… تقرر المحكمة إلغاء كافة قرارات التوزيع السابقة، ومنح الشاب خالد الكفالة الكاملة والحضانة التامة للأطفال الخمسة، مع تقديم كافة التسهيلات والدعم الدائم له”.
### الجزء الثاني: اختبار السعادة
مرّت ستة أشهر… وتحول المكان المليء بصوت الحديد والمطارق إلى بيت يضج بضحك الأطفال، وخناقات على الألعاب، ورسومات ملونة على الجدران. كان خالد يصحى قبل الفجر ليصلي، ويحضر الفطار، ويجهز شنط الأطفال ويرضع الصغيرة، ثم يفتح الورشة حاملاً سريرها الصغير معه ليفضل شايفها طول الوقت.
الولد الكبير ناداه لأول مرة “عمو خالد”، وبعد أسبوعين ناداه عفوياً: “بابا!”. الكلمة وقفت الزمن، وجثى خالد على ركبتيه يحضنه بكل قوته وهو يبكي: “لو دي طلعت منك بالغلط، أنا مستعد أعيش عمري كله بالغلط ده”. ومن يومها، صار الجميع ينادونه بابا.
لكن السعادة واجهت اختباراً جديداً. في صباح يوم مطير، وقفت عربية سوداء فخمة أمام الورشة، ونزل منها رجل في الخمسينات ببدلة غالية، وقال بهدوء: “أنا جاي آخد الأطفال، أنا عمهم، كنت بره البلد وقت الحادث وأول ما رجعت عرفت، ودلوقتي أنا أولى بيهم”.
شعر خالد أن قلبه وقف وضم الأطفال وراه، فحاول العم تبرير تأخره، لكن الولد الكبير صرخ ببكاء: “كذاب! إحنا روحنا له بعد ما ماما وبابا ماتوا، قفل الباب في وشنا وقال خمسة أطفال هيضيعوا مستقبلي!”. وهنا تقدم الجيران مؤكدين شهادة الولد.

