صرخة امل

في المحكمة مجدداً، طلب القاضي سماع الطفل الكبير، الذي وقف فوق كرسي صغير وقال بصوت واضح: “حضرة القاضي.. بابا اللي واقف هناك هو اللي صحاني من الكوابيس، وهو اللي بيعلمني ويقسم الأكل بيننا. لو هترجعنا للراجل ده، يبقى رجعنا يوم ماتت ماما”.
أثناء مراجعة القاضي للملفات، اكتشف موظف المحكمة ظرفاً أصفر وسط متعلقات الأب والأم الراحلين، وعليه عبارة بخط اليد: **”يفتح فقط إذا حدث لنا مكروه”**.
فتح القاضي الظرف وبدأ يقرأ بصوت مسموع:
“إذا وصلتك هذه الرسالة، فهذا يعني أننا لم نعد على قيد الحياة. أول ما نرجوه هو ألا يُفرق أبناءنا مهما كانت الظروف. قد يتحمل الإنسان فقد والديه، لكنه لا يتحمل أن يفقد إخوته. إذا لم يجدوا من عائلتنا من يضمهم جميعاً، فنرجو أن يبقوا مع أي يستطيع أن يحافظ عليهم كأسرة واحدة. كل ما نريده أن يناموا تحت سقف واحد”.
ارتجف صوت القاضي، وسكت الجميع. العم خفض رأسه إلى الأرض وقال بصوت مكسور: “أنا كنت جبان وخفت من المسؤولية وكنت بهرب.. سامحني لأنك عملت اللي أنا مقدرتش أعمله”.. ثم سحب الق/ضية.
ضرب القاضي بالمطرقة مؤكداً الكفالة الدائمة لخالد، وقال: “نادرًا ما ترى إنسانًا يطبق معنى الرحمة قبل أن يطلب حقًا لنفسه”.
### الجزء الأخير: حصاد الرحمة
مرت السنوات وكبر الأطفال. تحولت الورشة إلى شركة صغيرة لإصلاح وتصنيع قطع الغيار، وأصبح الولد الكبير مهندسًا ميكانيكيًا يعمل مع خالد. وتفوق التوأم؛ أحدهما أصبح طبيب أطفال والآخر محامياً متخصصاً في قضايا الأسرة. أما البنت الصغيرة فكانت تقول لكل من يسألها: “أنا عندي بابا اختارني، مش مجرد بابا اتولدت عنده”.
وفي كل سنة في نفس يوم الحكم، كانت الأسرة تذهب إلى باب القاعة يقرأ خالد الرسالة القديمة، ويهمس في نفسه: “المرة دي.. محدش قدر يفرقكم”.
وبعد خمسة وعشرين عامًا، دُعي خالد لاحتفال كبير لتكريمه، وأثناء كلمته على المسرح قال: “الناس فاكرة إني أنقذت خمسة أطفال، لكن الحقيقة إنهم هما اللي أنقذوني وأعطوني العيلة اللي ضاعت مني”. وصعد الشباب الخمسة واحتضنوه أمام الجميع قائلين بصوت واحد: “شكرًا… يا بابا”.
وهكذا، أدرك الجميع أن الأبوة ليست اسمًا في شهادة ميلاد ولا صلة دم، بل هي قلب يرى طفلًا مكسورًا فيقرر أن يكون له وطنًا وسندًا مهما كان الثمن.

