م*اتت يوم فرح اختها

أختي م*اتت يوم فرحي… وبعدها بأسبوع واحدة من زمايلها كلمتني وقالتلي:
“هي سابتلك موبايل وجواب… تعالي المكتب حالًا!”

بعد موت أختي بأسبوع، جوازي انتهى بشكل مأساوي. واحدة من زمايلها اتصلت بيا وقالت إن نهى كانت سايبة موبايل في المكتب مخصوص عشاني. افتكرت إني رايحة أجيب آخر حاجة فاضلة منها… لكني ماكنتش أعرف إن اللحظة دي هتغير حياتي كلها.

الصبح ده، كريم قرب مني وهو ماسك علبة حلويات بإيد، وبالإيد التانية لمس خدي برقة.

قال بهدوء:
“هرجع بدري النهارده… وإحنا هنتخطى كل ده يا سارة.”

من بعد الدفنة، كان بيجيبلي ورد كل يوم تقريبًا. كلامه هادي، ولمسته خفيفة، وكل شوية يفكرني آكل أو أنام أو حتى آخد نفسي.

على الورق، كريم كان الزوج المثالي لأي ست مكسورة من الحزن. بس الحزن بيرجع حاجات قديمة للعقل… وأوضح حاجة كانت بترجعلي هي نهى.

نهى كانت أختي الكبيرة. بينا دم أكتر من الصداقة. أكبر مني بأربع سنين، جريئة، صوتها عالي، وماكانتش بتخاف من حد. أهلي طول عمرهم شايفينها “صعبة”.

أول ما قدرت سابت البلد وراحت القاهرة. وأنا فضلت، أسمع الكلام وأحاول أهدي أي خناقة قبل ما تكبر.

كانت بتقولي إني “البنت المثالية بتاعة العيلة”، وأنا كنت بشوفها مستحيلة التفاهم.

بس رغم كده، نهى كانت دايمًا بتلاحظ كل حاجة. لو ماكلتش، تلاقيها حاطة جنبي شوكولاتة أو سناك من غير ما تتكلم. وحتى وهي بتنتقد كريم، كانت تسألني:
“أكلتي غير تورت الفرح النهارده؟”

كانت تعرف تزعلك وتحسسك بالأمان في نفس اللحظة.

قبلها بكام شهر، عرفت كريم على أهلي في عزومة عندنا. دخل بشياكة، جايب هدية لأبويا وورد لأمي وابتسامته الهادية المعتادة. أهلي حبوه من أول قعدة.

ساعتها نهى دخلت من المطبخ… وأول ما شافته وقفت مكانها.

كريم رفع عينه عليها… والاتنين فضلوا باصين لبعض كام ثانية من غير كلام.

السكوت اللي نزل على السفرة وقتها كان غريب جدًا.

طول العشا، نهى فضلت تسأله أسئلة كتير: عاش فين؟ اشتغل إيه؟ وليه بينقل من مكان لمكان؟

بعدها خدتها على جنب عند الحوض وقلت بعصبية:
“ممكن تبطلي استفزاز؟”

قالتلي:
“أنا بسأل وبفهم.”

قلت:
“إنتِ مضايقاه.”

بصت ناحية الصالون وقالت:
“طب ما تسأليه إيه اللي يخليني أول ما أشوفه أبقى مش مرتاحة كده.”

الكلام فضل معلق في دماغي. ولما حكيت لكريم واحنا راجعين، ابتسم وقال بهدوء:
“يمكن أختك بس مش بتحبني.”

كل ما الفرح قرب، نهى بقت أبعد وأغرب.

في مرة كنا قاعدين بنتغدى كلنا، وفجأة حطت الشوكة وبصتلي وقالت:
“راجعي نفسك في الجواز ده يا سارة.”

أمي اتجمدت مكانها. وأنا ضحكت افتكرتها بتهزر.

لكن وشها كان جاد.

قلت بعصبية:
“مالك؟”

أمي قالتلها فورًا:
“مش معنى إن أختك لقت حد كويس تبوظيلها حياتها.”

وش نهى اتغير… نفس النظرة القديمة اللي كانت بتطلع لما الناس تتهمها إنها المشكلة في كل حاجة.

قالت بهدوء:
“أنا مش بحاول أبوظ حاجة.”

أبويا قال بحدة:
“يبقى بطلي الكلام ده.”

قامت من على السفرة وقفلت أوضتها بعنف. ومحدش راح وراها.

تاني يوم كان حفلة الحنة. ضحك وبلالين وبنات وصوت أغاني عالي. كنت بحاول أعيش فرحتي… لحد ما نهى دخلت متأخر، هدومها مبلولة من المطر ولسه جاية من الشغل.

قربت مني وقالت بسرعة:
“يا سارة… الغي الجواز.”

بصيتلها مصدومة:
“إنتِ بتقولي إيه؟”

قالت وهي متوترة:
“أرجوكي.”

قلت:
“ليه؟”

هزت راسها:
“مش قادرة أقول دلوقتي.”

حسيت الناس كلها بتبصلنا. فزعقت:
“جاية تبوظي الليلة وخلاص؟”

مسكت إيدي وقالت:
“اسمعيني بس…”

شديت إيدي منها وقلت بوجع:
“إنتِ غيرانة. مش مستحملة إني أخيرًا بقيت مبسوطة.”

الكلام ضربها فعلًا. عينيها املت دموع.

قالت بصوت مكسور:
“أنا بحاول أحميكي يا سارة.”

قلت:
“يبقى اتكلمي.”

قالت:
“لسه مينفعش.”

وأشرت على الباب:
“امشي.”

ومشيت.

وده كان آخر كلام بيني وبين أختي وهي لسه عايشة.

يوم الفرح بدأ بشمس حلوة جدًا.

كتبنا الكتاب، وبعدها الناس كلها راحت القاعة. وأنا كل شوية أبص على الباب مستنية نهى.

لكنها ماجتش.

فضلت أكلمها ومفيش رد.

أبويا قال إنها زعلانة وهتهدى، وأمي قالتلي ماخليش حد يبوظ يومي.

فكنت بضحك للناس وأنا حاسة قلبي بيتقبض أكتر كل دقيقة.

بعد ساعة، موبايل أمي رن.

وشها اصفر فجأة وهي بتقول:
“في حادثة.”

الدنيا اتشقلبت. كلنا ركبنا عربياتنا وجرينا.

المطر كان بينزل بعنف، والطريق كله ضباب ونور العربيات باهت.

فرق الإنقاذ كانوا واقفين على جنب الترعة.

نهى كانت واخدة طريق مختصر. عربيتها اتزحلقت ووقعت في المية.

تاني يوم لقوا جثتها.

وبدل شهر العسل… بقى في جنازة.

السواد مالي البيت، والناس داخلة طالعة، وكل شوية حد يقولي:
“هي كانت عارفة إنك بتحبيها.”

لكن طول الوقت كان في فكرة واحدة بتاكلني:

نهى كانت بتحاول تقولي حاجة.

بعد أسبوع، كريم نزل شغله. وبعد ما خرج بعشرين دقيقة، موبايلي رن.

كانت ندى، صاحبة نهى في الشغل.

قالت بتوتر:
“يا سارة لازم تيجي المكتب حالًا.”

قلت:
“في إيه؟”

قالت:
“نهى سايبالك موبايل وجواب على مكتبي.”

ماكلمتش كريم. أخدت مفاتيحي وسوقت للقاهرة وقلبي بيدق بعنف.

ندى كانت مستنياني قدام الريسبشن، وشها شاحب وإيديها بتترعش.

دخلتني مكتبها من غير كلام.

كان في ظرف عليه اسمي بخط نهى… وجنبه موبايلها.

افتكرت الموبايل ضاع مع العربية في الترعة.

ندى قالت بهدوء:
“الأمن قال إنها كانت مستعجلة يومها ونسيتهم.”

فتحت الجواب بصعوبة.

“يا سارة… لو بتقري الكلام ده، يبقى وقت الحقيقة جه. أوعي تثقي في كريم. شوفي آخر فيديو على الموبايل.”

نفسي وقف.

مسكت الموبايل، وإيدي كانت بتترعش لدرجة إني معرفتش أفتح الفيديو من أول مرة.

ولما اشتغل…

ظهر كريم.

مش كريم بتاع يوم الفرح… كريم أصغر شوية. نفس الوش. نفس الابتسامة.

وكان واقف قدام نهى… بيلبسها دبلة.

وبعدين باسها.

حسيت صوت مخنوق طلع مني.

الفيديو اللي بعده كان لكريم مع ست تانية في مطعم. وبعده واحدة تالتة. وبعده واحدة رابعة.

كل الفيديوهات كانت متصورة بعصبية… كأن نهى كانت بتحاول تجمع دليل بسرعة.

ندى حطت إيديها على بقها وقالت:
“يا نهار أبيض.”

أنا خرجت من المكتب قبل ما أنهار قدامها.

طول الطريق كنت بعيط، واضطريت أركن العربية مرة عشان مش شايفة الطريق.

بالليل، كريم دخل البيت شايل ورد أصفر وعلبة كب كيك من المكان اللي بحبه.

قال بابتسامته الهادية:
“كنت بفكر يمكن نخرج شوية…”

لكن سكت.

أهلي وأهله كانوا قاعدين في الصالون. وأنا واقفة في النص وماسكة موبايل نهى.

قلتله:
“اقعد.”

وشغلت الفيديوهات.

الصمت كان خانق.

مع أول فيديو وشه قلب رمادي. ومع التاني أمه قعدت وهي مش حاسة بنفسها.

ولما خلص التالت، أبويا قال بصوت مكسور:
“يا ساتر يا رب.”

كريم أخيرًا اتكلم:
“أنا أقدر أشرح.”

قلت ببرود:
“اتفضل.”

مرر إيده في شعره وقال:
“أنا كنت أعرف نهى قبل ما أعرفك. كنا مرتبطين… وانفصلنا بطريقة وحشة.”

قلت:
“حبتك؟”

بص للأرض وقال:
“في وقتها… أيوه.”

قلت:
“ولما عرفت إني أختها، ماقولتش ليه؟”

قال:
“خفت تخرب كل حاجة.”

واتضح إنه لما نهى واجهته، قالها إن محدش هيصدقها، وإن الكل هيفتكرها غيرانة مني.

وده اللي خلاها تسكت.

فضل يقول إنه اتغير، وإن علاقته بنهى كانت سامة، وإن حبه ليا حقيقي.

لكن أنا كنت سامعة صوت أختي بس.

كانت واقفة قدامي بتترجاني ألغي الفرح… وأنا اتهمتها بالغيرة.

ساعتها شوفت الصدمة في عيون أهلي هم كمان. أخيرًا فهموا إن نهى ماكنتش شريرة… كانت يائسة وبتحاول تحميني لوحدها.

وده وجعني أكتر من خيانة كريم نفسها.

قرب مني وقال:
“يا سارة أرجوكي…”

بصيتله وتخيلت نهى وهي سايقة وسط المطر، بتحاول تلحق الفرح قبل ما حياتي تضيع.

طلعت الشنطة اللي كنت مجهزاها قبل ما يرجع.

أمه بدأت تعيط. وأمي نادت اسمي. وكريم حاول يمسك إيدي لكنه وقف.

قال برجاء:
“متمشيش بالشكل ده.”

لفيت وبصيتله آخر مرة.

“إنت كسرت قلب أختي… وبعدها وقفت جنبي وأنا بدفنها، وخلتني أصدق إنها هي المشكلة.”

وطى عينه.

وده كان كل الرد اللي محتاجاه.

وسبته ومشيت.

دلوقتي بقالهم تلات أسابيع. عايشة في شقة إيجار صغيرة، بأطباق مستعملة وسرير بيزيق كل ما أتحرك. بدأت إجراءات الطلاق، ولسه في أيام بصحى فيها وأنسى للحظة إن حياتي القديمة انتهت.

بس كل مرة بافتكر نهى.

افتكر طريقتها وهي تسألني:
“أكلتي؟”

كأن دي اللغة الوحيدة اللي كانت تعرف تعبر بيها عن حبها.

نهى قضت آخر أيامها بتحاول تنقذ أختها اللي عمرها ما بطلت تحبها.

يمكن فهمت متأخر… لكني فهمت في الآخر.

وأوقات الحب بييجي متأخر أوي عشان ينقذ يوم واحد… لكنه بييجي في الوقت المناسب عشان ينقذ باقي العمر كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *