صرخة امل

صباح اليوم التالي، اتصل خالد بمديرية الرعاية الاجتماعية وأخبرهم برغبته في كفالة الأطفال الخمسة وإبقائهم معاً. جاءه الرد كصعقة: “أنت رجل أعزب في التاسعة والعشرين، تعيش في ورشة، ولست متزوجاً ولا تملك دخلاً مرتفعاً، فهذا طرح غير واقعي ومستحيل قانوناً، وسيتم توزيعهم خلال أيام”.

لكن الرفض لم يزد خالد إلا إصراراً. فتح صندوقه الحديدي المخبأ تحت السرير، وسحب كل تحويشة عمره التي جمعها على مدار عشر سنوات. خرج كالمجنون إلى الأسواق؛ اشترى سيارة نقل صغيرة مستعملة تتسع للجميع مع خمسة كراسي مخصصة للأطفال، وعاد إلى الورشة ليقضي أربعة أيام بلياليها دون نوم؛ هدم الجدران الفاصلة وحول المكان إلى غرفة نوم واسعة ومبهجة، ملأها بالسرائر الآمنة والألعاب وكل ما يلزم الرضيعة من حليب ومستلزمات. ولم يكتفِ بذلك، بل صرف ما تبقى من مدخراته لتوكيل محامي أسرة شهير ومخضرم.

وجاء يوم الجلسة الحاسمة. كانت قاعة المحكمة مزدحمة ومخيفة، والأطفال جالسون خارجاً يتشبثون ببعضهم برعب. وحين بدأت الجلسة، وقف محامي الدولة وقال بصوت عالٍ: “سيدي القاضي، نحن أمام حالة اندفاع طفولية وساذجة لشاب أعزب يعمل في ورشة، لا يملك الخبرة ولا المال الكافي. هذا القرار خطر على مستقبله ومستقبل الأطفال، والتوزيع على الأسر البديلة هو القرار العقلاني الوحيد”.

شعر خالد بالخوف والشك يتسللان إلى قلبه، لكنه عندما نظر من زجاج القاعة ورى الطفل الأكبر يقبل رأس أخته الرضيعة، استعاد ثباته.

وفجأة، سكتت القاعة تماماً. رفع القاضي نظارته ونظر إلى خالد طويلاً، ثم قال بنبرة هادئة وعميقة: “الناس تنفق أموالهم للرفاهية، وتضحيات البشر تكون لأسرتهم وأبنائهم. لكنك سحبت كل مدخرات حياتك وتحديت النظام القانوني من أجل أطفال لم ترهم من قبل. قل الحق يا بني… لماذا يضحي رجل في سنك بكل شيء من أجل 5 أطفال لا تعرفهم؟”

أخذ خالد نفساً طويلاً وموجعاً، كأنه يسترجع نفساً محبوساً منذ أربع وعشرين سنة، ثم اقترب من الميكروفون وبدأ يتحدث بصوت خافق، كاشفاً عن السر الذي دفنه في أعماق روحه:

“سيدي القاضي… قبل خمس وعشرين سنة، كان هناك طفل في الرابعة من عمره، مات والداه في حادث، ووقف في نفس هذه المحكمة ليصدر قرار رسمي بعزلهم وتوزيعهم على ثلاثة أيتام في مدن مختلفة لأن القانون وقتها قال إن استضافتهم معاً غير واقعية. تلك اللحظة، عندما سُحبت يد أخي الأكبر من يدي، وصرخت أختي الصغرى وهي تُحمل إلى سيارة أخرى، كانت اللحظة التي ماتت فيها طفولتي. قضيت باقي حياتي في دار أيتام، وعندما كبرت وبحثت عنهم، وجدت أن أخي الأكبر توفي في حريق بالدار، وأن أختي تم تبنيها وسافرت للخارج وانقطعت أخبارها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *