الوعد واليقين
”جدتي، أنا زهراء جئت آخذك معي!”
لا أعرف هل نهضت من مكاني، أم أن جسدي تحرك وحده نحوها، لأنني عندما انتبهت لنفسي، كنت قد صرت بين ذراعيها. كانت رائحتها تحمل غبار الشارع، وعطرًا رخيصًا، ورائحة مطر خفيف.. لكن تحت كل ذلك، كانت لا تزال تفوح منها رائحة طفلتي الصغيرة. احتضنتها بخوف، كما تحتضن المرأة معجزة وهي لم تعد تعرف هل تستحق أن تصلها المعجزات أم لا.
قلت لها وصوتي ينكسر وسط الكلمة:
— جئتِ؟
قبّلت زهراء جبيني، وخدّي، ويديّ، كأنها كانت تحاول أن تعتذر لي بكل ملامح وجهها، وقالت وهي تبكي:
— سامحيني يا جدتي تأخرت عليكِ، لكن أمي أخذت هاتفي، ونقلتني من مدرستي، وقالت لي إنكِ أنتِ التي لا تريدين رؤيتي.
شعرت بحرقة في صدري، لم تكن حرقة المفاجأة، كانت حرقة التأكد. الأم يمكن أن تخطئ، يمكن أن تتعب، يمكن أن تشعر أن الحياة صارت أكبر من قدرتها، لكن أن تكذب على ابنتها بهذه الطريقة حتى تمحو جدتها من قلبها.. فهذا كان شيئًا آخر.
خلف زهراء كان هناك شخصان لم أعرفهما؛ رجل يرتدي بدلة داكنة ويحمل حقيبة أوراق، وامرأة شابة تحمل بطاقة رسمية تابعة لدائرة الرعاية الاجتماعية. الممرضة الواقفة عند الاستقبال نهضت فورًا، وحاولت أن تبتسم، لكن ابتسامتها بقيت عالقة في منتصف وجهها عندما رأت الأوراق، وقالت بتوتر:
— خالة أم علي ما تقدر تخرج هكذا، نحتاج موافقة المسؤول من أهلها.
مسحت زهراء دموعها بكمّها، وأخرجت هويتها الجديدة من حقيبتها وقالت بصوت ثابت:
— المسؤولة من أهلها أنا من اليوم. صرت بالغة قانونيًا، ومعي طلب رسمي لمراجعة ملف جدتي.
فتح الرجل حقيبته بهدوء لا يشبه قلبي الذي كان يركض داخل صدري وقال:
— أنا المحامي حيدر السامرائي، الوكيل القانوني للآنسة زهراء وللسيدة أم علي.
خرجت المديرة من مكتبها بسرعة لم أرها تمشي بها طوال سنة كاملة، وقالت وهي ترتب عقدها حول رقبتها:
— كل شيء عندنا نظامي، ابنة السيدة تدفع المستحقات بانتظام.
التفتت زهراء نحوي بعينين قاسيتين من شدة الألم وقالت:
— أمي لا تدفع شيئًا يا جدتي، هي تأخذ من معاشك ومن إيجار بيتك.
بقيت أنظر إلى فمها، كأنني أنتظر أن تتراجع عن كلامها وتقول إنها فهمت الأمر خطأ. لكن المحامي وضع على طاولة الاستقبال كشوفات حساب، ووصولات، ونسخ تحويلات، كلها تحمل اسمي. لم أكن أعرف أن بيتي ما زال مؤجرًا، لأن ابنتي أخبرتني أنه بقي فارغًا وأن السقف صار يرشح بالماء. لم أكن أعرف أن هناك مبلغًا يدخل كل شهر من إيجاره، ولم أكن أعرف أن معاشي كان يخرج مباشرة إلى حساب لا أملكه. لم أكن أعرف شيئًا، لأن الإنسان في ذلك المكان يتعلم ألا يسأل كثيرًا، حتى لا يسمع احتقارًا أكثر مما يكفيه.
ابتلعت المديرة ريقها، وطلبت أن يتم الحديث داخل مكتبها وبشكل خاص، فأجابتها زهراء فورًا:
— لا يوجد شيء خاص عندما يتم حبس امرأة كبيرة بالسن بالكذب، وعزلها عن أهلها، وإعطاؤها أدوية دون شرح واضح.
اقتربت أم سعدية، رفيقة الخذلان، ببطء من الممر وقالت وهي تنظر إلى زهراء:
— يعني رجعتِ فعلًا يا بنتي؟
نظرت إليها زهراء بحنان وقالت:
— رجعت من أجلها، وإذا وجدت أشياء أخرى، لن أخرج ساكتة.
بدأت أبواب الغرف تُفتح واحدة تلو الأخرى، وخرج بعض كبار السن برؤوسهم من خلف الأبواب، كأن الأمل له صوت جعلهم ينتبهون. نظرت إلى حفيدتي، فرأيت فيها الطفلة التي كانت تطلب مني شوربة العدس في الشتاء، ورأيت فيها أيضًا امرأة ظهرها مستقيم، لا تنحني بسهولة. سألتها بصوت منخفض:
— أين أمك؟
شدّت زهراء فكّها وقالت:
— في الخارج عند موقف السيارات، لأنها ظنت أنني جئت أطلب منكِ أن تسامحيها، حتى نصور فيديو وتظهر أمام الناس وكأنها بنت بارة.
وقبل أن أستطيع أن ألتقط أنفاسي، دخلت ابنتي مثل عاصفة؛ حذاء بكعب عالٍ، نظارات سوداء، ونفس العصبية التي وقّعت بها أوراق تركي هنا قبل عام. قالت بحدة:
— زهراء، كفاكِ تمثيلًا. جدتك مرتاحة هنا.
ابنتي لم تنظر إليّ حتى وهي تقول ذلك، كانت تتحدث إلى المحامي، والموظفة، والمديرة، كأنني قطعة أثاث في منتصف الممر. قلت لها، ورغم كل ما فعلته خرجت الكلمة مني كما تخرج من أم تعودت النداء:
— ابنتي.. لماذا قلتِ لزهراء إنني لا أريد رؤيتها؟
نزعت نظارتها، ولثانية واحدة رأيت الخوف في عينيها.. ليس الندم، بل الخوف. قالت:
— لأنها كانت تحتاج أن تعيش حياتها، وأنتِ كنتِ دائمًا تربطينها بكِ وبمرضكِ وتعبكِ.
ضحكت زهراء ضحكة مرّة وقالت:
— الوحيدة التي كانت تربط الناس بالكذب هي أنتِ.
رمقتها ابنتي بنظرة كانت في السابق تجعل حفيدتي ترتجف وقالت:
— أنتِ لا تعرفين كم يكلف الاعتناء بامرأة كبيرة ومريضة.
رفع المحامي ورقة من بين الملفات وقال بهدوء:
— السيدة أم علي ليست فاقدة للأهلية قانونيًا، ولا يوجد أي حكم يمنعها من إدارة قراراتها أو أموالها، ومع ذلك تم تغيير مسار حساباتها والتصرف بمعاشها وإيراد بيتها.
تراجعت ابنتي خطوة وقالت:
— هي أعطتني الإذن.
سألتها، وصوتي خرج متعبًا أكثر مما كان غاضبًا:
— متى؟
فتحت ابنتي فمها، لكن زهراء أخرجت هاتفها وضغطت على تسجيل صوتي. كان صوت ابنتي واضحًا.. باردًا.. تتحدث مع شخص من إدارة الدار، كانت تقول إنني إذا سألت عن الاتصالات، فليقولوا لي إن لا أحد يرد، وإذا طلبت الخروج، فليعطوني حبة الليل قبل موعدها.
شعرت أن الدنيا مالت بي. تذكرت صباحات كنت أستيقظ فيها ولساني ثقيل، ولا أعرف هل كنت أحلم أم كنت أبكي فعلًا. تذكرت رسائل كتبتها لزهراء، ووضعتها داخل ظروف بيضاء، وسلّمتها للاستقبال، وكنت أضع داخل كل ظرف دعاء صغيرًا وأقول لعلها تصل.. لم تصل أبدًا.
فتحت زهراء كيسًا قماشيًا، وأخرجت منه مجموعة ظروف قديمة وقالت:
— وجدتها في درج المديرة يا جدتي، مرمية كأنها لا قيمة لها.
كانت رسائلي هناك.. مجعّدة.. غير مفتوحة.. بخط يدي المرتجف، وأنا أسأل عن أخبارها، وأعدّ الأيام، وأقول لها إنني ما زلت أنتظرها.
بدأت أم سعدية تبكي بصمت. طلبت موظفة الرعاية الاجتماعية سجلات الأدوية، والزيارات، والمكالمات. حاولت المديرة أن تقول إن النظام لا يعمل، فابتسم المحامي حيدر ابتسامة بلا فرح وقال:
— إذن سننتظر الشرطة.
اقتربت ابنتي من زهراء، وحاولت أن تخطف الرسائل من يدها، لكن حفيدتي لم تتحرك وقالت بصرامة:
— لا تلمسي شيئًا يخصها مرة أخرى.
كنت أعرف تلك النبرة، كانت النبرة نفسها التي كانت ابنتي تستخدمها قديمًا حين تدافع عن زهراء وهي صغيرة من بنات يضايقنها في المدرسة. آلمني أن أفهم أن ابنتي كانت تعرف كيف تحمي من تحب، لكنها توقفت عن حمايتي أنا.
نظرت إليها وقلت:
— قولي لي الحقيقة.. هل أدخلتِني هنا من أجل المال؟
وضعت ابنتي يدها على شعرها بعصبية وقالت:
— أدخلتك هنا لأنني لم أعد أقدر عليكِ.
قلت:
— كنت أمشي، وأطبخ، وأسقي نباتاتي.
قالت بنفاد صبر:
— وكنتِ تحاكمينني بعينيكِ كأنكِ شهيدة.
جرحتني الجملة، ربما لأن جزءًا منها كان صحيحًا، ربما كانت عيني تذكرها بما لا تريد رؤيته، لكن لا توجد نظرة في العالم تبرر أن تتركي أمك وحيدة خلف باب دار للمسنين.
وقفت زهراء أمامي كأنها درع وقالت:
— أمي باعت أثاثك، وأجّرت بيتك، واستخدمت معاشك، وقالت لي إنك بدأتِ تفقدين ذاكرتك حتى لا أصدقك.
صرخت ابنتي بأنها فعلت ذلك بسبب الحاجة، قالت إن الديون خنقتها، وإن لا أحد يعرف ضغط أن تبقى مسؤولة عن بيت وعائلة.
تذكرت أنا السنوات التي حملت فيها بيتي وحدي، تذكرت كيف كنت أبيع المعجنات صباحًا، وأغسل ملابس الناس مساءً حتى تتشقق أصابعي. أنا أيضًا عرفت الديون، وعرفت الخوف، وعرفت الرغبة في الهرب، لكنني لم أترك ابنتي يومًا في استقبال مكان تفوح منه رائحة المعقمات كي أخرج أخفّ من حملها.
وصلت الشرطة بعد عشرين دقيقة. تغير لون وجه المديرة عندما طلبوا منها فتح المكتب وتسليم الملفات. لم أكن أفهم كل المصطلحات التي تقال، لكنني عرفت اسمي فوق أوراق كثيرة لم توقعها يدي؛ كانت هناك موافقات بتوقيع يشبه توقيعي، وأوراق تصفني بأنني مشوشة، عصبية، وغير قادرة على الاعتماد على نفسي.
همست:
— أنا لست عصبية.
ضغطت زهراء على كتفي وقالت:
— أعرف يا جدتي.
عندها دخل ممرض شاب يحمل صندوق ملفات، وعيناه ممتلئتان بالخجل وقال:
— احتفظت بنسخ لأنني لم أشعر أن ما يحدث صحيح.
صرخت المديرة في وجهه ووصفته بالخائن، فأنزل عينيه وقال:
— الخيانة هي أن تخبئوا رسائل امرأة كانت تنام وهي تحتضن التقويم.
مزّقتني تلك الجملة من الداخل، ليس لأنني خجلت أن يعرف أحد وجعي، بل لأن أحدًا رآه فعلًا، ولم يكن ما شعرت به مجرد وهم في رأسي.
جلست ابنتي على كرسي قريب كأن قوتها نفدت فجأة، وللمرة الأولى طوال عام كامل، بدت أمامي مثل تلك الطفلة الخائفة التي حملتها ذات ليلة عاصفة عندما انقطع الكهرباء عن بيتنا القديم، وقالت بصوت ضعيف:
— أمي.. كنت سأصلح كل شيء.
سألتها:
— متى يا ابنتي؟
لم تجب، لكن زهراء أجابت بدلًا عنها:
— عندما يصبح البيت باسمك.. لأنني وجدت موعدًا عند الكاتب العدل أيضًا.
أغمضت ابنتي عينيها، وكان صمتها اعترافًا أكبر من أي ورقة. شرح المحامي حيدر أن ابنتي حاولت تجهيز معاملة تنازل عن البيت، مستخدمة تقريرًا طبيًا مشكوكًا فيه لإثبات أنني غير قادرة على اتخاذ القرار.
نظرت إلى يديّ، كأنني أبحث فيهما عن البيت الذي بنيته أنا وزوجي الراحل سنة بعد سنة؛ مطبخ البلاط الأخضر، الحوش الصغير، شجرة الياسمين قرب الباب، والغرفة التي كانت زهراء تنام فيها كلما تشاجر والداها وخافت من الأصوات العالية. لم يكن البيت قصرًا، لكنه كان حياتي موضوعة طابوقة فوق طابوقة. قلت بهدوء:
— هذا البيت كان لزهراء.
فتحت ابنتي عينيها بصدمة وقالت:
— ماذا؟
قلت:
— أنا وأبوها كنا نريده لها. أنتِ لديكِ حياتك ومكانك، وهي كانت الوحيدة التي لم تتركني.
نهضت ابنتي كأنني أهنتها وقالت بمرارة قديمة:
— أرأيتِ؟ كنتِ دائمًا تحبينها أكثر مني.
خرجت الجملة عفنة من داخل سنوات طويلة، وفهمت حينها أن ابنتي لم تتركني من أجل المال فقط؛ كانت تعاقبني على حب لم تعرف كيف تستقبله، رغم أنني أعطيته لها كاملًا.
بكت زهراء وقالت لأمها:
— جدتي ربّتني لأنكِ كنتِ تعملين، وتخرجين، وتغيبين أيامًا، ثم تعودين غاضبة من الجميع.
حاولت ابنتي الرد، لكن صوتها انكسر وقالت:
— وأنا أيضًا كنت وحيدة.
نظرت إليها بحزن واسع وقلت:
— نعم يا ابنتي.. لكن وحدتك لم تكن تعطيك الحق أن تتركيني وحيدة أنا.
سألتني موظفة الرعاية الاجتماعية إن كنت أريد الخروج في ذلك اليوم نفسه. نظرت إلى الممر، إلى الجدران الباهتة، إلى الكراسي الغائرة، إلى الساعة المتوقفة منذ أشهر، ونظرت إلى أم سعدية، التي كانت تتظاهر بتعديل شالها حتى لا يظهر الرجاء في عينيها وقلت:
— نعم، أريد الخروج، لكن قبل ذلك أريد أن تراجعوا ملفات كل من هنا.
احتجّت المديرة، فالتفتت إليها زهراء وقالت:
— جدتي لن تخرج وتترك الجحيم نفسه للآخرين.
لا أعرف من أين جاءت حفيدتي بكل تلك القوة، لكنني شعرت في طريقة كلامها وكأنني أسمع زوجي الراحل.
بدأت المراجعة في ذلك المساء، وقبل أن يحلّ الليل، ظهرت ملفات أخرى؛ معاشات محوّلة، أدوية بلا تسجيل واضح، زيارات تم رفضها دون علم أصحابها. اكتشفت أم سعدية أن ابنها جاء ثلاث مرات، وأنهم أخبروه في كل مرة أنها لا تريد مقابلته، وعرف رجل اسمه أبو جاسم أن حفيده كان يرسل مالًا كل شهر ليشتري له مستلزمات جيدة، بينما كانوا يعطونه أرخص ما لديهم.
الدار كلها، التي كانت في ذلك الصباح تشبه قبرًا نظيفًا، امتلأت بالأصوات. لم تكن أصواتًا شابة، ولا قوية، ولا كاملة، كانت أصوات ناس كبار تذكروا فجأة أن لهم حقًا في الغضب.
تم استدعاء ابنتي للتحقيق، وعندما طلب منها رجال الشرطة مرافقتهم، نظرت إليّ أخيرًا كابنة وقالت:
— أمي.. لا تتركيهم يأخذونني.
شعرت أن قلبي انقسم في اتجاهين؛ جزء مني أراد أن يركض نحوها، ويغطيها بعباءتي، ويقول لها إن كل شيء سيكون بخير، والجزء الآخر تذكر ذلك اليوم الأول، أصابعها وهي توقع الأوراق دون أن تودعني، بينما كنت أحاول ألا أبكي أمام زهراء. قلت لها:
— أنا لا آخذك إلى أي مكان يا ابنتي.. قراراتك هي التي وصلت إليكِ.
بكت بغضب، كما يبكي من لم يعتد أن يكون ألمه خارج مركز الحكاية. أمسكتني زهراء عندما رأيتها تخرج. لم أفرح، الأم لا تفرح بسقوط ابنتها، حتى لو كانت تلك الابنة قد دفعتها أولًا. كل ما شعرت به كان تعبًا هائلًا، كأن السنة كلها جلست فجأة فوق كتفي.
وقّعت موظفة الرعاية الاجتماعية على خروجي المؤقت تحت رعاية زهراء، وطلبت فحصًا طبيًا مستقلًا لي. أعطوني كيسًا فيه أشيائي القليلة؛ بلوزتان، مسبحة، خفّان قديمان، والتقويم الذي شطبت عليه ثلاثمئة وخمسة وستين يومًا. ثم أعطوني رسائلي، ضممتها إلى صدري كأنها أجزاء من روحي عادت متأخرة.
قبل أن أخرج، أمسكت أم سعدية يدي وقالت:
— قلت لكِ إن الشباب لا يرجعون.
ثم ابتسمت وهي تبكي وأضافت:
— فرحت لأنني كنت غلطانة.
وعدتها أنني وزهراء سنعود لزيارتها، حتى لو نحمل لها خبزًا حارًا وأخبارًا حقيقية.
طلبت زهراء سيارة أجرة عبر الهاتف لأنها لم تكن تملك سيارة. وعندما خرجنا، ضرب هواء الشارع وجهي، فشعرت أن الحرية لها رائحة غبار ودخان وحياة. كانت بغداد كما هي.. صاخبة.. متعبة.. ومع ذلك حيّة. صعدت إلى السيارة ببطء، وغطّت زهراء ساقي بسترتها، سأل السائق:
— إلى أين؟
نظرت إليّ زهراء، فقلت:
— إلى البيت.
ظننت أنني عندما أصل سأجد الغبار، وأثاثًا غريبًا، ونباتات ميتة، لكنني وجدت شيئًا أسوأ، وشيئًا أجمل. كان البيت مؤجرًا لعائلة لا تعرف شيئًا؛ زوجان شابان وطفلان صغيران خافوا عندما رأوني أبكي أمام الباب. تحدثت معهم زهراء باحترام، شرحت لهم أننا لم نأتِ لنطردهم في تلك الليلة، وأعطتهم رقم المحامي حيدر. أما أنا فبقيت واقفة عند الباب الحديدي، أنظر إلى الحوش من خلف القضبان. كانت شجرة الياسمين ما زالت حية، كبرت وتفرعت بلا ترتيب، كأنها انتظرتني دون أن تستأذن أحدًا.
لم نستطع أن ننام هناك. في تلك الليلة ذهبنا إلى الغرفة الصغيرة التي كانت زهراء تستأجرها قرب عملها؛ مكان ضيق، فيه فرشة على الأرض، وموقد كهربائي صغير، وشباك يطل على جدار قريب. قالت بخجل:
— ليس كثيرًا يا جدتي.
جلست على الفرشة، ومددت يدي إلى وجهها كما فعلت يوم الدار وقلت:
— هذا أجمل مكان في الدنيا لأن لا أحد سيخفيني هنا.
انهارت زهراء بالبخاء، وحكت لي أنها كانت تعمل في مقهى بعد الدوام، وتجمع كل إكرامية تحصل عليها. حكت أنها بحثت عن استشارة قانونية مجانية، وقضت أشهرًا تجمع الأدلة. قالت إن أمها كانت تفتش حقيبتها، وتمنعها من رؤيتي، وتهددها بأنها ستطردها من البيت إن أصرت، ثم اعترفت:
— لذلك خرجت من البيت قبل أن أكمل الثامنة عشرة.. نمت أسبوعين عند صديقتي مريم، وبعدها استأجرت هذه الغرفة.
احتجنتها وأنا أشعر بذنب جديد؛ بينما كنت أعد الأيام، كانت طفلتي تخوض حربًا وحدها. قلت لها:
— لم يكن يجب أن تحملي كل هذا.
نظرت إليّ بعينيها المتورمتين وقالت:
— أنتِ حملتِني عندما لم يرد أحد أن يحملني.
الأشهر التالية لم تكن سهلة؛ كانت هناك مراجعات، وفحوصات، وأسئلة موجعة، وجيران يتكلمون وهم لا يعرفون الحقيقة كاملة. حاولت ابنتي أن تقول إنني متأثرة بزهراء، وإنها هي التي تحركني، لكن التسجيلات، والرسائل المخفية، والحسابات البنكية كانت تتكلم أوضح من دموعها.
استعدت معاشي، ووضعت قيودًا قانونية تمنع أي تصرف ببيتي من دون موافقتي. العائلة التي كانت تستأجر البيت غادرت باتفاق محترم، وفي أول يوم دخلت فيه بيتي من جديد، قبّلت جدار المطبخ. ضحكت زهراء وهي تبكي، وضحكت أنا أيضًا.. ليس لأن البيت بقي كما كان، بل لأننا نحن لم نضِع إلى الأبد.
نظفنا الحوش، صبغنا الغرفة، واشترينا أصيصين جديدين بأول مبلغ عاد إليّ. جاءت أم سعدية لتناول الغداء عندنا في أحد أيام الجمعة، أحضرها ابنها بعد أن عرف الحقيقة. وضعت أحمر شفاه أحمر، وقالت إن التزين صار له معنى الآن. أما الدار، فتم عزل المديرة، وفتح تحقيق مع الطبيب، وتلقت عائلات كثيرة مكالمات كان يجب ألا تنقطع يومًا.
أنا لم أستعد تلك السنة، هناك أشياء لا يعيدها أحد؛ لم أستعد الأعياد التي قضيتها أنظر إلى الباب، ولا الصباحات التي تظاهرت فيها بأنني لا أشعر بالجوع حتى لا يراني أحد أبكي، ولم أستعد الابنة التي ظننت أنني ربّيتها.
طلبت ابنتي أن تراني مرة واحدة، من خلف طاولة باردة في مكان رسمي. جاءت بلا مكياج، بكبرياء متعب، وبيدين لا تستقران وقالت:
— أمي.. سامحيني.
نظرت إليها طويلًا، بحثت عن طفلتي داخل تلك المرأة.. نعم، وجدتها.. بعيدة جدًا.. مجروحة.. وملتوية من كثرة ما حملت داخلها. قلت لها:
— أسامحك حتى لا أموت وقلبي مرّ.. لكنك لن تعودي تقررين عني أبدًا.
بكت هذه المرة بلا صراخ، ولم أمسح دموعها. تعلمت أن هناك آلامًا لا يجب على الأم أن تزيلها عن ابنتها، حتى تفهمها أخيرًا.
كانت زهراء تنتظرني في الخارج ومعها كوبان من القهوة وقطعتا كعك، سألتني:
— أنتِ بخير؟
أمسكت ذراعها وقلت:
— أنا حية.
وكان ذلك صحيحًا، لم أكن حية كما كنت من قبل، لم أكن ساذجة، ولم أكن كاملة، لكنني كنت حية. أحيانًا أستيقظ مفزوعة وأظن أنني ما زلت في ذلك السرير الغريب، وأن رائحة المعقم جاءت لتأخذني من جديد، ثم أسمع زهراء في المطبخ، تتشاجر مع الغلاية، وتغني بصوت غير مضبوط كما كانت تفعل وهي صغيرة.. أنهض ببطء، ألمس جدار بيتي، وأتذكر أن الوعد أحيانًا يكون أقوى من الحكم.
ابنتي تركتني في دار للمسنين وهي تظن أن الخذلان باب مغلق، لكن حفيدتي عادت يوم أكملت الثامنة عشرة، وعلّمتني أن الحب الحقيقي لا يصل دائمًا مبكرًا، لكنه عندما يصل، يدخل راكضًا، يصرخ باسمك، ويعيد إليك الحياة.



