دموع على باب المطبخ
بعد ساعات طويلة من التعب، انتهيتُ من تنظيف بيتي وترتيبه حتى بات يلمع ويفوح برائحة النظافة الدافئة. جلستُ أتنفس الصعداء، مستبشرة بيوم هادئ ومريح ألتقط فيه أنفاسي. لكن، لم تمضِ دقائق حتى رنّ هاتفي، وكان المتصل أخي الحبيب.
بصوته الحنون المعتاد قال لي: **”أنا قادم لزيارتكِ بعد قليل، ومعي زوجتي”**.
تهللت أساريجي وفرحتُ كثيراً، فالبيوت تُضاء بزيارة الأحباب. أغلقت الهاتف وتوجهتُ فوراً وبخطوات متسارعة نحو المطبخ لأعدّ لهما ما تيسر من ضيافة تليق بهما، فمن شيمنا إكرام الضيف بما تجود به النفس.
### المفاجأة الصادمة خلف أبواب الخزانة
فتحتُ خزانة المطبخ الأولى… وكانت الصدمة! الخزانة فارغة تماماً. بحثتُ في الثانية، ثم في الثلاجة، رحتُ أفتش يميناً ويساراً بتوتر متزايد وقلب ينبض بسرعة؛ فلا يوجد حبة بسكويت واحدة، ولا قطع كيك، ولا علبة عصير جاهز، حتى الشاي والقهوة لم يسعفني الحظ بوجودهما في ذلك اليوم العصيب بسبب ضيق الحال الذي كنت أمر به خلف الأبواب المغلقة.
وقفتُ حائرة والوقت يداهمني، حتى وقعت عيني في زاوية الثلاجة على حبات قليلة جداً من البرتقال. تنفست الصعداء وقلت في نفسي: *”الحمد لله، الجود من الموجود”*البرتقال. عصرتُ الحبات بسرعة فائقة بكل ما أوتيت من قوة، وبالكاد استطعتُ ملء **كأسين فقط** من العصير الطازج البارد. وضعتُهما على صينية التقديم وقلت لنفسي إن أخي وزوجته هما أصحاب بيت وسيتفهمان الأمر، والمهم هي اللمة الطيبة.
### زائر غير متوقع وإرباك شديد
دق جرس الباب، فذهبتُ لافتحه بابتسامة ترحيبية واسعة، لكن جسدي تجمد مكانه عندما رأيتُ خلف أخي وزوجته ضيفة أخرى لم أكن أحسب لها أي حساب… إنها **أم زوجة أخي (حماته)**! وهي سيدة وقورة تزور بيتي للمرة الأولى في حياتها.
دخلو وجلسوا في غرفة الضيوف، بينما دخلتُ أنا في نوبة من الارتباك الشديد والخجل الإنساني الحارق. كيف سأتصرف والصينية ليس عليها سوى كأسين من العصير لثلاثة ضيوف، وأحدهم يزورني لأول مرة؟!
حاولتُ استجماع ثباتي، وفكرتُ بسرعة وأدب: *”الأم الكبيرة أولى بالإكرام، وزوجة أخي ضيفة أيضاً، أما أخي… فأخي حبيب وعزوتي وسيتفهم موقف أخته بالتأكيد”*.
سكبتُ بسرعة كوباً من الماء العادي، وخرجتُ إليهم بابتسامة تحاول إخفاء رجفة يدي. قدمتُ الكأسين لزوجة أخي وأمها، ثم وضعتُ كوب الماء أمام أخي، وقلت له بنبرة ممزوجة بالضحك والمداعبة لألطف الجو: **”أعرف أنك تحب السفن آب… تفضل!”**.
فهم أخي اللعبة فوراً. رفع الكوب، وشرب منه رشفة، وبمجرد أن عرف أنه ماء، لمعت في عينيه نظرة ذكية مليئة بالحنان والاحتواء؛ استوعب في ثانية واحدة ضيق حالي وعجزي، فابتسم لي بصمت وقرر إقفال الموضوع بذكاء حتى لا يتسبب في إحراجي.
### الموقف المحرج وتدخل الأخ المنقذ
لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فجأة، التفتت أم زوجة أخي ونظرت إلى كوب الماء الذي أمام صهرها، وإذا بها تمد يدها، وترفع كأس العصير من أمامها وتضعه على الطاولة بقوة قائلة بصوت عالٍ جاف:
**”أنا أرغب في السفن آب… فهو مريح جداً لمعدتي، فأعطني إياه!”**.
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الأرض تدور بي، واشتعل وجهي بحمرة الخجل والإرباك الطاغي. تمنيتُ لو انشقت الأرض وابتلعتني، فقد وضعتني في موقف لا أحسد عليه أمام عائلتها.
وهنا، تجلى عطف الأخ وسرعة بديهته لينقذ كرامة أخته المنكسرة. نظر إلى حماته بابتسامة هادئة وقال لها بكل ثقة: **”لا عليكِ يا أمي، سآتيكِ بزجاجة جديدة وباردة من المطبخ فوراً”**.
حمل أخي كوب الماء في يده وتوجه نحو المطبخ. وما هي إلا ثوانٍ معدودة، حتى سمعنا جميعاً من الصالون **صوت زجاج قوية وهي تنكسر وتتحطم على أرضية المطبخ!**
خرج أخي من المطبخ وعلامات الأسف المصطنعة على وجهه، ونظر إلى حماته قائلاً: **”للأسف يا حماتي… وقعت الزجاجة من يدي بالخطأ وانكسر الكأس وضاع السفن آب.. ولكن لا بأس أبداً، سأرتدي حذائي الآن وأهبط سريعاً إلى البقالة لأجلب لكِ زجاجة غيرها”**.
عندما رأيتْ حماته إصراره ورغبة في النزول، شعرت بالخجل ورفضت قائلة: **”لا، لا داعي أبداً لكل هذا التعب، اجلس مكانه فليس لي فيه نصيب”**، وتحول الموقف بذكائه من تقصير مني إلى “قضاء وقدر” وبطولة منه.
### اللمسة الأخيرة.. هكذا تكون الأخوة
مرت الزيارة بسلام بفضل حيلته الذكية. وعندما حان وقت رحيلهم، وقفتُ عند الباب لأودعهم. تقدم أخي ليعانقني مودعاً، وفي أثناء العناق الدافئ، شعرتُ بيده الحنونة تدسّ في كفي خفية **مبلغاً كبيراً من المال**.
همس في أذني بصوت منخفض لا يسمعه غيري، ممزوجاً بابتسامة حانية تملأ وجهه حبّاً:
**”لا تنسي تنظيف أرضية المطبخ جيداً من السفن آب الذي سكبته… حتى لا يجلب النمل إلى بيتكِ النظيف!.. والتفتي لحالكِ وركزي في صحتكِ”**.
ودعني ومضى، ودموعي انهمرت على خدي فور إغلاق الباب، لكنها لم تكن دموع حزن، بل دموع فخر واعتزاز. لقد فدى أخي كرامتي بكأس ماء، وستر ضيق حالي وتقصيري أمام الغرباء دون أن ينطق بكلمة عتاب واحدة، بل وراعى مشاعري وأصلح حالي المادي قبل أن يغادر.
**هكذا تكون الأخوة الحقيقية.. وهكذا تكون رابطة الدم الأصيلة التي لا تعوضها الأيام. صدق الله العظيم حين قال في كتابه الكريم: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}.. فصلّوا على النبي وتأملوا جمال الأخوة.**


