جوزي طلقني حكايات روماني مكرم
بقت أنفاسي واقفة، وحسيت إن الكافيه كله بيلف بيا. الكلمة طلعت من بق ياسر زي القنبلة اللي فجرت جوة قلبي مشاعر كنت فاكرة إن السنين والهموم موتوها. بصيتله وعيوني مبرقة ومش قادرة أستوعب: “يعني إيه يا ياسر؟ مش فاهمة.. تقصد إيه بإن الغريب مش هيبقى غريب؟”
ياسر اتنهد تنهيدة طويلة، وبص في عيوني بنظرة مليانة حنية وعتاب قديم، وقال بصوت واطي بس كله ثقة: “يعني يا رانيا، أنا عمري ما نسيتك. أيام الجامعة كنت بشوفك البنت اللي بتتمنيها أي عين، الرقة والجدعنة والأصل. بس وقتها أنا كنت شاب لسه بيتحسس طريقه، مش معايا شهادة ولا وظيفة ولا مستقبل واضح، وكنت عارف إن لو اتقدمتلك هترفض لأني مش جاهز. سافرت واشتغلت وعملت اسم وفلوس، بس فضلت صورتك في بالي. ولما عرفت إنك اتجوزتي، قلت خلاص، نصيبها مع غيري وربنا يسعدها. لكن دلوقتي؟ دلوقتي لما ألاقيكي قدامي، ومكسورة من راجل مش مقدر قيمته، وفاكر الجواز لعبة.. تفتكري هسيبك تضيعي من إيدي تاني؟”
دموعي نزلت غصب عني، كلامه كان زي المرهم اللي بيداوي جروح سنة ونص من الذل والكسرة في بيت أهلي. بس فقت بسرعة على الواقع المرير، ومسحت دموعي وقلتله بصوت مرعوش: “بس يا ياسر.. أنت مش فاهم الموقف. عصام عاوز يرجعني عشان الولاد، والموضوع محتاج ‘محلل’.. يعني جوازة على الورق، يومين تلاتة والكل يروح لحاله. أنت مهندس كبير ومحترم، هتقبل على نفسك تلعب الدور ده؟”
ملامح ياسر اتقيدت غضب، وعروق إيده ظهرت وهو بيخبط على التربيزة براحة وقال بحسم: “جواز على الورق إيه ومحلل إيه يا رانيا! الكلام ده باطل وحرام شرعاً، وأنا لا يمكن أقبل بيه ولا أشارك في تمثيلية تهينك كست وتهينني كراجل. أنا بتكلم في جواز بجد.. جواز رسمي شرعي قدام ربنا والناس كلها. أنا هتعامل مع الموضوع إنه فرصة تانية من ربنا عشان نكون سوا. هنتجوز، وتيجي تعيشي معايا في بيتي، ونربي أولادك سوا. ولو بعد فترة، حسيتي إنك مش قادرة تنسي عصام وعاوزة ترجعيله، ساعتها هيكون طلاق حقيقي وبإرادتك، مش تمثيلية متفق عليها!”
روحت البيت وأنا مش شايلاني الأرض. الأفكار في دماغي كانت بتخبط في بعضها زي الأمواج. من ناحية، دا حلم عمري اللي كنت بتمناه زمان بيعرض عليا الجواز ويقولي إنه بيحبني، ومن ناحية تانية، خوف من المجتمع، وخوف من رد فعل عصام اللي لو عرف إن الجواز حقيقي مش صوري ممكن يقلب الدنيا ويحرمني من العيال.
دخلت لأمي الأوضة، ارتميت وبكيت بحرقة. حكتلها كل حاجة، من أول مكالمة الواتساب لحد قعدة الكافيه وكلام ياسر. أمي فضلت تطبطب عليا وتقولي: “يا بنتي، عصام ياما ذل فيكي، وكان بيرميكي رمية الكلاب لأتفه سبب. وياسر ده ابن حلال وطول عمرنا نسمع عنه وعن أهله كل خير. ربنا بعتلك مخرج وعوض عن كل القهر اللي شفتيه. وافقي يا بنتي، واشتري راجل يقدرك، والعيال كده كده معاكي بحكم القانون.”
كلام أمي شجعني، وصليت استخارة، وحسيت براحة مش طبيعية. كلمت ياسر وقولتله: “أنا موافقة يا ياسر.. بس لازم نعرف عصام إن فيه جواز، من غير ما يدخل في التفاصيل.”
عصام لما عرف إن خلاص لقيت حد يوافق يكون “المحلل”، جه طاير على بيت أهلي وهو فاكر إنها مسألة وقت ويرجعني لعصمته ويذلني تاني. قعد في الصالون وحاطط رجل على رجل وقال بنبرة فيها غرور: “ها يا رانيا.. اتفقتوا مع الراجل ده؟ هياخد كام عشان يخلص الليلة دي؟ ومكتوب الكتاب امتى عشان أحسب الأيام والعدة وأجهز الشقة؟”
بصيتله بنظرة قرف وعين قوية لأول مرة من سنين، وقلتله ببرود: “الراجل ده مش هياخد مليم يا عصام.. والراجل ده مش داخل تمثيلية. دا باشمهندس محترم، وكان زميلي في الجامعة، وهو طالبني للجواز رسمي وعلى سنة الله ورسوله، وأنا وافقت.”
عصام وشه جاب ألوان، ووقف ومسكني من دراعي وهو بيزعق: “جواز رسمي يعني إيه؟! أنتِ هتستعبطي؟ إحنا متفقين على محلل عشان ترجعيلي وتربي عيالك! أنتِ هتتجوزيه بجد وتقعدي في بيته؟”
في اللحظة دي، الباب خبط، ودخل أبويا ومعاه ياسر اللي كان جاي يتفق على المأذون. ياسر شاف عصام وهو ماسك دراعي وبيزعق، فدخل في النص بكل هيبة وقوة، وشال إيد عصام عني وقال بصوت جهوري يرعب: “اتكلم بأسلوب أحسن من كده يا أستاذ! الست دي خلاص مبقتش تخصك، وخلال أيام هتبقى مراتي. لو عاوز تشوف عيالك، البيت مفتوحلك في أي وقت كأب، لكن رانيا خط أحمر، والكلمة والنصيحة اللي كانت بتتقال زمان في الغضب، دلوقتي بقا ليها راجل يحاسب عليها.”
عصام بص لياسر بغل وحقد، وحس إنه اتهزم شر هزيمة. مشي وهو بيبرطم ويهدد: “ماشي يا رانيا.. بكره تندمي وتقولي عصام قال، وهنشوف المحترم ده هيستحملك كام شهر!”
اتكتب كتابنا في جو عائلي بسيط وهادي. مكنتش مصدقة نفسي وأنا بوقع على القسيمة وبقيت مراته فعلاً. نقلت معاه شقته الواسعة الشيك في التجمع، وأخدت ولادي معايا. من أول ليلة دخلت فيها بيته، شفت الوش التاني للحياة.. الوش اللي عمري ما عشته مع عصام. ياسر كان بيتعامل معايا كأني حتة زجاج خايف عليها تتجرح. كان يدخل المطبخ يساعدني، ويقعد مع ولادي يذاكرلهم ويلعب معاهم بلايستيشن كأنه أبوهم الحقيقي وأكتر.
مرت أول ست شهور، وأنا حاسة إني عايشة في حلم. ياسر مكنش بيخليني أطلب الحاجة، كان بيقراها في عيوني. وفي يوم، كنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة في الهدوء، لقيت ياسر بيمسك إيدي وبيقولي برقة: “رانيا.. الست شهور خلصوا، والعيال بقوا حبايب قلبي، وأنا خلاص مش قادر أتخيل حياتي من غيرك. بس أنا وفيت بوعدي، ودلوقتي بسألك بكل صراحة: لسه بتفكري في عصام؟ لسه عاوزة ترجعيله عشان العيال؟ لو قولت اه، أنا هطلقك حالا وأنا قلبي مكسور، بس مش هجبرك على عيشة مش عاوزاها.”
بصيت لياسر، وشفت في عيونه كل الحب والأمان اللي اتميتهم طول عمري. افتكرت أيام الجامعة، وافتكرت ذل عصام وشتيمته وطلاقه اللي زي المية. نزلت دمعة من عيني، بس المرة دي كانت دمعة فرحة، وقلتله وأنا بضغط على إيده: “ترجع لمين يا ياسر؟ أنا مكنتش عايشة قبل ما أدخل بيتك. عصام ده كان كابوس وصحيت منه. أنت مكنتش محلل ليا يا ياسر.. أنت كنت المحلل لحياتي كلها، أنت العوض الحقيقي اللي ربنا ادهولي بعد صبر وسنين من العذاب. أنا مش هسيبك لو الموت نفسه جه يفرقنا.”
بعد سنة كاملة من الجواز، عصام حاول يظهر في الصورة تاني. كلمني في التليفون وقال بصوت مكسور ومغلول في نفس الوقت: “رانيا.. خلاص بقا، سنة كاملة مع الراجل ده؟ مش كفاية كده؟ العيال وحشوني والشقة فاضية من غيرك. قوليلي اطلقتي امتى عشان نرجع لبعض ونقفل الصفحة دي؟”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة كلها ثقة وقوة، وقلتله: “تصدق يا عصام.. أنا لازم أشكرك! أشكرك على كل مرة قلتلي فيها ‘أنتِ طالق’، لأنك بغبائك وطيشك ده فتحتلي الباب عشان أخرج من المستنقع اللي كنت عايشة فيه معاك، وأروح للراجل اللي بجد، الراجل اللي بيعرف يعني إيه صون عرض ويصون بيته. أنا مش راجعالك يا عصام، لا دلوقتي ولا بعد مية سنة. أنا بقيت حرم الباشمهندس ياسر، وبموت فيه، وعيالي عايشين معاه ملوك. انسى إن كان ليك زوجة اسمها رانيا، وخليك في حياتك اللي ضيعتها بإيديك.”
قفلت السكة في وشه، ولفيت لقيت ياسر واقف ورا الباب وسامع كل كلمة. ابتسم ابتسامته الساحرة اللي بتدوب قلبي، وقرب مني وقالي: “يا نهار أبيض على كلامك اللي يرد الروح.. أنا كده ملكت الدنيا والل فيها.”
وعرفنا وقتها إن تدابير ربنا دايماً أحسن من تدابيرنا، وإن الحلم القديم مكنش مجرد صدقة، دا كان النصيب الحلو اللي مستنيني بعد طول عذاب.

