اهلي اماني سيد

قفلت السكة في وشها ورميت التليفون على الكنبة. قعدت على الأرض بين الكراكيب والهدوم، حاطط راسي بين إيديا. البيت كان هادي بسكوت يخنق، مفيش ريحة أكل طازة كانت بتملا الشقة كل يوم أول ما أرجع من الشغل، مفيش قميص مغسول ومكوي متعلق في الدولاب، ومفيش حد يستقبلني بكلمة حلوة.

اللي كنت بقابلها بنفخ وزعيق. تاني يوم، ركبت عربيتي ورحت على بيت حمايا من ورا أهلي. كبريائي اللي كان ناطح السحاب اتقصقص منه كتير، بس كنت بحاول أبان متماسك. خبطت، وفتحلي حمايا… الراجل اللي كنت دايماً بقول عليه “على قده ومفيش من وراه غير وجع الدماغ”. بصلي بجمود ومقاليش حتى اتفضل، وقف على الباب وقال: “خير يا ماجد؟ جاي ليه؟”. بلعت ريقي وقولت: “أنا جاي أرجع مراتي لبيتها يا عمي، الخلافات دي بتحصل في كل البيوت، وميصحش نكبر المواضيع وندخل الجهات القانونية، نهى ملهاش غير بيتي”.

قبل ما حمايا يرد، سمعت صوت كعب جزمة جاي من جوه، وظهرت نهى. وقفت ورا أبوها… بس ما كانتش نهى بتاعة الترينج الباهت والشعر الملموم والوش المجهد من وقفة المطبخ وخدمة العزومات. كانت لابسة طقم شيك جداً، رافعة راسها، وشها منور، وعينيها فيها ثقة خوفتني. بصتلي وقالت بابتسامة هادية تقطع القلب: “بيتك اللي كان مقيدني بلقمة عيش وخير بتمن بيه عليا يا ماجد؟ أنا زمان مكنتش أعرف قيمتي، كنت فاكرة إني ماليش ضهر، بس لما نزلت واشتغلت وشوفت الدنيا، عرفت إني كنت دافنة نفسي مع واحد مش شايفني بني آدمة أصلاً”.

قربت خطوة وقولت بترجي حاولت أداريه: “نهى… أنا طردت طارق من الشقة، ومحدش هييجي عندنا تاني، تعالي نتفاهم ونبدأ صفحة جديدة”.

ضحكت باستهزاء وقالت: “طردته بعد إيه؟ بعد ما البيت خرب؟ أنت معملتش كده عشان بتحبني أو عشان حسيت بغلطك، أنت عملت كده عشان مبقتش لاقي حد يخدمك وينضف وراك ببلاش، ولا لاقي فلوس تصرف عليه. أنا طلبي واحد يا ماجد… ورقتي توصلي بالمعروف، أو القضاء تاخد مجراه، وحقي وحق كرامتي اللي اتهانت كل يوم في بيتك هاخدهم بالقانون مليم مليم”.

قفلت الباب في وشي… خبطة الباب دي حسيت كأنها ضربة قلم فوقني على حقيقتي المرة: أنا مكنتش الراجل السند، أنا كنت مجرد ديكتاتور في شقة فاضية، ضحيت بالإنسانة الوحيدة اللي كانت شيلاني بجد، عشان أرضي ناس أول ما المصلحة خلصت، باعوني. نازلت السلالم وأنا مش حاسس برجليا، السلالم اللي كنت بطلعها زمان وأنا نافخ ريشي وببص للناس من فوق، نازلها دلوقتي مكسور ومطاطي الراس. ركبت عربيتي وسندت جبيني على الدريكسيون، حاولت أتنفس، بس الهوا كان داخل صدري زي النار. روحت على المحامي بتاعي، رميت قدامه أوراق الدعاوى والإنذار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *