رجعت من سفر شغل يوم الخميس بالليل، ولقيت حماتي قاعدة في الصالة بتشرب قهوة

التلاتة سكتوا فجأة وبصولي. — نادين.. تاخدي شنطتك وتطلعي برة فوراً.. والحلق يفضل مكانه. طنط عفاف.. اتفضلي أنتِ كمان برة. شريف.. أنا وأنت هنتكلم أول ما هما يمشوا. نادين خرجت ورزعت الباب وراها من غير ما تنطق حرف. أما عفاف ففضلت واقفة مكانها مش قادرة تتحرك، وقالت بنبرة انكسار: — أنا.. أنا كان كل قصدي أشوف ابني مع واحدة تساعده ويعلو مع بعض.. — ابنك كان معاه زوجة شايلاني وشايلاه، بس أنتِ كان نفسك في كنة تتفشخري بيها قدام صاحباتك وتعملي بيها نمرة. — مريم! اتكلمي معايا بأدب، أنا حماتك! — أنتِ دخلتي أوضة نومي، أخدتي حاجة مش بتاعتك، أديتيها للي ماشية مع ابنك، وجبتيها لحد بيتي عشان تطلعوني برة بالسيف.. عايزاني أكلمك إزاي يعني؟ مالقتش رد. وأول ما الباب اتقفل وراها، شريف قعد على الكنبة وبدأ يعيط بالدموع.. بس مشاعري كانت جمدت خلاص. — مريم.. والله أمي هي اللي كانت ضاغطة عليا في موضوع نادين ده.. — أمك ما راحتش نامت معاها يا شريف. — الموضوع ما بدأش كده والله.. — أنا مش محتاجة اسمع تفاصيل الخيانة.. المهم إنك خنتني. — طب ندي لنفسنا فرصة نصلح اللي اتكسر.. — لأ. — بس أنتِ بنفسك قلتِ قبل كده إنك مستحيل تطلقي! كان كلامه صح.. أنا بقالي أسبوعين بردد إني مش هديه الطلاق، مش عشان باقية عليه، بس عشان كنت مرعوبة من فكرة إن واحدة زي نادين تدخل بيتي، تستعمل حاجتي، وتاخد التعب والشقاء اللي أنا بنيته.. كنت ماسكة في الجوازة بفرس وغل. بس الليلة دي فهمت حاجة مهمة أوي.. أنا كنت قافلة الباب بالمفتاح عشان أمنع واحدة تانية تدخل، في حين إن شريف أصلاً عايش برة البيت ده من زمان. — أنا غيرت رأيي. وشه اتخطف: — مريم… — بكرة الصبح هكلم المحامية تفعل إجراءات الطلاق.. وأنت هتلم هدومك وتروح تقعد عند أمك لحد ما نخلص كل حاجة بالقانون. — بس البيت ده بيتي أنا كمان! — لأ.. البيت ده كان بيتك طول ما كنا أزواج، مش عقار توعد بيه كل واحدة تحب تضحك عليها! بصلي بقلة حيلة وقال: — وكل اللي عملته وتعبته هنا؟ — المحامين هما اللي هيتكلموا في القصة دي، مش وقتها خالص بالليل كده. قام لم شوية هدوم في شنطة ظهر، وقبل ما يفتح الباب يخرج، لفلي وقال: — نادين هي اللي عملت كل ده.. لو مكنتش ظهرت في حياتنا، كنا زماننا عايشين عادي ومبسوطين. — لأ يا شريف.. نادين ما عملتش حاجة، هي بس نورت النور في الأوضة الضلمة. أول ما قفلت الباب وراه، افتكرت إن الكابوس خلص خلاص.. بس تاني يوم الصبح، أختي ندى جتلي ومعاها كشف حساب لفيزا إضافية باسمي أنا اصلاً نسيت إنها مفتوحة.. اكتشفنا إن كل الخروجات والأكل والهدايا اللي شريف كان بيديها لنادين كانت بتتدفع من الفيزا دي أو من كروت عفاف حماتي.. بس وسط السحوبات كان في سحبة واحدة وقفت الدم في عروقنا جميعاً: دفع عربون 50 ألف جنيه لشركة تسويق عقاري! المبلغ ده ما كانش عشان عشوة ولا هدية.. ده كان عربون شقة جديدة. تفتكروا الشقة دي كانت مدفوعة لمين؟ وهل شريف وعفاف كانوا بيلعبوا لعبة أكبر من كده بكثير؟الحجز كان باسم شريف، بس إيميل التأكيد كان متسجل فيه اسم “نادين” كـ “ساكنة مستقبلية”. الشقة كانت في كومباوند جديد في التجمع، والشركة كانت باعتة نظام السداد.. وكان مطلوب من شريف يجمع باقي المقدم في خلال 30 يوم! ندى أختي لقت كمان مسج كانت عفاف حماتي بعتاها بالخطأ لشريف من فترة: “أول ما مريم توقع على الطلاق، نبيع الشقة أو نتصرف في فلوسها ومنها نجيب مقدم الشقة الجديدة”. أنا عمري ما وعدت إني هبيع حاجة! شريف كان بقاله شهور بيخطط بفلوس ملكية مش بتاعته أصلاً. المحامية بتاعتي، الأستاذة أمل، كانت واضحة وصريحة معايا: — الخيانة حاجة، واللعب في الممتلكات حاجة تانية. المهم دلوقتي نثبت أي محاولة للتصرف في ملكيتك، والمصاريف اللي اتصرفت من الحسابات المشتركة طول فترة الجواز. ما حولناش الطلاق لخناقة ومردمة في الشارع، حولنا كل حاجه لأوراق ومستندات رسمية. شريف كان ساحب جزء كبير من تحويشتنا المشتركة على الفنادق والمطاعم والهدايا لنادين، وده كله أدرجناه في المحاضر والمفاوضات.. وفي نفس الوقت، كان في مصاريف مشتركة قانونية للبيت اعترفت بيها، أنا ما كانش غرضي الانتقام، أنا كان كل اللي يهمني أخرج من الجوازة دي من غير ما أسيب قرش واحد من تعبي وشقايا. بعد تلات أيام، عفاف حماتي كلمتني في التليفون وصوتها مكسور: — نادين اختفت يا مريم.. — وده شيء ما يخصنيش في حاجة يا طنط. — عملتلنا بلوك كلنا، وما بقتش بترد على شريف خالص! — يمكن اكتشفت إن الشقة الجديدة هي كمان مش مدفوع تمنها! سكتت وما عرفتش ترد، بعدين قالت بصوت واطي: — مريم.. أنا والله ما كنت أعرف.. — بس كنتِ تعرفي إن ابنك متجوز! — أنا فكرتك بتقللي منه وتكسري نفسه عشان أنتِ بتكسبي أكتر منه.. — وعشان كده قررتِ إن من حقه يشوف واحدة تانية؟ — أنا أخطأت.. — أنتِ أخطأتِ من قبل ما تعرفي إن نادين نصابة ومرفوع عليها قضايا.. لما كنتِ فاكراها غنية ومريشة، كان هان عليكِ إهانتي وكسرة نفسي! الكلام ده نزل عليها زي الصاعقة لأنه كان الحقيقة المجردة. أما شريف، فتحول من الرجاء والاعتذار للغضب والغل لما استوعب إن فلوس المقدم راحت عليه وإن الشقة وضاعت، وإني مستحيل أدفعله جنيه. — بسببك أنتِ ضاع مني 50 ألف جنيه عربون! — ضاعوا منك عشان كنت بتبني على طلاق لسه ما حصلش، وعلى شقة عمرها ما كانت ملكك! — إحنا كنا بنبني حياة جديدة! — أنت كان عندك حياة بالفعل ودمرتها بيدك. في جلسات التسوية والتسديد، حاول يطالب بمبلغ خرافي بحجة إنه “شارك في تشطيب البيت”.. الأستاذة أمل طلعت كشوفات الحسابات، وفواتير الأقساط، والتحويلات.. واتحسبله بس المبالغ اللي مثبت إن شارك بيها فعلياً في التشطيبات طول الجواز. أنا وافقت أدفعله حقه القانوني بالمليم.. ما كنتش عايزة عدالتي تقوم على إني أجرده من كل حاجة، أنا كنت عايزة كل حاجة تمشي بالحق والعدل. شريف وافق على التسوية أول ما فهم إن لو الموضوع كبر ووصل للمحاكم، كل الفضايح والسحوبات ورسايله مع البنات هتتكشف. الليلة اللي قبل كتب كتاب الطلاق، بعتلي مسدج: “هو بجد ما بقاش فاضل أي حاجة من اللي كانت بيننا؟” فضلت باصة للمسدج كتير.. افتكرت لما كان بيقف معايا في المطبخ عند أمي ويدوق الأكل من إيدي، افتكرت أيام الجمعة لما كنا بننزل نشتري زرع للجاردن.. وافتكرت برضه إن في الوقت اللي كنت فاكرة إني ببني فيه بيت معاه، كان هو بياخد صور البيت ده يفرجيها للبنات عشان يبهرهم! رديت عليه بكلمتين: “كان في بيننا أيام حقيقية.. بس ما تشفعلكش بعد كل الكدب اللي عملته.” طلقت. عفاف ما حضرتش، ولا نادين طبعاً. بعدها بأسابيع، عرفت من معارف إن نادين سابت القاهرة كلها ونقلت بعد ما ناس تانية رفعت عليها ق\ضية نصب جديدة.. ما فرحتش، ما بقاش يهمني أشوفها بتقع عشان أحس إن حقي جه. شريف رجع يعيش مع أمه في شقتها القديمة.. وفي المفارقة دي مرارة مضحكة؛ بعد ما فضلت أمه تتفشخر سنين إن ابنها هو اللي معيشني في عز، رجع قعد في أوضته الصغيرة اللي كبر فيها. أمي كانت أكتر واحدة حاسة بالذنب وتأنب نفسها. في يوم وأنا معاها بنعمل محشي، قالتلي والدموع في عينها: — ساعات بؤل لو مكنتش قلتلك على اللي شفته في الشيخ زايد، كان زمان بيتك مقفول عليكِ.. حطيت الس\كينة من إيدي وبصيتلها: — يا أمي.. أنتِ ما خربتيش بيتي، أنتِ بس نبهتيني إن البيت كان مخروب ومكسور من بدري. حضنتني بحرارة، وندى أختي صرخت من الصالة: “بلاش دراما فوق الأكل عشان أنا جائعة ومش هستنى!”.. ضحكنا من قلبنا، وكانت دي أول مرة من شهور أحس إن حياتي رجعت لطبيعتها وصوتها الطبيعي. فضلت في شقتي.. غيرت بعض الديكورات، مش عشان أتمحي أثر شريف، بس عشان أحس إن المكان بقا يعبر عن قراراتي أنا بس. الأوضة اللي كان عاملها مكتب حولتها لمكتبة صغيرة، وزرعت ورد ياسمين في البلكونة. الحلق الإمرالد رجع لعلبته.. قعدت فترة مش قادرة ألبسه، لحد ما جه اليوم اللي اترقيت فيه وبقيت مديرة القطاع.. أمي جتلي الصبح بدري عشان تجهزني، فتحت العلبة وبصتلي: — ده؟ ابتسمت وقلت: — هو ده. وإحنا بنلبسه، افتكرت الليلة اللي كانت نادين قاعدة فيها في صالوني لابسة الحلق وكأنها ورثت حياتي بدم بارد.. ما حسيتش بغضب، حسيت بوضوح شديد. ما حدش يقدر ياخد مكانك إلا لو أنتِ سمحتِ له أو قررتِ تتنازلي عنه.. أنا كنت فاكرة إني بدافع عن جوازي لما بمتنع عن الطلاق، بس في الحقيقة أنا كنت بدخل مسابقة أنا مش طرف فيها. انتصاري الحقيقي ما كانش إني أحتفظ بـ شريف.. انتصاري كان إني أخرج من سباق هو حطني فيه من غير إذني. بعد كام شهر، عفاف بعتتلي مسدج صغيرة في عيد ميلادي: “عارفة إني ماليش حق أطلب منك حاجة، بس كنت عايزة أقولك إني آسفة إني قست البني آدمين بالفلوس والمظاهر وزهدت في القيمة الحقيقية.” ما رديتش في نفس اليوم.. وبعد أسبوع بعتلها: “أتمنى ما تكرريش الغلطة دي مع حد تاني.”.. وكانت دي نقطة النهاية. عن شريف، ما عرفتش عنه كتير.. أجر شقة صغيرة على قده، وبدأ يعتمد على نفسه ويصرف على حياته من غير كروت أمه ولا بيت غيره يتفشخر بيه. مرة اتطرقنا بالصدفة في مول: — شكلك كويس —قالها بصوت واطي. — أنا كويسة جداً. — أنا بحاول أتعلم من أخطائي.. — ياريت تتعلم بجد. ما كانش في أحضان، ولا أمل في رجوع، ولا حتى كره.. مشيت وأنا بفكر إن القصص دي مش بتنتهي لما الخائن ينكشف أو الملعوبة تتفضح.. بتنتهي لما الشخص المخدوع يبطل يسأل نفسه “هو أنا ما كنتش كفاية ليه؟” ويسأل نفسه “أنا إزاي سمحت لنفسي الفترة دي كلها إن كرامتي تتهان بالشكل ده؟”.
