جوزي مسافر رومانى مكرم

وقفت على السلم، الرعب ماسك في حلقي، وجسمي كله بيترعش. الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي المية المغلية، مش قادرة أستوعب إن خلاف تافه على التليفون ممكن يتحول لمؤامرة بالحجم ده! حماتي وشيماء أخته مش بس بيستغلوا البعد والمسافة، دول بيخططوا وبيقسموا حياتي على مزاجهم، ومرات خال سامح بتشترط وتتشرط وكأني لعبة في إيديهم.

مسحت دموعي بسرعة، وبأقصى سرعة طلعت على شقتي فوق. قفلت الباب بالمفتاح وقعدت وراه، قلبي بيتكتك وصوت ونين الشيشة وصوت ضحكاتهم لسه بيرن في ودني. كان قدامي خيارين: يا إما أدخل في مواجهة وأصرخ وألم عليهم البيت، وساعتها سامح بعيد وهينقلوا له الصورة بالطريقة اللي تعجبهم، أو أتقل وأمسك أعصابي لحد ما أفهم سامح بيتعامل مع الوضع إزاي.

مسكت التليفون، كانت إيدي بتترعش. بعت لسامح رسالة واحدة: “سامح، أنا آسفة لو كنت انفعلت عليك امبارح، أنت عارف الغربة وصعوبتها عليا وعليك، بس أنا بحبك ومستنية اليوم اللي نتجمع فيه.” عدت ساعات والرسالة واصلة، بس ما فيش رد. الزرار الأزرق اتعلم، وهو قراها وما ردش. وقتها فهمت إنهم ماليين دماغه وشاحنينه للآخِر، وبيستغلوا كل كلمة أقولها عشان يزودوا الفجوة بيننا. مرت أيام وأنا عايشة في البيت ده زي الج/ثة. أطلع وأنزل، حماتي تبص لي بنظرة تشفي، وشيماء تبتسم ابتسامة مكر وكأنها بتقول لي: “أيامك معدودة”. وأنا ساكتة، صابرة، وبدعي ربنا ينور بصيرة سامح.

بعد أسبوعين، وفجأة من غير أي مقدمات ولا تدبير، سمعت صوت حركة وشيل شنط تحت في المدخل. نزلت عيني من الشباك.. لقيت سامح نزل! نزل إجازة مفاجئة من غير ما يبلغني، وكان واضح إنهم هما اللي ترتيبهم معاه على النزول ده عشان يخلصوا موضوع الطلاق والكتب على “عبير”. قلبي دق بسرعة، بس المرة دي ما كانش خوف.. كان ثبات. سامح طلع شقة أمه الأول، وأنا نزلت على أطراف صوابعي ووقفت عند نفس الباب الموارب.

أول ما دخل، حماتي حضنته وظاطت: “يا حبيبي يا سامح! يا نور عيني، حمداً لله على السلامة.. البيت أنور والله لما رجعت من السفرية دي، كفاية بقى حرقة دم ومرارة من اللي فوق!” وشيماء دخلت في الكلام بسرعة: “أيوة يا سامح، أنت صح.. دي ما تستاهلكش، دي من ساعة ما أنت سافرت وهي لسانه طوله مترين وما بتعملش حساب لأمك، وأنت شفت بنفسك امبارح قفلت في وشك إزاي!” سامح كان ساكت، باين عليه التعب والإرهاق من السفر والضغط، وقال بصوت هادي ومجهد:

  • “يا جماعة أنا تعبان من السفر، أنا نازل عشان أحسم الموضوع ده وطيارتي وإجازتي محددين، بس أنا عاوز أفهم الأول إيه اللي وصل الأمور لكده؟ سمر طول عمرها كويسة معايا.”

هنا حماتي اتدخلت بصوت كله تمثيل ودموع:

  • “كويسة إيه يا بني! دي بتتمنى اليوم اللي تخلص منا فيها، دي بتقول للناس إننا أكلنا حقك، وبعدين ربنا يعوض عليك بغيرها.. بنت خالك عبير شارياك وبتحبك ومستنياك، وأمها كلمتني وقالت لي البنت مش هتعترض على أي حاجه المهم تكون معاك!”

في اللحظة دي، سامح طلع تليفونه من جيبه، وقال بنبرة غريبة:

  • “أم عبير؟ ومستنياني؟ غريبة.. هو أنا مش لما كلمتك من فرنسا وقلت لك إني زعلان من سمر شوية، قلتِ لي اصبر وما تتسرعش؟ إزاي بقى شحنتوا الموضوع وكبرتوه كده؟” فجأة، سامح شغل تسجيل صوتي على تليفونه.. كان تسجيل لمكالمة بينه وبين شيماء أخته من يومين! في التسجيل، صوت شيماء كان واضح وهي بتقول له: “يا سامح، سمر نزلت الشارع وقالت للجيران إنها مش طايقاك وإنها مستنية ترجع عشان تطلب الطلاق وتفضحك!”

سامح بص لأخته وشيماء وشها جاب ألوان، وقال لها بحسم:

  • “أنا لما سمعتك بتقولي كده، شكيت.. لأن سمر عمرها ما تطلع سر بيتنا برة. وعشان أتأكد، اتصلت بالبواب والجيران وسألتهم، وكلهم أجمعوا إن سمر ما بتخرجش من الشقة إلا للضرورة وما بتكلمش حد! أنتوا ليه بتعملوا كده؟ ليه عاوزين تخربوا بيتي؟!” حماتي اتلجلجت وقالت: “يا بني إحنا بنصلحتك! الغريبة دي…” سامح قطع كلامها بصوت زلزل الشقة:
  • “الغريبة دي مراتي! وصايناني في غيابي! وأنا نازل الإجازة دي مش عشان أطلقها زي ما أنتوا متفقين ومخططين مع أم عبير.. أنا نازل آخدها معايا فرنسا وأبعدها عن الغل والمؤامرات دي كلها!”

الجزء الثالث

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *