قدام باب القاعة لقيته وقف قدامي فجأة وكأنه بيعدل بادلته

- قال إيه بالظبط؟
يحيى أخد نفس طويل:
- قال إن الليلة دي بداية شراكة جديدة شخصية وعملية.
غمضت عيني. طبعاً. حتى خيانته.. قدمها كصفقة.
وفجأة سمعته بيهمس:
- استني عمر باين عليه بيدور عليكي.
ابتسمت ببرود:
- ما تقلقش مش هيلاقيني.
وقفلت الخط.
بصيت للشقة للمرة الأخيرة. 3 سنين من عمري متعلقة في الحيطان دي. ليالي كنت بستناه فيها للصبح، مكالمات شغل كنت برد عليها مكانه، حفلات كنت ببتسم فيها وأنا شايفة تجاهله.
وفجأة.. كل حاجة بقت خفيفة. خدت الشنطة الأخيرة، وقفلت الباب ورايا.. من غير ما أبص ورا.
في نفس الوقت، في الحفلة، عمر كان مبتسم وهو بيصافح الناس. لينا ماسكة دراعه بفخر. المستثمرين حواليه، والتصوير شغال. بس كل شوية، عينه تروح ناحية الباب. مستني نور تدخل.. بالفستان الأحمر.. زي كل مرة.
بعد نص ساعة، موبايله رن. ابتسم أول ما شاف اسمها. افتكر إنها زعلت شوية وخلاص. رد وهو بيبعد عن الناس:
- خير يا نور؟ أخيراً قررتي تعقلي؟
لكن اللي سمعه، كان صوته هو بس. لأن المكالمة كانت رسالة صوتية. وصوت نور طلع هادي بشكل خوفه أكتر من أي صړيخ:
- اطمن نفذت طلبك. سكتت لحظة، وبعدين كملت:
- من اللحظة دي اعتبرني فعلاً معرفكش.
الخط اتقفل. عمر اتجمد. رجع يتصل.. مغلق. مرة واتنين وعشرة.. مغلق.
طلع يجري برا القاعة. راح البيت. فتح الباب بسرعة، وساعتها حس بأول ضړبة حقيقية.
الشقة.. فاضية. مش فاضية من العفش، فاضية منها. ريحة البرفان اللي كانت مالية المكان اختفت. ركنها الصغير على الكنبة فاضي. حتى الكوباية اللي كانت بتشرب فيها قهوتها الصبح مش موجودة.
دخل أوضة النوم.. فتح الدولاب.. نصه فاضي. الأدراج فاضية. الصورة اللي ليهم مقلوبة.
هنا بس.. بدأ يفهم. نور ما زعلتش. نور مشيت.
موبايله رن. كان يحيى. رد بعصبية:
- إنت قولتلها إيه؟!
يحيى رد ببرود لأول مرة:
- الحقيقة.
عمر قعد على السرير، حاسس إن الدنيا بتسحب من تحته. لأول مرة، النجاح، البدلة، الحفلة، الناس.. كلهم ملهمش معنى.
فتح اللابتوب بسرعة. دخل على إيميله. لقى رسالة منها. العنوان كان: بخصوص الاختفاء.
فتحها بإيد بتترعش:
“عمر، أنت طلبت مني أختفي عشان صورتك تبقى أنضف قدام الناس. بس الحقيقة إن الشخص اللي كان محتاج يستخبى طول الوقت هو أنت. أنا كنت بحبك بطريقة خلتني أصغر نفسي كل يوم عشان أوسع لك مكان. وفي كل مرة كنت بقول لنفسي إنك متوتر، مضغوط، تعبان. بس اللي اكتشفته النهاردة إنك ببساطة كنت شايفني مؤقتة. وده كفاية يخليني أمشي من غير رجوع. متدورش عليا. لأن البنت اللي كانت مستعدة تستحمل عشانك ماټت النهاردة.”
عمر فضل باصص للإيميل، والحفلة شغالة بعيد، بس حياته الحقيقية.. كانت بتقفل بابها الأخير.
وفي مكان تاني، نور كانت سايقة على طريق السفر. الشباك مفتوح، والهوا داخل بقوة. أول مرة من سنين.. حاسّة إنها بتتنفس.
لكن اللي عمر لسه ميعرفوش، إن اختفاء نور من حياته، هيكون أول خسارة حقيقية عمره ما هيعرف يعوضها.
بعد 6 شهور، اسم نور بقى بيظهر في أماكن عمر عمره ما تخيلها. مش كـ صاحبة المدير التنفيذي، ولا الست اللي كانت واقفة وراه. لأ، باسمها هي.
نور اشتغلت مع شركة دعاية كبيرة في إسكندرية، وبعدها بدأت مشروعها الخاص الصغير في تنظيم الفعاليات. والغريب إن الناس حبت شغلها بسرعة لأنها كانت بتحط قلبها في كل تفصيلة. أول مرة في حياتها.. كانت بتبني حاجة تخصها هي.
أما عمر.. فكان بيخسر ببطء. مش فلوس، ولا شغل. كان بيخسر نفسه. لينا سابته بعد شهرين لما صفقة أبوها خلصت. المستثمرين اللي كان بيجري ورا رضاهم نسوا اسمه أول ما شركة أكبر دخلت السوق.
والبيت؟ البيت كان ساكت بطريقة مرعبة. لا صوت نور وهي بتغني في المطبخ، لا ريحة قهوتها الصبح، لا حتى خناقهم الصغير على تفاصيل سخيفة. كل حاجة بقت جامدة زيه بالظبط.
وفي ليلة متأخرة، عمر كان قاعد لوحده يشرب قهوة باردة، لما لقى إشعار على لينكدإن: “نور سالم أطلقت مشروعها الجديد لتنظيم المؤتمرات الدولية.”
فتح الصورة.. واتسمر. نور كانت واقفة وسط فريقها، لابسة بدلة أوف وايت بسيطة، وضحكتها واثقة بشكل عمره ما شافه فيها قبل كدة. مش الضحكة اللي كانت بتطلب رضا حد. دي ضحكة واحدة عرفت قيمتها أخيراً.
فضل يبص للصورة وقت طويل. وبعدين لأول مرة.. بكى. مش على إنه خسر حبيبته بس. بكى لأنه فهم إنه كسر إنسانة كانت بتحبه بصدق نادر.
بعدها بأسبوع، عمر أخد قرار. راح لإسكندرية. من غير ما يبلغها. من غير خطط. كان بس محتاج يشوفها مرة.
وصل المكان اللي فيه المؤتمر بتاعها. القاعة كانت كبيرة ومليانة ناس مهمة. وقف بعيد يراقبها. نور كانت ماشية بثقة وسط الموظفين، بتنظم، تضحك، تحل مشاكل، وتدي تعليمات بسرعة وهدوء. كبرت.. بشگل وجعه.
وفجأة عينيها جت في عينه. الوقت وقف ثانية. نور اتسمرت مكانها. وعمر حس إن قلبه بيرجع يدق لأول مرة من شهور. هي كانت تقدر تلف وشها وتمشي. بس معملتش كدة. قربت بخطوات هادية. وقفت قدامه. وقالت بهدوء: