فضلت مخطوبة 5 سنين بقلم اماني سيد
فضلت مخطوبه ٥ سنين استنيته على مخلص جيش وأشتغل وكون نفسه كنت بعمله جمعيات وأكمل من معايا عشان أراعى ظروفه لحد ما جهز الشقه وفرشها وكل حاجه بقت تمام …
لقيت امه بتكلم أبويا وتقوله بصراحه يا حاج كده انا مش موافقه على الجوازه دى لا أنا ولا ابوه ومش هنحضر وابنى كمان مش عايز يكمل بنت دلوقتى عندها ٢٩ سنه على ما تتجوز هتحلق تخلف عيل واتنين امته
بص يا حاج كل شئ قسمه ونصيب ودهب ابنى هنبعت ناخده
كنت سامعه المكالمه وانا حاسه بسكاكين بتغرز فى قلبى من الوجع بصيت لايدى على الشبكه اللى كانت عباره عن دبله ومحبس لما كان فى الحيش عملت جمعيه أنا وهو وجبناهم دلوقتي نسى نسى إن الشبكه دى انا مسعداه فيه
نزلت الكلمات عليا زي الصاعقة، الدم هرب من عروقي، وبقيت حاسة إن النفس بيطلع من صدري بالعافية. بصيت لبابا اللي كان ماسك التليفون وإيده بتترعش، وعينيه كلها ذهول وقهرة وهو بيبص لي.. مش مصدق إن دي الست اللي كانت من كام يوم بتقولنا دي بنتنا، وإحنا ملناش غيرها.
أبويا، الراجل الطيب اللي صان سرهم واستحمل معاهم، رد بصوت مخنوق وناشف:
ـ “بقى بعد 5 سنين يا أم أحمد؟ بعد ما بنتي صانت ابنك وشالت معاه الطوبة فوق الطوبة؟ السن ده مكنتوش شايفينه وهي بتعمله الجمعيات وبتكمل من مصروفها وشغلها عشان يجهز الشقة اللي هيفرح فيها مع غيرها؟”
قاطعت كلامه بمنتهى الجبروت وقالت له:
ـ “جرى إيه يا حاج؟ ده جواز مش بيع وشراء، وابني مهندس ومستقبله قدامه ومن حقه يشوف واحدة صغيرة تملى عليه البيت عيال، مش واحدة يدوب تخلف عيل وتقعد! دهب ابننا هانبعت ناخده، والحمد لله إننا على البر”. وقفت السكة في وشه!
السماعة اتقفلت من هنا، وأنا الدنيا لفت بيا.. وقعت على الركبي في وسط الصالة، وبقيت أصرخ من غير صوت، دموعي نازلة تحرق في وشي. 5 سنين من عمري! 5 سنين وأنا برفض عشان خاطره عرسان جاهزين، وبقول لأ.. أنا هقف جمب اللي حبني واختارني. كنت بشتري لبس الشقة وأنا بحرم نفسي من اللقمة عشان أكمل تمن السجاد والأجهزة، وفلوس الجمعيات اللي كنت بقبضها وأروح أحطها في إيده وأقوله خد يا أحمد كمل تمن المطبخ.. إحنا واحد.
بصيت للدبلة والمحبس اللي في إيدي.. افتكرت يوم ما نزل إجازة من الجيش وبكينا من الفرحة وإحنا بنشتريهم من فلوس جمعية قبضتها أنا الأولى عشان نفرح. نسى! نسى كل ده في لحظة، وباعني عشان حسبة سنين كأني بضاعة انتهت صلاحيتها!
دخلت أوضتي ورزعت الباب، وبقيت ألطم على وشي من القهرة.. رسايله على الواتساب لسه موجودة، وعوده ليا، كلامه عن بيتنا وعيالنا.. كله اتبخر! مسكت التليفون وطلبت رقمه وأنا برتعش، كنت عايزة أسمع منه هو، كنت عايزة أقوله هانت عليك ميادة؟، رن مرة والتانية.. وفجأة رد، بس صوته كان غريب، بارد، كأنه واحد تاني معرفوش!
قال لي بمنتهى النذالة:
ـ “ميادة.. معلش، أمي عندها حق، أنا عايز ألحق أعمل عزوة وأخلف بدري، وإنتِ السنين جريت بينا.. ربنا يعوضك باللي أحسن مني، اقلعي الدهب وسيبيه لوالدك عشان هبعت أحمد أخويا ياخده بكرة”.
أخدت التليفون من على ودني وأنا حاسة إن آخر خيط كان رابطني بأحمد واتقطع.
ماعيطتش.
الغريب إني فجأة بطلت عياط.
بقيت هادية بشكل خوّف أمي نفسها.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت أبص للحيطة قدامي.
خمس سنين.
خمس سنين من عمري ضاعوا.
بس فجأة سؤال واحد فضل يلف في دماغي: هو فعلاً كل اللي عملته راح؟
فتحت درج مكتبي وطلعت دفتر صغير كنت بكتب فيه كل جمعية دخلتها مع أحمد. كل مبلغ دفعته. كل قسط ساعدته فيه. كل جهاز اشتريته للشقة من مرتبي. أنا أصلاً كنت بكتب كل حاجة عشان نبقى فاكرين تعبنا بعد الجواز ونضحك عليه.
قعدت أقلب الصفحات.
مرة خمسة آلاف.
مرة سبعة.
مرة جمعية كاملة قبضتها واديتهاله.
مرة تلاجة دفعت نص تمنها.
مرة مطبخ.
مرة أوضة نوم.
ولأول مرة اكتشفت إن المبلغ اللي ساعدته بيه خلال خمس سنين كان رقم كبير جدًا. أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
رفعت عيني لأبويا وقلت بهدوء:
ـ “بابا… الشقة دي أنا دافعة فيها أكتر من نص اللي فيها”.
بصلي باستغراب.
قلت:
ـ “ومعايا كل الإثباتات”.
سكت شوية وقال:
ـ “وإنتِ ناوية تعملي إيه؟”
ابتسمت لأول مرة من ساعة المكالمة. ابتسامة غريبة، وقلت:
ـ “ولا حاجة. خليهم يبعتوا ياخدوا الدهب الأول”.
تاني يوم الصبح…
جه أخو أحمد فعلاً. دخل البيت وهو متوتر ومكسوف. حطيت الشبكة في علبة صغيرة وسلمتها له. لكن قبل ما يمشي قلتله:
ـ “استنى”.
وديته ظرف أبيض.
قال باستغراب:
ـ “إيه ده؟”
قلت:
ـ “سلّمه لأخوك”.
أخد الظرف ومشي.
وفي نفس الليلة…
أحمد فتح الظرف. لقى جواه صور إيصالات الجمعيات، وصور تحويلات الفلوس، وصور فواتير الأجهزة، وورقة صغيرة مكتوب فيها: “دي نسخة من حقك عندي… أما نسختي أنا، فمع المحامي”.
وقتها لأول مرة أحمد اتوتر، واتصل عشر مرات، وأنا ما رديتش.
بعدين بعت رسالة: “إيه الكلام ده يا ميادة؟”
لكن الرسالة اللي بعدها بدقائق كانت أغرب. لأنها ما كانتش منه… كانت من أمه نفسها. واللي كتبته فيها خلّى ميادة تعرف إن سبب فسخ الخطوبة الحقيقي… ماكانش سنها خالص.
ميادة بصّت للرسالة وقلبها اتقبض لأول مرة مش من أحمد ولا أمه، من الرقم الغريب. قربت الموبايل من وشها أكتر.
الرسالة اتكررت: “إنتِ فاكرة إنك بتلعبي لوحدك؟”
سكتت ثواني، وبعدين كتبت بسرعة: “إنت مين؟”
ثانية اتنين مفيش رد.
لكن الباب اللي اتقفل من شوية اتخبط تاني. أبوها قام بقلق، لكن ميادة وقفته بإيدها:
ـ “استنى يا بابا أنا هفتح”.
قامت وهي حاسة إن رجليها تقيلة، وفتحت الباب. مفيش حد. بس على الأرض مظروف صغير، أبيض، من غير اسم. انحنت ورفعته، وقلبها بيدق بسرعة. فتحت الظرف.. جواه ورقة واحدة بس: “إحنا عارفين كل حاجة عن الفلوس والجمعيات والشقة حتى الكلام اللي اتقال في البيت. لو كملتي في اللي بتعمليه، هتخسري أكتر من حقك”.
ميادة رجعت خطوة لورا. أبوها أخد الورقة من إيديها بسرعة، وقرأها، ووشه اتغير، قال بصوت منخفض:
ـ “في حد بيراقبنا”.
في اللحظة دي، التليفون رن تاني. نفس الرقم الغريب. بس المرة دي، ميادة ردت.
صوت راجل مش معروف:
ـ “إزيك يا ميادة كنت متوقع إنك هتوصلي لحد هنا”.
ميادة بصوت متماسك بالعافية:
ـ “إنت مين؟ وعايز إيه؟”
ضحكة قصيرة جت من الطرف التاني:
ـ “أنا اللي كنت قريب من أحمد أكتر مما تتخيلي وكنت شايف كل حاجة بتتكتب خطوة بخطوة.. واللي أحمد ميعرفوش إن القرار اللي حصل مش قرار أمه لوحدها”.
قلب ميادة وقع:
ـ “يعني إيه؟”
الصوت قال بهدوء:
ـ “في صفقة كانت هتتعمل وإنتِ كنتي جزء منها من غير ما تعرفي”.
وفجأة التليفون اتقفل.
أبوها مسك الموبايل وقال بغضب:
ـ “ده تهديد صريح إحنا لازم نبلغ”.
لكن ميادة كانت سرحانة.. مش في أحمد ولا في أمه.. في جملة واحدة: “صفقة وإنتي جزء منها”.
وفي نفس اللحظة وصلتها رسالة واتساب من رقم أحمد نفسه. لكن المحتوى كان صورة. صورة ليها هي وهي قاعدة في كافيه قبل الخطوبة بأيام.. بس اللي جنبها في الصورة مش أحمد.. شخص تاني خالص!
الرسالة اللي وصلت من أمه كانت: “اللي عملتيه مش هيمشي كده يا بنت الناس إحنا كنا ناويين نستر عليك، بس إنتِ اللي جبتي لنفسك الكلام”.
ميادة بصّت للموبايل لحظة طويلة وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة، وقالت لنفسها: “يستروا إيه بالظبط؟”
في نفس الوقت، باب الشقة خبط. أبوها قام يفتح.
واقف على الباب أحمد. بس مش أحمد اللي كانت تعرفه. وشه متوتر، عينيه فيها قلق لأول مرة. دخل من غير سلام، وقال بسرعة:
ـ “إنتِ عملتي فينا كده ليه؟ فضحتي الدنيا!”
ميادة قامت بهدوء، وقالت:
ـ “فضحت إيه يا أحمد؟ حقي؟ ولا تعبي؟”
سكت لحظة، وبعدين قال وهو بيحاول يضغط عليها:
ـ “أمي كانت بتختبرك كانت عايزة تشوف هتعملي إيه لما نضغط عليك”.
ضحكت ميادة بسخرية:
ـ “تختبرني؟ خمس سنين اختبار؟ وجمعيات وشقى وفلوس؟ ده اختبار ولا استغلال؟”
أحمد اتلخبط، وبعدين قال بسرعة:
ـ “إنتِ فهمتي غلط إحنا كنا بنخطط لحاجة كبيرة بس إنتِ بوظتي كل حاجة!”
هنا أبوها دخل بينهم وقال بصوت حازم لأول مرة:
ـ “كفاية. البنت مش لعبة عندكم”.
سكت المكان ثواني. ميادة خدت نفس عميق، وبصت لأحمد وقالت:
ـ “أنا مش جاية أتناقش أنا جاية أقولك حاجة واحدة”. قربت منه خطوة: “اللي بينا انتهى بس اللي بيني وبين حقي لسه ما انتهيش”.
طلعّت ظرف تاني من درج جنبها، وحطته في إيده:
ـ “ده طلب رسمي بحقوقي في الشقة والمصاريف اللي دفعتها والمحامي هيتولى الباقي”.
أحمد اتجمد مكانه:
ـ “إنتِ بتهدديني؟”
ردت عليه بهدوء مخيف:
ـ “أنا مش بتهددك أنا بوقف خسارة”.
ساعتها أمه اتصلت عليه تاني، وهو بيرد وإيده بتترعش. وفي التليفون، كان صوتها عالي:
ـ “قولها تتنازل دي هتضيعك وهتضيعنا!”
لكن أحمد لأول مرة ما ردش بسرعة. بص لميادة ولقى نفسها مش البنت اللي كانت بتجري وراه زمان.. كانت واقفة ثابتة، مكسورة من جوه بس قوية من بره.
والمفاجأة الحقيقية حصلت لما قفل التليفون فجأة وقال بصوت منخفض:
ـ “أنا.. أنا مش عارف أعمل إيه دلوقتي”. وساب الشقة وخرج.
ميادة قفلت الباب وراهم بهدوء، وبصت لأبوها وقالت بصوت واطي:
ـ “أنا كده خلصت؟”
رد أبوها:
ـ “إنتِ لسه بدأتي ترجعي نفسك”.
وفي اللحظة دي الموبايل رن تاني. بس الرقم كان غريب. رسالة واحدة بس: “إنتِ فاكرة إنك بتلعبي لوحدك؟”
ميادة رجعت خطوة لورا كأن الجملة ضربتها في صدرها.
أحمد (الذي كان قد عاد أو في سياق المواجهة المستمرة) نظر إليها وقال:
ـ “خطيبي الأول؟! إنت بتقول إيه؟ أنا عمري ما اتخطبت قبل كده!”
أحمد بص لها بنظرة فيها توتر وارتباك:
ـ “أنا ماكنتش عايز أقولك بس واضح إنك مش فاكرة”. سكت لحظة، وبعدين كمل: “إنتِ كنتي مرتبطة بمروان فترة قصيرة من سنين وبعدها اختفى فجأة، وانتي ساعتها كنتي مكسورة وناس من عيلتك قالوا إن الموضوع انتهى”.
ميادة مسكت دماغها بإيدها:
ـ “ده كذب أنا فاكرة كل حاجة في حياتي مفيش حاجة اسمها مروان!”
أبوها اللي كان واقف وراها اتدخل بغضب:
ـ “إنت بتلعب بيها يا أحمد؟ عايز تخرج من الموضوع بإي حاجة!”
أحمد هز راسه بسرعة:
ـ “أنا مش بلعب أنا نفسي أفهم زيكم!”
وفي اللحظة دي جت رسالة جديدة على موبايل ميادة من نفس الرقم الغريب، مكتوب فيها: “اسألي أبوكي هو اللي هيكمل لك الصورة”.
ميادة رفعت عينيها ببطء ناحية أبوها. السكون اللي في وشه كان أخطر من أي كلام. قالت بصوت واطي:
ـ “بابا إيه اللي بيحصل؟”
أبوها حاول يتماسك:
ـ “مفيش حاجة دي ألاعيب عشان يوقعوكي”. لكن إيده كانت بتترعش.
أحمد لاحظ ده فورًا وقال:
ـ “إنت تعرف مروان؟”
سكون.. ثانيتين.. تلاتة.. وبعدين أبو ميادة قال بصوت منخفض جدًا:
ـ “كنت أعرفه من زمان”.
ميادة حسّت إن الأرض بتفتح تحت رجليها:
ـ “يعني إيه كنت تعرفه؟! وازاي أنا معرفش حاجة زي دي؟! “
أبوها طأطأ راسه وقال:
ـ “عشان في حاجة اتدفنت وكنت فاكر إنها انتهت”.
وفي نفس اللحظة التليفون رن تاني. لكن الصوت اللي طلع هذه المرة كان مختلف.. صوت رجولي هادي جدًا قال:
ـ “دلوقتي بقى هنقول الحقيقة كاملة.. أنا مروان”.
ميادة اتجمدت وهي بتبص للصورة. قربت الموبايل من عينيها أكتر. الشخص اللي جنبها في الكافيه فعلاً مش أحمد.. راجل غريب، بس الصورة كانت واضحة جدًا كأنها متاخدة من كاميرا قريبة، مش مجرد لقطة عابرة.
أبوها بص للصورة وقال بحدة:
ـ “إيه ده يا ميادة؟! إنتِ تعرفي الراجل ده؟”
ميادة هزّت راسها بسرعة:
ـ “لا والله ما أعرفه أول مرة أشوفه!” بس قلبها كان بيقول غير كده.. إحساس تقيل إنها مش فاهمة كل القصة.
الموبايل رن تاني.. نفس الرقم. المرّة دي ميادة ردت فورًا قبل ما تتردد. الصوت جه هادي بشكل مخيف:
ـ “الصورة عجبتك؟”
ميادة بصوت متكسر من الغضب:
ـ “إنت بتراقبني؟ وبتجيبلي صور من إمتى وإنت مين أصلاً؟!”
الراجل رد ببرود:
ـ “أنا اللي عنده مفاتيح الحقيقة مش أحمد ولا أمه.. الراجل اللي جنبك في الصورة ده اسمه مروان وده مش مجرد صديق قديم”.
ميادة حسّت الأرض بتلف بيها:
ـ “إنت كداب أنا عمري ما شفت حد بالاسم ده!”
ضحكة خفيفة جت من الطرف التاني:
ـ “عشان كده بقولك إنتِ كنتي لعبة في خطة أكبر من جواز وخطوبة”. وفجأة الخط قطع.
أبوها مسك إيديها وقال بقلق:
ـ “إحنا لازم نعرف الحقيقة من أحمد نفسه دلوقتي”.
ميادة رفعت راسها لأول مرة بنظرة مختلفة.. مش بس وجع، لكن شك.
بعد دقائق، كانت واقفة قدام بيت أحمد تاني. لكن المرة دي مش جاية تبكي.. جاية تواجه. خبطت على الباب بعنف. فتح أحمد، بس أول ما شافها، ملامحه اتغيرت.. مش خوف لا، ده كان إحساس حد متوقعها تيجي.
قال بهدوء:
ـ “إنتي شوفتي الصورة صح؟”
ميادة اتجمدت:
ـ “يعني إيه كنت عارف؟!”
أحمد سكت ثانيتين وبعدين قال جملة خلت كل حاجة تقع:
ـ “مروان ماكنش غريب عنك ده كان خطيبك الأول قبل ما تقابليني أنا”.
ميادة وقفت تبص لأبوها كأنها بتشوفه لأول مرة. صوته على الموبايل لسه شغال: “اسأليه عن يوم المستشفى”.. لكن ميادة ما سمعتهوش كجملة، سمعته كطعنات بتتفتح واحدة واحدة في دماغها.
بصت لأبوها بصوت واطي:
ـ “مستشفى إيه يا بابا؟”
أبوها اتلخبط، وبعدين شد نفسه وقال بسرعة:
ـ “دي أكاذيب ده بيحاول يلعب في دماغك”. لكن إيده كانت بتتحرك بعصبية واضحة.
أحمد بص له وقال بحدة:
ـ “واضح إن في حاجة إنتوا مخبيينها من زمان”.
مروان على التليفون قال بهدوء:
ـ “أنا مش بطلب تصدقوني أنا بطلب الحقيقة بس.. ميادة كانت في حادثة من سنين وبعدها حصل تغيير كبير في حياتها واللي اتقال لها وقتها مش كل الحقيقة”.
ميادة حست بدوخة:
ـ “حادثة؟ أنا؟”
أبوها صرخ فجأة:
ـ “كفاية! اقفل التليفون!”
لكن قبل ما حد يلحق يتكلم، صوت جديد دخل المكالمة.. صوت ست، هادئ بس فيه قوة غريبة:
ـ “سيبها تعرف”.
سكت الجميع. ميادة همست:
ـ “مين دي؟”
الست ردت:
ـ “أنا اللي كنت شاهدة على كل حاجة وكنت موجودة في المستشفى وقت ما قرار نسيان جزء من حياتك اتاخد”.
أحمد رجع خطوة لورا:
ـ “نسيان؟ يعني إيه نسيان؟”
الست قالت:
ـ “في ورق اتوقع وموافقة اتاخدت عشان ميادة تكمل حياتها من غير حمل الماضي”.
ميادة مسكت راسها:
ـ “إنتوا بتقولوا إيه؟ أنا عمري ما وافقت على حاجة زي دي!”
الصوت على الطرف التاني هادي:
ـ “مش لازم تكوني إنتِ اللي وافقتي ساعات القرار بيكون أكبر من صاحبته”.
أبوها سكت تمامًا.. السكوت ده كان أبلغ من أي دفاع. ميادة بصت له وقالت بصوت مكسور:
ـ “بابا قول الحقيقة”.
لحظة صمت طويلة، وبعدين أبوها قال جملة واحدة بس:
ـ “كنت خايف عليكِ”.
وفي نفس اللحظة المكالمة اتقفلت فجأة، والموبايل كتب رسالة أخيرة: “دلوقتي اختاروا تكملوا دفن الحقيقة ولا تفتحوها للنهاية”.
ميادة حسّت الدنيا كلها بتقف. إيدها وقعت منها الموبايل، وصوته وهو على السبيكر كأنه جاى من تحت الأرض:
ـ “أنا مروان”.
أحمد اتجمد في مكانه:
ـ “إنت.. إنت بتتكلم بجد؟!”
أبوها شد نفس طويل، ووشه اتغير تمامًا، كأن الاسم ده فتح باب قديم كان مقفول بالعافية.
ميادة بصوت مكسور:
ـ “لو إنت مروان إزاي تقول إني خطبتك؟ وإمتى؟ وأنا مش فاكرة أي حاجة!”
الصوت على الطرف التاني كان هادي بشكل مرعب:
ـ “عشان مش كل اللي بيحصل بنفضل فاكرينه وفي حاجات بتتمسح غصب عننا.. أنا ما اختفيتش يا ميادة أنا اتبعدت عنك”.
أحمد اتدخل بسرعة:
ـ “مين اللي يبعدك عنها؟ وإيه علاقة ده بيا؟”
جت ضحكة خفيفة من مروان:
ـ “إنت مجرد الفصل اللي اتكتب بعد ما القصة اتقفلت غلط”.
الهواء في الشقة كان تقيل. ميادة مسكت إيديها وهي بتترعش:
ـ “قولي الحقيقة أنا تعبت”.
سكت مروان ثانيتين، وبعدين قال:
ـ “قبل سنين كان في مشروع جواز بيني وبينك. مش حب بس كان في عيلة وفلوس وشغل أب كبير بين العيلتين.. بس في ليلة كل حاجة اتلغت فجأة ومن بعدها أنا اختفيت من حياتك تمامًا”.
ميادة دموعها نزلت غصب عنها:
ـ “طب ليه أنا مش فاكرة؟”
وهنا الجملة اللي خلت المكان يبرد:
ـ “لأن اللي قرر يبعدني ما كانش أنا ولا إنتي”. بص ناحية أبوها رغم إنه مش شايفه: “كان حد من جوه البيت”.
أبو ميادة صوته طلع غصب عنه:
ـ “كفاية كذب!”
لكن مروان قال بهدوء قاتل:
ـ “اسأليه عن يوم المستشفى واسأليه عن الورق اللي اتوقع وقتها”.
الصمت ساد. ميادة بصت لأبوها ببطء شديد، وأبوها أول مرة يتهرب بعينه. وفي اللحظة دي ميادة فهمت إن القصة لسه ما بدأتش أصلاً، وإن اللي جاي أخطر بكتير من أحمد ومروان مع بعض.
الرسالة الأخيرة فضلت قدامهم كأنها معلّقة في الهوا: “تكملوا دفن الحقيقة ولا تفتحوها للنهاية”.
ميادة رفعت عينيها ببطء ناحية أبوها:
ـ “إيه اللي اتدفن يا بابا؟”
أبوها ما ردش فورًا. كان باين عليه إنه بيحارب نفسه مرة عايز يتكلم، ومرة عايز يسكت للأبد.
أحمد قال بعصبية:
ـ “كفاية سكوت! كل دقيقة بتعدي بتزود الموضوع تعقيد!”
أبو ميادة أخيرًا قعد على الكرسي، وقال بصوت مبحوح:
ـ “في يوم حصل حادثة كبيرة”.
ميادة همست:
ـ “حادثة إيه؟”
أبوها ما كانش قادر يبص في عينيها:
ـ “حادثة عربية إنتي كنتي مع مروان”.
الصمت وقع كالصاعقة. كمل وهو بيتكلم بالعافية:
ـ “وهو اللي كان سايق”.
ميادة رجعت خطوة لورا:
ـ “يعني إيه؟”
أحمد اتجمد:
ـ “إنتو بتقولوا إنه كان بيحميها؟ ولا كان السبب؟”
أبوها هز راسه:
ـ “بعد الحادثة حالتها النفسية كانت منهارة ودخلت في صدمة كبيرة الدكاترة قالوا لازم نبعد أي حاجة تفتكرها بيه”.
ميادة صوتها ارتعش:
ـ “يعني أنا نسيت؟”
أبوها:
ـ “مش نسيان طبيعي كان علاج نفسي وموافقة من الكبار عشان تقدري تكملي”.
دموعها نزلت لأول مرة بشكل مختلف.. مش وجع حب، وجع ضياع ذاكرة.
فجأة الموبايل رن تاني.. نفس الرقم. بس المرة دي صوت مروان كان مختلف، أهدى وأقرب:
ـ “أنا ما أذيتكيش يا ميادة أنا اللي اتشلت من حياتك عشان أعيش إنتي”. سكت لحظة، وبعدين قال: “لكن في حاجة ما اتقالتش لحد دلوقتي”.
ميادة بصوت مكسور:
ـ “إيه هي؟”
الصوت قال ببطء:
ـ “الحادثة ما كانتش صدفة”.
وفي اللحظة دي أحمد مسك الموبايل من إيدها فجأة وصرخ:
ـ “كفاية لعب بقى!”
لكن قبل ما يقفل الخط مروان قال آخر جملة:
ـ “اللي عمل الحادثة لسه عايش معاكم لحد النهاردة”. والخط اتقفل.
الهدوء اللي بعد الجملة دي كان أخطر من أي صدمة قبلها. ميادة بصت لأبوها، أحمد بص لأبوها، والأب كان لأول مرة مش قادر يرفع عينه في حد. الصمت في الشقة ما كانش هدوء، كان انهيار بطيء لكل حاجة متبنية عليها الحقيقة.
ميادة بصت لأبوها نظرة أخيرة، وقالت بصوت واطي:
ـ “يعني طول السنين دي كنتوا بتحموني ولا بتخبوا عني؟”
أبوها اتنهد، وصوته خرج مكسور:
ـ “الاتنين وكنت فاكر إن ده الصح”.
أحمد وقف متجمد، كأنه لأول مرة شايف البيت من غير أي أقنعة:
ـ “أنا داخل في إيه؟ أنا كنت مجرد جواز ولا في لعبة أكبر؟”
في اللحظة دي، الموبايل رن تاني نفس الرقم. ميادة ردت، لكن المرة دي إيديها ما كانتش بترتعش. صوت مروان جه هادي:
ـ “دلوقتي القرار عندك”. سكت لحظة، وكمل: “لو عايزة الحقيقة الكاملة روحي للمكان اللي حصل فيه الحادثة”.
ميادة سألت:
ـ “فين؟”
قال:
ـ “الطريق الزراعي القديم عند الكوبري اللي اتقفل بعد الحادثة.. ولو ما جيتيش كل حاجة هتفضل مدفونة وإنتي هتعيشي عمرِك مش فاهمة إنتي مين”. الخط اتقفل.
أبوها قال بسرعة:
ـ “إنتي مش هتروحي هناك!”
أحمد قال لأول مرة بصراحة:
ـ “لا لازم تروح. وإحنا كمان”.
وفي نفس الليلة…
العربية كانت ماشية في طريق طويل فاضي. ميادة قاعدة قدام، ساكتة. أبوها جنبها، مش بيتكلم. أحمد ورا، عينيه على الطريق.
لما وصلوا الكوبري القديم مفيش حد. بس في ورقة متعلقة في الحديد الصدئ. ميادة قربت، وفتحتها. كان مكتوب: “أنا مروان ومكنتش اللي سايق العربية يوم الحادثة”.
سكتت.. وبعدين لقت سطر تاني تحت: “اللي كان سايق واقف وراكي دلوقتي”.
ميادة لفّت ببطء.. أبوها واقف، وشه أبيض، وعينيه فيها كل الإجابات اللي اتأخرت سنين.
ميادة همست:
ـ “بابا؟”
والكوبري ساعتها ما كانش بيشهد صدمة جديدة.. كان بيشهد نهاية كذبة عمرها سنين، وبداية حقيقة أخيرة: مش كل اللي بيحميك بيكون بريء.
تمت القصة بنجاح.



