اس*تأج*رت بنت صغيرة

استأجرت بنت صغيرة تشتغل معايا في البيت، عندها 16 سنة. أول يوم جت فيه كانت متأخرة نص ساعة، شعرها منكوش، ولابسة شبشب فردة شكل وفردة شكل. بصيتلها وقلت في سري:

“يا ساتر يا رب… دي شكلها هتخربلي البيت!”

​بس الغريب إن بناتي التلاتة أول ما شافوها جريوا عليها وحضنوها كأنهم يعرفوها من زمان. والأغرب إن نفس البنت دي، بعد سنين، كانت السبب إني ألاقي أغلى حاجة ضاعت مني وأنا بحاول أنقذ بنتي.

​اسمها كان مروة.

​جت بيتنا في يوم شتا والدنيا غرقانة مطر. شايلة شنطة مدرسة قديمة مقطوعة من الجنب، ولمّة شعرها بإستيكة بنفسجي باين عليها مستهلكة من كتر الاستعمال. خبطت على الباب وهي متأخرة حوالي عشرين دقيقة. فتحتلها وأنا شايلة ابني الصغير، وبنتي الكبيرة بتعيط عشان الواجب، والوسطانية موقعة طبق الكورن فليكس على الانتريه.

​قالت وهي نفسها مقطوع:

“حقك عليا يا مدام… ركبت ميكروباص غلط ونزلت في مكان افتكرته هنا، وطلع بعيد خالص.”

​بصيتلها من فوق لتحت وقلت:

“إنتِ مروة؟”

​قالت بابتسامة بسيطة:

“أيوه… بس متقلقيش، أنا بتعلم بسرعة.”

​لحد دلوقتي مش عارفة ليه مدخلتهاش ورجعتها من حيث ما جت. يمكن عشان كنت محتاجة أي حد يساعدني. جوزي أحمد طول اليوم بره البيت. وأمي صحتها مبقتش تساعدها. وعندي تلات بنات دوشتهم تكفي شارع كامل.

​أول ما مروة دخلت البيت وقعت كباية العصير. وبعدها شوية حرقت الجبنة. وبعد ربع ساعة لقيت بنتي الصغيرة فرح قاعدة في حضنها وبتحكيلها حكاية عروستها المكسورة.

​بالليل بنتي الكبيرة سألتني:

“ماما… مروة هتيجي بكرة؟”

​قولتلها:

“لو جات في معادها.”

​وطبعًا… مجتش في معادها. بس جابت معاها فطير سخن من الفرن، وقعدت تحكيلهم حكاية أميرة عايشة في حارة شعبية وبتحارب تنانين ريحتهم بصل وطعمية. ومن يومها البنات اتعلقوا بيها. في الأول كانوا بينادوها مروة. وبعدين بقوا يقولوا أختنا مروة. وبعدها بقت مروة بتاعتنا.

​بس كان في حاجة غريبة. كل ليلة تقريبًا، كنت ألاقيها واقفة عند شباك المطبخ بعد ما الكل ينام. تبص للشارع وكأنها مستنية حد. ولما كنت أسألها، كانت تبتسم وتقول:

“مستنية ولا حاجة.”

​لحد ليلة صحيت أشرب ميه. لقيتها قاعدة على الأرض جنب التلاجة وبتبكي بصمت.

​قولتلها:

“مالك يا مروة؟”

​مسحت دموعها بسرعة وقالت:

“مفيش.”

​قولتلها:

“محدش بيعيط بالشكل ده ويقول مفيش.”

​سكتت شوية. وبعدين طلعت من شنطتها القديمة ظرف أصفر مهترئ. كان مقفول بشريط لاصق قديم، ومكتوب عليه بخط يد باهت: (لا يُفتح إلا بعد اختفاء الأمانة).

​استغربت وسألتها:

“إيه ده؟”

​اتوترت وخبته بسرعة وقالت:

“حاجة تخص بابا.”

​قولتلها:

“وأبوكي فين؟”

​هنا وشها اتغير. وبعد ثواني همست:

“مختفي بقاله سبع سنين… والناس كلها فاكرة إنه مات.”

​قبل ما أسألها أي حاجة تانية، سمعنا صوت خبطة قوية جاية من باب الشقة. اتخضينا. الساعة كانت اتنين بعد نص الليل. بصينا لبعض. ولما فتحت العين السحرية… لقيت قدام الباب نفس الظرف الأصفر. رغم إنه كان لسه من ثواني في إيد مروة اتجمد الدم في عروقي.

​بصيت لمروة. ولقيتها واقفة في مكانها، ماسكة الظرف بإيديها الاتنين، ووشها شاحب كأنها شافت شبح.

​قولتلها بصوت مرتعش:

“هو مش الظرف ده معاكي؟”

​هزت راسها ببطء. قربت منها وخدت الظرف من إيدها. نفس الشريط اللاصق. نفس الخط الباهت. نفس الجملة: (لا يُفتح إلا بعد اختفاء الأمانة).

​قلبي بدأ يدق بسرعة. رجعت للباب وبصيت تاني من العين السحرية. مفيش حد. السلم فاضي. فتحت الباب بسرعة. لقيت ظرف تاني فعلًا على الأرض. مسكته وقفلت الباب. بقينا إحنا الاتنين واقفين في نص الصالة، وكل واحدة ماسكة ظرف. اتنين شبه بعض بالمللي.

​فتحت الظرف اللي كان قدام الباب. كان جواه مفتاح نحاس قديم وصورة باهتة لرجل واقف قدام بيت ريفي. مروة أول ما شافت الصورة شهقت وقالت:

“ده بابا!”

​سألتها:

“متأكدة؟”

​قالت وهي دموعها نزلت:

“دي آخر صورة اتصورتله قبل ما يختفي.”

​قلبت الصورة. كان مكتوب وراها: (الأمانة لسه موجودة… والوقت قرب).

​في اللحظة دي سمعنا صوت رسالة على موبايل مروة. بصت للشاشة واتجمدت.

​قولتلها:

“مين؟”

​ناولتهولي من غير كلام. الرقم كان مجهول. والرسالة عبارة عن خمس كلمات بس: (ماتفتحيش الظرف التاني يا مروة).

​رفعت عيني أبص لها. لقيتها بتترعش. قولتلها:

“حد بيهزر.”

​هزت راسها بسرعة وقالت:

“لا… نفس الرسالة كانت بتوصل لبابا قبل ما يختفي.”

​سكتنا. الدنيا كلها بقت هادية بشكل مرعب. وفجأة افتكرت حاجة. بصيت على الصورة تاني. البيت اللي فيها كان مألوف جدًا. قربتها من النور أكتر. ولما ركزت كويس… حسيت إن الأرض بتميد بيا.

​البيت اللي واقف قدامه أبو مروة… كان نفس بيت جدي القديم. البيت اللي ورثته عن أبويا من عشر سنين. والأغرب من كده… إن المفتاح النحاسي اللي جوه الظرف كان عليه رقم صغير محفور (17). نفس رقم المخزن المقفول في بيت جدي. المخزن اللي محدش قدر يفتحه من يوم وفاة أبويا.

​ولأول مرة من عشر سنين… بدأت أشك إن السر اللي مستخبي جوه المخزن ده، ليه علاقة مباشرة باختفاء والد مروة. لكن مكنتش أعرف إن فتح المخزن هيكشف سر أخطر بكتير… سر هيخليني أشك في كل حاجة كنت مصدقاها عن عيلتي طول السنين اللي فاتت.

​تاني يوم الصبح، ماقدرتش أركز في أي حاجة. البنات بيتخانقوا على الفطار، وأحمد مستغرب من شرودي، ومروة قاعدة ساكتة على غير عادتها. كل شوية تبص للظرف، وكأنها خايفة يختفي. لحد ما قررت.

​قلت لمروة:

“هنروح بيت جدي النهارده.”

​رفعت عينيها بسرعة:

“دلوقتي؟”

​هززت راسي:

“دلوقتي.”

​البيت كان مقفول من سنين. في آخر البلد، وسط أرض فضاء وأشجار كبرت من غير ما حد يهتم بيها. أول ما وصلنا، حسيت بقشعريرة. المكان كان زي ما سبتُه. نفس البوابة الحديد. نفس الشجرة الكبيرة. ونفس الشباك المكسور في الدور العلوي.

​دخلنا. التراب مغطي كل حاجة. والهواء تقيل بشكل غريب. فضلنا نمشي لحد ما وصلنا للمخزن. الباب الخشبي القديم لسه موجود. والرقم 17 محفور عليه. طلعت المفتاح من الظرف. إيدي كانت بتترعش. دخلته في القفل. في الأول ما اتحركش. لفيته تاني. وفجأة… تك! القفل اتفتح.

​أنا ومروة بصينا لبعض. وببطء فتحنا الباب. المخزن كان صغير. مفيش دهب. مفيش فلوس. مفيش كنوز. بس كان فيه صندوق خشب قديم في النص. عليه طبقة تراب سميكة. وفوقه ورقة مطوية. أخدت الورقة وفتحتها. أول سطر فيها خلاني أنسى نفسي: (إذا كنتِ بتقري الرسالة دي يا هناء، يبقى الحقيقة أخيرًا وصلتلك).

​اتجمدت. هناء ده اسمي. الرسالة كانت متوجهة ليا أنا. مش لمروة. كملت قراءة: (في يوم من الأيام ائتمنتني عيلة كاملة على سر خطير. ولما حاولت أحميه، ناس كتير اتأذت. لو الظرف وصل لمروة، يبقى الوقت جه إنها تعرف الحقيقة عن أبوها).

​بصيت لمروة. وشها بقى أبيض. فتحت الصندوق بسرعة. كان جواه ملفات قديمة وصور ومستندات. وفي الركن… دفتر أسود كبير. أول صفحة فيه كانت صورة جماعية. جدي. وأبويا. ورجل تالت.

​مروة شهقت أول ما شافته:

“ده بابا!”

​لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر المكتوب تحت الصورة: (شركاء مشروع الأمانة سنة 2001).

​فضلنا نقلب الصفحات. وفي كل صفحة كانت فيه تفاصيل أكتر. أسماء. تواريخ. مراسلات. لحد ما وصلنا لصفحة محطوط فيها قصاصة جريدة قديمة. عنوانها كان: (اختفاء رجل أعمال شاب في ظروف غامضة). والاسم المكتوب تحت العنوان… كان اسم والد مروة.

​لكن قبل ما نكمل القراءة، سمعنا صوت حركة فوق السقف. بصينا لبعض. المفروض مفيش حد في البيت غيرنا. الصوت اتكرر. مرة. واتنين. وتلاتة. كأنه خطوات حد بيمشي فوقنا ببطء. ومش بس كده… فجأة سمعنا صوت باب الدور العلوي بيتقفل بعنف.

​مروة مسكت دراعي بقوة وقالت بصوت مرتعش:

“إحنا مش لوحدنا هنا…”

​وفي نفس اللحظة، رن هاتفي. رقم مجهول. رديت. ثواني من الصمت. وبعدين صوت راجل كبير قال بهدوء:

“اقفلوا الصندوق فورًا… واخرجوا من البيت قبل ما تلاقوا الحاجة اللي مخبيينها من 25 سنة.” ثم أغلق الخط.

​بصيت لمروة، وهي بصتلي. ولا واحدة فينا نطقت. لكن الفضول كان أقوى من الخوف. مسكت الدفتر الأسود وقلبت الصفحات بسرعة. وفي آخر الدفتر لقيت خريطة مرسومة بالقلم الرصاص. خريطة للبيت نفسه. وعليها علامة حمراء في الدور العلوي. نفس الدور اللي سمعنا منه الصوت.

​همست مروة:

“نطلع؟”

​كنت عايزة أقول لأ. لكن حاجة جوايا كانت بتقولي إن كل الأسرار اللي بندور عليها فوق.

​طلعنا السلم الخشبي ببطء. كل درجة كانت بتطلع صوت صرير يخوف أكتر من اللي قبله. وصلنا للدور العلوي. الممر كان طويل ومظلم. وفي آخره أوضة مقفولة. الغريب إن الأوضة دي عمري ما شوفتها قبل كده. مع إن البيت ده قضيت فيه نص طفولتي.

​قربنا. ولقيت على الباب نفس العلامة اللي كانت في الخريطة. فتحت الباب بحذر. الأوضة كانت صغيرة جدًا. لكن اللي جواها صدمني. مكانش فيه أثاث تقريبًا. بس كان فيه حائط كامل متغطي بصور. عشرات الصور. صور قديمة وحديثة. صور لعيلتي. لأبويا. لجدي. وليا أنا شخصيًا. حتى صور لبناتي وهم صغيرين.

​اتجمدت في مكاني. مين اللي كان بيجمع الصور دي؟ ومين كان بيراقبنا كل السنين دي؟

​مروة قربت من الحائط. وفجأة شدت صورة من النص. وراها كان فيه تجويف صغير في الحائط. مدت إيدها وطلعت صندوقًا معدنيًا صغيرًا. فتحناه. لقينا جواه ساعة يد قديمة. وخاتم فضة. ورسالة مطوية. الرسالة كانت أحدث من باقي الأوراق. فتحناها بسرعة. وكان مكتوب فيها: (إذا وصلتوا لهنا، يبقى أنا فشلت في الرجوع بنفسي).

​سكتنا. وكملت القراءة: (أنا محمود).

​مروة شهقت: “ده اسم أبوها.”

​(أنا لم أختفِ بإرادتي. كنت بحاول أحمي الأمانة من ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان توصل لها. لو بنتي مروة لسه عايشة، فاعرفي إني عمري ما تخليت عنك).

​دموع مروة نزلت من غير ما تحس. لكن في آخر الرسالة كان فيه سطر واحد خلانا نبص لبعض بصدمة: (الشخص اللي يعرف مكان الأمانة الحقيقية… ليس أنا. الشخص ده هو هناء).

​أنا.. أنا نفسي. لكن إزاي؟ أنا عمري ما سمعت عن أي أمانة. ولا عن محمود. ولا عن أي حاجة من دي.

​قلبت الرسالة بسرعة. وفي آخر الصفحة لقيت تفسيرًا غريبًا: (لما كان عمر هناء خمس سنين، أخفى والدها شيئًا مهمًا جدًا داخل لعبة كانت لا تفارقها أبدًا).

​حاولت أفتكر. لعبة؟ أي لعبة؟ وفجأة رجعت لي ذكرى قديمة جدًا. دبدوب بني صغير. كنت أنام بيه كل ليلة. وبعد وفاة أبويا اختفى فجأة. اختفى من غير أثر.

​رفعت رأسي ببطء. وقبل ما أتكلم، سمعنا صوت ارتطام قوي من الدور الأرضي. جرينا ناحية السلم وبصينا لتحت. الباب الرئيسي للبيت كان مفتوحًا. رغم إننا متأكدين إننا قفلناه. وعلى الأرض عند المدخل… كان فيه دبدوب بني قديم، مغطى بالتراب. نفس الدبدوب اللي اختفى من أكثر من عشرين سنة. وفوقه ورقة صغيرة مكتوب عليها: (أخيرًا افتكرتي).

​نزلت السلم جري، ومروة ورايا. قلبي كان بيدق بعنف. الدبدوب كان فعلًا هو نفسه. نفس الخياطة المقطوعة عند الدراع الشمال. ونفس البقعة الصغيرة اللي عملتها وأنا طفلة لما وقعت عليه كوب عصير. ركعت على الأرض ومسكته بإيدي. حسيت كأن عشرين سنة اختفوا في ثانية.

​مروة سألتني:

“هو ده فعلًا بتاعك؟”

​هززت راسي. لكن عيني كانت على الورقة. مين حطها؟ ومتى؟ وليه؟

​قلبت الدبدوب بين إيديا. وفجأة حسيت بحاجة صلبة جوه بطنه. بصيت لمروة وبصتلي. وجريت للمطبخ القديم وجبت مقص. فتحت جزء صغير من الخياطة. وطلعت أسطوانة معدنية صغيرة جدًا. بحجم الإصبع تقريبًا. كان معاها مفتاح صغير وسلسلة. وعليها ورقة ملفوفة بعناية. فتحت الورقة. كان فيها سطر واحد: (الأمانة ليست مالًا… الأمانة اسم).

​استغربنا. اسم مين؟

​فتحت الأسطوانة. كان جواها شهادة ميلاد قديمة جدًا. لكن مش باسم أي حد من عيلتي. الاسم المكتوب كان: (ياسين محمود عبدالغفار).

​مروة بصت للشهادة باستغراب وقالت:

“أنا معرفش حد بالاسم ده.”

​وفي نفس اللحظة وقع من الشهادة ظرف أصغر. فتحناه. لقينا رسالة بخط إيد جدي: (إذا وصلت الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرفوا الحقيقة. من خمسة وعشرين سنة حصل حادث كبير في البلد. طفل صغير اتوه من أهله وسط الزحام. ولحد ما لقينا أهله، اكتشفنا إن في ناس كانت بتدور عليه لأسباب مش كويسة. عشان كده أخفيناه فترة وحافظنا على بياناته الحقيقية في مكان آمن. محمود والد مروة كان واحد من الناس اللي ساعدوا في حماية الطفل. ولما حاول بعض الأشخاص يعرفوا مكانه، اختفى محمود عن الأنظار بإرادته لفترة طويلة عشان يحمي السر).

​مروة شهقت: “يعني بابا ما هربش؟”

​كملت القراءة: (لا. كان ينفذ وعدًا قطعه على نفسه).

​الرسالة أوضحت إن الطفل بعد سنوات اتسلم لأقاربه الحقيقيين بأوراق رسمية، وإن السر كله انتهى من زمان. لكن محمود خاف يرجع فجأة بعد كل السنين دي من غير ما يثبت الحقيقة لبنته. وفي آخر الرسالة كان عنوان مكتوب. عنوان بيت في محافظة تانية. وتحته: (إذا أردتم معرفة بقية الحقيقة، ستجدون محمود هناك).

​أنا ومروة بصينا لبعض. وفي اليوم التالي سافرنا للعنوان. الطريق كان طويل ومروة طول الطريق ساكتة بين الخوف والأمل. لحد ما وصلنا. كان بيت بسيط وسط أرض زراعية. خبطنا الباب. ثواني.. وبعدين فتح راجل شعره أبيض وملامحه مرهقة. أول ما شاف مروة، وقف مكانه والدموع لمعت في عينيه.

​ومروة همست: “بابا؟”

​الراجل وقف مكانه. بص لها كأنه شايف حلم مستحيل يتحقق. الراجل مد إيده وهو مش مصدق وقال: “مروة…” وجريت عليه. بعد سنوات طويلة من الفراق والأسئلة، أخيرًا لقت الإجابة اللي كانت بتدور عليها.

​وبعد ما هدأت الأمور، عرفنا إن محمود كان عايش بهدوء بعد ما انتهت مهمته في حماية السر، لكنه كان بيحاول يجمع الأدلة والرسائل القديمة عشان يشرح كل حاجة لبنته في الوقت المناسب.

​أما أغلى حاجة ضاعت مني وأنا بحاول أنقذ بنتي؟ فما كانتش فلوس ولا ذهب. كانت الثقة في إن الخير بيضيع. مروة دخلت بيتنا بنت تايهة محتاجة فرصة. وبعد سنين أثبتت إن الطيبة والوفاء ممكن يغيروا مصير ناس كتير. ومن يومها، ما بقيناش نقول مروة بتشتغل عندنا. بقينا نقول: مروة واحدة من العيلة.

​لكن بدل ما يجري عليها أو يفتح دراعاته، وشه اتغير فجأة. وبص وراها مباشرة. ناحيتي أنا. وكأنه شاف حد تاني مش مروة. قال بصوت منخفض:

“إنتِ جبتِها هنا ليه؟”

​استغربت: “جبت مين؟”

​رد بسرعة: “مروة.”

​سكتنا كلنا. مروة قربت منه خطوة: “يا بابا… أنا.”

​لكنه مسك كتفيها وقال: “اسمعيني كويس. لازم تمشوا من هنا حالًا.”

​مروة اتصدمت: “بعد السنين دي كلها؟”

​لكن قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية بتقف برا البيت. محمود شحب وشه وجري ناحية الشباك. أول ما بص للخارج، رجع خطوة لورا. كأنه شاف حاجة كان خايف منها من سنين. قال بسرعة:

“وصلوا.”

​قلبي وقع: “مين؟”

​لكن محمود ما ردش. فتح دولاب قديم وسحب منه حقيبة جلد صغيرة وحطها في إيد مروة وقال:

“لو حصلي حاجة، تفتحيهاش غير لما تلاقوا المفتاح التالت.”

​مروة بصتله بعدم فهم: “مفتاح تالت؟”

​قال: “معاكم الأول.” وأشار على المفتاح اللي لقيناه في بيت جدي. “والتاني هتلاقوه في المكان اللي اتصورت فيه الصورة.”

​استوعبت فجأة. الصورة القديمة قدام البيت الريفي. لكن قبل ما أسأله عن المفتاح التالت، دوى صوت طرق عنيف على الباب. خبطات قوية هزت البيت كله. مرة.. واتنين.. وتلاتة. وصوت راجل من برا بيقول:

“إحنا عارفين إنك جوه يا محمود.”

​مروة اتشبثت في إيده وأنا حسيت إن الموقف بيخرج عن السيطرة. لكن محمود كان هادي بشكل غريب. فتح درج صغير وطلع منه صورة قديمة. ناولها لي. أول ما بصيت فيها، حسيت برجلي بتضعف. الصورة كانت ليا أنا.. بس وأنا طفلة عندي خمس سنين، واقفة جنب محمود، وجنبنا راجل تالت. راجل عمري ما شوفته قبل كده.

​لكن الصدمة الحقيقية كانت في ظهر الصورة، لأن مكتوب بخط أبويا: (الثلاثة فقط يعرفون مكان الأمانة).

​رفعت عيني لمحمود وأنا مش فاهمة: “أنا كنت أعرف إيه؟”

​محمود فتح بقه عشان يرد. لكن في اللحظة نفسها… اتكسر زجاج الشباك فجأة ودخلت منه حصاة صغيرة ملفوفة بورقة. وقعت على الأرض قدامنا مباشرة. فتح محمود الورقة بسرعة. قرأ سطر واحد، ثم تغير لون وجهه بالكامل.

​مروة صرخت: “مكتوب إيه؟”

​رفع محمود عينه ببطء وقال: “المشكلة مش إنهم لقونا…” وسكت ثانية ثم أكمل: “المشكلة إن حد من أصحاب الأمانة خان الاتفاق من أسبوع واحد بس.”

​وفي أسفل الورقة كان فيه اسم مكتوب بخط واضح. اسم شخص كلنا كنا فاكرين إنه مات من أكتر من عشرين سنة. مروة خطفت الورقة من إيد أبوها وأنا قربت أبص على الاسم. ولما قريته، اتجمدت.

​الاسم كان اسم عمي فؤاد. أخو أبويا. الراجل اللي دفناه بنفسنا من أكتر من عشرين سنة.

​مروة بصت لأبوها بعدم تصديق: “إزاي؟”

​تنهد محمود طويلًا وقال: “لأن فؤاد ما ماتش.”

​وقبل ما نستوعب الصدمة، بدأ يحكي الحقيقة كلها. من خمسة وعشرين سنة، كان فيه مشروع كبير وأوراق مهمة تخص أراضي وميراث لعائلات كتير. بعض الناس حاولوا يزوروا المستندات ويستولوا على الحقوق. أبويا، وجدي، ومحمود اكتشفوا الموضوع. جمعوا الأدلة وخبّوها في أكتر من مكان، واتفقوا إن محدش يعرف الحقيقة كاملة لوحده.

​لكن فؤاد كان طمعان. ولما عرف إن الأدلة هتفضح ناس كبار، اختفى وساب الكل يعتقد إنه مات. على مدار السنين كان بيتابع من بعيد، مستني اللحظة المناسبة عشان يوصل للأوراق.

​أما الأمانة اللي الكل بيتكلم عنها، فما كانتش كنز ولا ثروة. كانت ملف كامل فيه المستندات الأصلية اللي تثبت حقوق عشرات الأسر. عشان كده كل الرسائل والمفاتيح والصناديق كانت موجودة. مش لحماية مال، لكن لحماية الحقيقة.

​محمود فتح الحقيبة الجلدية أخيرًا. وكان جواها المفتاح الثالث، ومعه آخر جزء من الملف. لما اجتمعت الأجزاء الثلاثة، ظهرت الحقيقة كاملة.

​وفي الأيام التالية، اتسلمت المستندات للجهات المختصة، واتثبتت حقوق أصحابها. أما فؤاد، فاتكشف مكانه بعد محاولته الأخيرة للحصول على الملف، واتقبض عليه.

​وبعد أسابيع من انتهاء القض*ية، رجعت الحياة لطبيعتها. لكن الحاجة اللي عمرها ما رجعت زي الأول كانت علاقتنا بمروة. لأنها ما بقتش البنت اللي جت متأخرة وشعرها منكوش وشبشبها فردتين مختلفتين.. بقت فرد من العيلة. بناتي كبروا وهم بينادوها أختنا مروة، وأحمد كان بيقول للناس: “دي بنتنا الرابعة.”

​وفي يوم، وأنا برتب الدولاب، لقيت أول صورة اتصورت لمروة عندنا. واقفة مرتبكة على باب الشقة، شايلة شنطتها القديمة. ابتسمت وأنا بافتكر أول انطباع أخدته عنها. وقتها قلت في سري: “دي شكلها هتخربلي البيت.”

​لكن الحقيقة إنها كانت السبب في لمّ شمل ناس تفرقت سنين طويلة. وأثبتتلي إن أحيانًا أغلى الهدايا اللي بتدخل حياتنا، بتدخل من الباب وإحنا أصلًا مش مقتنعين بيها.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *