عزومه حماتي.. حكايات منــال عـلـي

اسم القصة: عزومة حماتي

سبت الفلوس قاصدة في البيت قبل ما أنزل مع جوزي ليلة ذكرى جواز حماتي.. السهرة مشيت عكس ما هما خططوا لها تماماً، بس مشيت زي ما أنا كنت عايزة بالظبط.

قبل ما نخرج من الشقة، مروة راجعت شنطتها للمرة الأخيرة.

المفاتيح، الموبايل، البطاقة، وظرف صغير فيه مبلغ على قد بوكيه الورد.

لا فيزا ولا مليم زيادة.

قفلت السوستة بضمير وأخدت نفس طويل بتهدي بيه ضربات قلبها.

من عند الباب، جه صوت جوزها الزهقان:

  • يا بنتي حرام عليكي، بقالك ساعة بتعملي إيه؟ الناس مستنيين تحت في العربية!

خرجت مروة وهي بتظبط طرحتها.

أحمد بص لها بنظرة فيها تقطيمة، وهو واقف بقميصه المكوي وشياكته وريحة البرفيوم مالية المكان.

  • مالك وشك أخطف كده ليه؟ إنتِ متوترة؟

سألها بآلية، من غير ما يستنى منها رد حقيقي.

  • أنا كويسة.

كذبت بدم بارد.

مكنتش كويسة، ولا حتى قريبة من الكلمة دي.

تحت ضلوعها رجعت لها النغزة الباردة بتاعة الخوف.

من سنة، وفي لمة عيلة زي دي، مقدرتش تقول لأ.

200 ألف جنيه شقا العمر اللي شالوه عشان يوضبوا أوضة العيال، طاروا في حفرة اسمها مشروع العيلة.

سبوبة منفعش فيها حد غير كريم، أخو جوزها، اللي ركب عربية زيرو الأسبوع اللي بعده ومرفعش سماعة التليفون يقول شكراً.

وهي بتلبس الجاكيت قالت بصوت واطي:

  • افتكرت بس اللي حصل المرة اللي فاتت يا أحمد.

أحمد كشر وكأن ريحة وحشة طلعت فجأة.

  • تاني السيرة دي؟ إنتِ مش هتزهقي؟ كريم هيرجع الفلوس، كانت ظروف ضيقة وضغط عليه، وهو أولى من الغريب. ما تكبريش الموضوع، النهاردة عيد جواز أمي.. الكل موجود وهننبسط.

“هننبسط”…

ردتها مروة في سرها بمرارة.

بالنسبة لأحمد، الانبساط يعني قعدة رجالة وهزار بصوت عالي وقصص هو بطلها وشعور إنه ابن العيلة البار اللي شايل الكل.

أما بالنسبة لها، فكان يعني نظرات الست سعاد، وتلقيح الكلام، وكلام مبيخلصش عن القرشين اللي مركونين في البنك.

حاولت تمسك أعصابها وقالت:

  • أنا مش بكبر الموضوع، بس إنت شوفت المرة اللي فاتت عملوا فينا إيه. كأننا ماشيين نوزع فلوس عليهم أو مديونين لهم بلقمتنا.

رد أحمد وهو بيفتح باب الشقة ببرود:

  • إنتِ حساسة زيادة.. دي عيلة، أهلك. لازم تستحملي صراحتهم شوية.

مشت وراه وهي ساكتة.

جوه جيب الجاكيت، لمست الكارت الوحيد اللي جابته معاها.

كارت فيه 3000 جنيه بس للطوارئ.

أما تحويشتها الحقيقية، وفيزا المرتب، وكل مليم حيلتها، فكانوا متأمنين في ظرف في قاع كيس بسلة متلجة في الفريزر وسط الخضار.

تصرف هبل؟ يمكن.

بس ده كان الحاجة الوحيدة اللي محسساها بالأمان في البيت ده.

في الأسانسير، أحمد مسك إيدها.

إيده كانت دافية، بس برودة قلبها كانت أقوى.

  • عشان خاطري اهدي، ده يوم مهم لأمي. خلينا نعدي الليلة على خير.

بص لها بنظرة الرجاء القديمة اللي حفظتها:

“ما تبوظيش الليلة.. ما تعمليش مشكلة.. خليكي طيبة.”

هزت راسها وهي ساكتة.

بره، كانت العربية مستنية.

وهي قاعدة في الكرسي اللي قدام، بصت لشبابيك شقتهم.

في الفريزر مكنش فيه خضار بس، كان فيه كرامتها وأمانها اللي اشترتهم بخدعة بسيطة ومهينة في نفس الوقت.

كانت عارفة إنها لو جابت الفلوس معاها، هيعرفوا يثبتوها وياخدوها تاني بالضحك والتلقيح إنها ناشفة وبتاعة مصلحة.

أما دلوقتي، فهي عندها فرصة تقول لأ.

بوضوح.

  • جاهزة؟

سأل أحمد وهو بيدور العربية.

  • جاهزة.

ردت وهي باصة قدامها.

بيت حماتها كان منور والريحة واصلة لآخر الشارع.

وفي الركن شافت عربية كريم الجديدة اللي جابها بفلوسهم.

التناقض كان يفرس.

فلوسنا… فلوس أوضة العيال.

الفكرة دي كانت بتنهش في دماغها.

أول ما نزلوا، أحمد رسم الابتسامة العريضة الرسمية على وشه.

مروة دخلت وراه وهي حاسة بخنقة بتزيد مع كل خطوة.

فتحت الباب صاحبة الليلة، الست سعاد.

كانت لابسة جلابية استقبال شيك، وفي عينيها نظرة فحص وتمحيص لمروة من ساسها لراسها.

  • يا حبيبي يا ابني! أهلاً يا أحمد.. نورتي يا مروة، الكل جوه.

دخلوا على دوشة العيلة وريحة المحاشي والبط.

أول ما مرات كريم شافت مروة صاحت بسخرية:

  • يا أهلاً يا أهلاً.. الهوانم وصلوا! أغنياء العيلة وصلوا يا جماعة!

الكل سكت لحظة، وبعدين كملوا ضحك.

مروة قعدت وهي حاسة إنها غريبة، والعيون كلها عليها.

بدأ كريم يتكلم بصوت عالي عن المشاريع والفرص اللي ما بتتعوضش، تمهيداً للي جاي كالعادة.

الست سعاد حطت إيدها على إيد ابنها أحمد وقالت:

  • نشرب الشربات الأول.. وبعدين فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه، وإحنا ملناش غير بعض.

وبصت لمروة مباشرة.

بدأ كريم يشرح السبوبة الجديدة، وبمنتهى البجاحة قال:

  • أنا محتاج مبلغ كبير عشان أكبر المحل، وإنتوا الحمد لله حالتكم مستورة. ساعدونا، إحنا عيلة واحدة، والقرش اللي يخرج من جيب أحمد يدخل في جيبي.

سكوت تام.

العيون كلها اتجهت لأحمد ومروة.

أحمد ما اتكلمش.

وسكوته كان أسوأ حاجة.

سابها لوحدها في المدفع قدام أمه وأخوه.

مروة اتكلمت أخيراً بصوت واطي بس ثابت:

  • فاكر يا كريم من سنة لما ساعدناك بـ200 ألف، وشقا عمرنا طار ومشوفناش منه مليم؟

فجأة الجو اتغير.

الأقنعة وقعت.

كريم بدأ يزعق ويقول إنه مش بياكل حق حد.

والست سعاد بدأت تتكلم عن الجحود وإن مروة هي اللي مقسية قلب ابنها عليهم.

لحد ما مروة حست بحاجة بتتحرر جواها.

وقفت وقالت بهدوء:

  • عشان نخلص.. أنا مش معايا فلوس.

الكل سكت بصدمة.

كملت وهي باصة في عين أحمد:

  • أنا سبت الفلوس في البيت قاصدة. لا معايا فيزا ولا مليم في الشنطة. مفيش غير ظرف الهدية ده ومبلغ بسيط نرجع بيه في تاكسي.

حطت الظرف الصغير على الترابيزة وتابعت:

  • أنا قررت إني مش هدي مليم تاني. الفلوس دي مابقتش موجودة، والثقة كمان خلصت. اللي عايز يزعل يزعل، بس حق ولادي مش هيتاخد تاني.

الأوضة انفجرت بالصراخ.

اتهامات بالأنانية، وإنها خاربة بيت، وإنها مش محترمة العيلة.

لكن مروة فضلت واقفة.

هادية.

حاسمة.

لأول مرة، مروة ما كانتش المحفظة اللي بيفتحوها وقت اللزوم.

المرة دي كانت صاحبة الكلمة.

والكلمة كانت: لأ.

الصوت علي، والاتهامات زادت.

الست سعاد كانت أول واحدة هاجمت:

  • شايف يا أحمد مراتك بتعمل إيه؟ دي بتقطع رزق أخوك! دي عايزة تفرق بينكم!

كريم خبط بإيده على الترابيزة:

  • يعني إحنا بقينا شحاتين عندك؟! ده أنا كنت فاكرك بنت أصول!

مروة ما اهتزتش.

بصت لأحمد مستنياه يتكلم.

ثواني عدت وهو ساكت.

القعدة كلها واقفة على كلمته.

يا إما هيكسرها قدامهم.

يا إما يقف جنبها.

أحمد بلع ريقه، وبص لأمه، وبعدين لأخوه، وبعدين لمروة.

وقال أخيراً:

  • مروة عندها حق.

الصمت نزل على الأوضة زي القنبلة.

  • إيه؟!

قالتها الست سعاد بصدمة.

أما كريم فقال بسخرية:

  • إنت بتقول إيه يا أحمد؟

أحمد خد نفس طويل وقال:

  • إحنا غلطنا لما إدينا الفلوس قبل كده، وغلطنا أكتر لما سكتنا. أنا مش هطلب من مراتي حاجة زي دي تاني.

مروة حست برجليها بتترعش.

مش ضعف…

لكن من الصدمة.

ده نفس أحمد اللي كان كل مرة يقولها: استحملي.

دلوقتي بيقول: كفاية.

الست سعاد قعدت على الكرسي وهي بتقول:

  • يعني هتسيب أخوك؟ ده دمك!

أحمد رد بهدوء:

  • وأنا كمان عندي بيت وولاد في المستقبل ومراتي اللي شقيانة معايا. مش هضيع ده عشان أرضي حد.

كريم قام وهو متعصب:

  • خلاص! كل واحد يخليه في حاله! بس متجوش بعد كده تقولوا عيلة!

مروة ردت لأول مرة بنبرة حاسمة:

  • العيلة مش فلوس يا كريم.. العيلة احترام.

سكوت تقيل.

الموضوع خلص، بس مش زي كل مرة.

المرة دي مفيش حد كسب فلوس.

بس مروة كسبت نفسها.

في الطريق وهما راجعين، العربية كانت هادية.

لحد ما أحمد قال وهو باصص قدامه:

  • أنا آسف.

مروة بصتله مستغربة.

  • آسف إني كنت بسيبك لوحدك كل مرة، وآسف إني ماخدتش بالي إنهم بيستغلونا.

ردت بهدوء:

  • المهم إنك خدت بالك دلوقتي.

سكتوا شوية.

بس السكوت المرة دي كان مريح.

أول ما دخلوا الشقة، مروة فتحت الفريزر وطلعت كيس البسلة.

طلعت الظرف، بصتله وابتسمت.

مش عشان الفلوس…

عشان الإحساس اللي رجعلها.

إحساس إنها مش مضطرة تستخبى.

ولا تخاف.

ولا تمشي على أطراف صوابعها.

قفلت الفريزر وقالت لنفسها بصوت واطي:

  • المرة دي… أنا اللي حميت بيتي.

ومن الليلة دي، مروة ما رجعتش المحفظة بتاعة العيلة تاني…

بقت صاحبة القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *