بعد 27 سنة خدمة… فصلوها بورقة واحدة، لكنها تركت فوق مكتب المدير ملفًا دمّر كل شيء
خرجت من مكتب فهد دون استعجال.
ليس لأن الأمر لم يؤلمني.
كان يؤلمني كل شيء.
رقبتي.
حلقي.
وكرامتي التي قضت سبعةً وعشرين عامًا داخل شركة تتخلص مني الآن بنفس السهولة التي تُستبدل بها نبتة قديمة من بهو الاستقبال.
لكنني لم أكن سأمنحه المشهد الذي ينتظره.
لن أعطيه متعة رؤيتي أرتجف.
اتجهت مباشرة إلى مكتبي.
كان هناك صندوق كرتوني مطوي فوق خزانة الملفات.
الموارد البشرية تتحرك بسرعة دائمًا عندما يتعلق الأمر بإخراج شخص أصبح غير مرغوب فيه.
جلست.
عدّلت نظارتي.
وبدأت أجمع أغراضي بنفس الدقة التي رتبت بها طوال سنوات الميزانيات والفواتير والحسابات المستحيلة.
الكوب الأزرق المكتوب عليه: “كل شيء يتوازن في النهاية.”
النبتة الصغيرة التي كانت تميل دائمًا نحو الزجاج.
السترة الرمادية بسبب برودة قاعة الاجتماعات.
صورة ابنتي يوم تخرجها من الجامعة.
وقلمان جيدان… يخصانني أنا، لا الشركة.
في البداية، لم يقترب أحد.
كانوا ينظرون إليّ من خلف المكاتب وكأن قرار فصلي عدوى.
بعضهم تظاهر بالكتابة.
بعضهم همس بصوت منخفض.
لكن الجميع كان يعرف أن خروجي ليس عاديًا.
أنا كنت المديرة المالية.
الشخص الذي يعرف تاريخ كل ريال دخل هذه الشركة أو خرج منها منذ قبل أن يصبح لها شعار أنيق ومكاتب زجاجية حديثة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، ظهرت ريم.
كعب جديد.
قميص بلون كريمي.
وابتسامة متوترة تشبه ثقة الشباب الذين ما زالوا يظنون أن كل ترقية مستحقة طالما جاءت مع عطر فاخر وإعجاب من الإدارة.
استندت إلى طرف مكتبي وقالت بصوت منخفض:
— أستاذة نورة… والله إني آسفة جدًا.
نظرت إليها.
لم أشعر بالكراهية.
شعرت بشيء أسوأ.
الوضوح.
ريم لم تكن العقل المدبر لأي شيء.
كانت مجرد واجهة داخل عملية أكبر منها.
— أنتِ لستِ آسفة — قلت بهدوء — لكن يومًا ما ستفهمين لماذا كان يجب أن تكوني كذلك.
اهتزت ابتسامتها قليلًا.
— أنا مالي علاقة بالموضوع.
— صحيح… أنتِ فقط وافقتِ تجلسين على كرسي ما زال دافئًا.
لم تعرف ماذا تقول.
فاكتفت بالمغادرة.
حين انتهيت من جمع أغراضي، فتحت الدرج السفلي وأخرجت الحقيبة التي أحضرتها صباحًا دون أن ينتبه أحد.
في الداخل كانت هناك اثنتان وثلاثون وردة حمراء.
كل واحدة ملفوفة بورق بسيط.
اشتريتها قبل الدوام عند الفجر.
لأنني في داخلي كنت أعرف أن فهد سيتحرك اليوم.
الشائعات حول التدقيق الخارجي.
المكالمات المتوترة.
الاجتماعات المغلقة مع المحامين.
ووجود ريم المتزايد داخل أمور لا تفهمها أصلًا.
كل شيء كان يشير إلى نفس النهاية.
لم يفصلني لأنني بلغت الخامسة والخمسين.
فصلني لأنه لم يعد قادرًا على السيطرة عليّ.
أخذت أول وردة واتجهت إلى مكتب أمينة من قسم المدفوعات.
امرأة تستيقظ منذ ستة عشر عامًا قبل الخامسة صباحًا لتصل في موعدها، بينما فهد يصر دائمًا على مناداتها “أمون” رغم أنها تكره هذا الاختصار.
— شكرًا لأنكِ لم توقعي يومًا على شيء شعرتِ أنه خطأ.
امتلأت عيناها بالدموع.
— نورة…
تركت لها الوردة وأكملت.
أعطيت ماجد من المستودعات وردة أخرى.
— شكرًا لأنك احتفظت بنسخ الشحنات عندما طلبت منك ذلك.
شحب وجهه.
— استخدمتيها؟
— كلها.
ثم إلى سارة من الرواتب.
— شكرًا لأنك قلتِ لي الحقيقة عن الدفعات المكررة.
ثم إلى تركي من تقنية المعلومات.
— شكرًا لأنك علّمتني كيف أصل للخادم الاحتياطي دون أثر.
واحدًا تلو الآخر.
لم تكن ورود وداع.
كانت شهودًا على هيئة زهور.
وحين وصلت إلى الاستقبال، نظرت إليّ ريم بتوتر.
— حتى أنا؟
مددت لها وردة.
— نعم… حتى تتذكري أن المكتب ليس منصة عرض. وأن الأرقام عندما لا تتوازن… العطر لن ينقذك.
لم تأخذها فورًا.
ثم أمسكتها بحذر وكأنها تؤلمها.
الجميع كان ينظر إلينا الآن.
ولا أحد يتكلم.
عندها حملت الملف الرمادي الذي كان تحت ذراعي وعدت إلى مكتب فهد.
طرقت الباب مرة واحدة ثم دخلت دون انتظار.
كان ما يزال هناك، يجلس بثقة ويراجع شيئًا على شاشة الكمبيوتر.
وحين رآني بالصندوق في يد والملف في الأخرى، ابتسم بتعالٍ مستفز.
— خلصتِ مشهدك الأنيق؟
وضعت الصندوق على الأرض.
ثم وضعت الملف فوق مكتبه مباشرة، فوق مفكرته الجلدية.
— لا… الآن فقط بدأ.
اختفت ابتسامته قليلًا.
— ما هذا؟
— التدقيق الداخلي الذي عملت عليه بصمت طوال تسعة أشهر… التدقيق الذي كنت لا تريد له أن يوجد.
لم يلمس الملف فورًا.
نظر إليّ أولًا، وكأنه ما يزال يظن أن الأمر مجرد ردة فعل من امرأة مجروحة.
ثم فتح الصفحة الأولى.
ورأيت اللحظة الدقيقة التي فهم فيها جسده قبل عقله.
تراجع بسيط في الكرسي.
توتر أصابعه فوق الورق.
واللون الذي بدأ ينسحب من وجهه.
— لا أعرف ماذا تحاولين فعله بهذا.
لكن صوته لم يعد ناعمًا. صار قاسيًا.
— أريدك أن تقرأ الصفحة الثالثة والعشرين.
قلب الصفحات بسرعة.
عيناه تتحركان بين السطور.
فواتير مضخمة.
موردون وهميون.
دفعات تمر عبر شركة استشارية موجودة على الورق فقط.
استردادات مكررة.
وتحويلات مرتبطة بحساب قريب أحد المساهمين.
كل شيء موثق.
بالتواريخ.
وبالأدلة الرقمية والنسخ الورقية.
— هذا خارج سياقه.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— وستجد الصفحة الحادية والأربعين أيضًا خارج السياق… خاصة التحويلات الخاصة بصيانة لم تحدث أصلًا داخل استراحة زوجتك السابقة. والصفحة الرابعة والخمسين كذلك… مكافآت “الاحتفاظ التنفيذي” التي منحتها لنفسك بينما كنت تفصل الموظفين بحجة تخفيض الميزانية.
أغلق الملف بعنف.
— أي اتهام بدون دليل قد يكلّفك كثيرًا.
— أنا لم أعد أعمل هنا… ولم يعد لدي شيء أخسره.
اقتربت قليلًا من المكتب.
— أنت لديك.
وقف من مكانه.
— من غيري رأى هذا الملف؟
نظرت إليه بهدوء زاده غضبًا.
— الأشخاص المناسبون.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت جهاز الاتصال الداخلي.
صوت الاستقبال كان مرتبكًا:
— أستاذ فهد… أعضاء لجنة المساهمين موجودين هنا… ومعهم مدققان خارجيان. يقولون إن الموضوع عاجل.
لم أُبعد نظري عنه.
أما هو… فأبعد عينيه عني لأول مرة.
اتجه نحو الزجاج.
عاد.
شد فكه بقوة.
ولثانية واحدة ظننت أنه سيصرخ.
لكنه فعل ما هو أسوأ.
حاول أن يبدو متماسكًا.
الرجل الضعيف دائمًا يظن أن بإمكانه تمثيل الثقة حتى بعد انهياره.
— لا تقولي أي كلمة — قال بصوت منخفض — الموضوع ما زال ممكن نسيطر عليه.
هززت رأسي ببطء.
— هذه هي المشكلة يا فهد… الموضوع تمت السيطرة عليه بالفعل. لكن بدونك.
طُرق الباب.
لم يرد.
لكنه فُتح رغم ذلك.
دخل ثلاثة من لجنة المساهمين، ومعهم فريق التدقيق، وخلفهم هناء من الموارد البشرية بوجه شاحب، تحمل نسخة من قرار فصلي وكأن الورقة تحرق يديها.
تحدث الشريك الرئيسي من شركة التدقيق أولًا:
— أستاذ فهد السالم، نحتاج وصولًا فوريًا إلى الخوادم المالية والسجلات المحاسبية وصلاحيات التوقيع كافة.
حاول فهد الابتسام.
— طبعًا… لكن أستغرب هذه الزيارة بدون تنسيق مسبق.
رفع أحد المساهمين الملف الرمادي من فوق المكتب.
— نحن لا نستغرب شيئًا… الأستاذة نورة أرسلت لنا نسخة أولية مساء أمس.
نظرت هناء إليّ وكأنها فهمت أخيرًا لماذا وقّعت على إنهاء خدماتي دون نقاش واحد حول التعويض.
أما وجه فهد… فتحول إلى شيء قاسٍ ومشوّه تقريبًا.
— نورة سرقت معلومات سرية.
فتحت حقيبتي وأخرجت وحدة تخزين صغيرة.
وضعتها بجانب الملف.
— لم أسرق شيئًا… أنا فقط احتفظت بالنسخ. ونسخة أخرى وصلت بالفعل إلى المستشار القانوني لمجلس الإدارة.
هذه المرة أصبح الصمت ثقيلًا فعلًا.
فهد لم يعد يعرف أين ينظر.
ولا أي قناع عليه أن يرتدي.
التفت أحد المساهمين نحو هناء وقال:
— قرار إنهاء خدمات الأستاذة نورة يتوقف فورًا حتى إشعار آخر. ومن هذه اللحظة، يُعفى الأستاذ فهد السالم مؤقتًا من صلاحياته إلى انتهاء المراجعة الكاملة.
الصوت الذي خرج من فهد لم يكن صراخًا تمامًا.
كان صوت شخص يرى الأرض التي وقف عليها سنوات… تنهار فجأة.
— ما تقدرون تسوون هذا بسبب موظفة كبيرة حاقدة!
ولثانية، لم يتكلم أحد.
ثم تكلمت أنا.
— لم تفصلوني لأنني كبيرة بالعمر يا فهد… حاولتم إبعادي لأنني أتذكر.
أمسكت الصندوق من الأرض.
وضعت حقيبتي على كتفي.
وقبل أن أخرج من المكتب الذي بنيناه معًا منذ أيام الرطوبة والمكاتب المكسورة… التفت نحوه للمرة الأخيرة.
— كنت محقًا… الشركة كانت تحتاج نقلة. وأنا فعلًا بدأت بها.
خرجت وسط نظرات لم تعد شفقة.
ولا توترًا.
بل فهمًا متأخرًا.
وخوفًا.
وربما… احترامًا.
أمينة كانت تبكي بصمت.
ماجد خفض رأسه عندما مررت بجانبه.
أما ريم… فكانت ما تزال واقفة خلف الاستقبال، والوردة الحمراء ترتجف بين أصابعها.
لم أستخدم المصعد.
نزلت عبر الدرج.
ببطء.
كأنني أخرج أخيرًا من مبنى كنت أحمله وحدي فوق كتفي طوال سنوات.
في الخارج، كانت شمس الرياض الحادة تضرب مواقف السيارات بقوة.
ورائحة الإسفلت الساخن امتزجت بشيء يشبه الحرية.
جلست على المقعد القريب، والصندوق عند قدمي، والحقيبة فوق كتفي.
اهتز هاتفي.
رسالة من رئيس مجلس الإدارة:
“أستاذة نورة، نحتاج منك ألا تغادري بعيدًا. سنحتاج مساعدتك… وليس كموظفة تم فصلها. بل كمشرفة على المراجعة.”
قرأت الرسالة مرتين.
لم أبتسم فورًا.
أغمضت عيني أولًا.
ثم نظرت إلى يدي.
لم تكونا ترتجفان بعد الآن.
وعندها فقط… ابتسمت.
