الساعة كانت حصري لصفحة روايات رولا & ; الساعة كانت اتنين بعد نص الليل لما حماتي اتصلت عشان تبلغني إنها هي و8 من قرايبها جايين يقعدوا عندي كذا شهر: “البيت ده بيت ابني، فجهزي الأوض فوراً”. أنا رديت بكل بساطة: “يبقى حضرتك اللي هتاخديهم عندك وتستقبليهم”. قبلها بيومين بس، كنت مضيت على ورقة كانت الصبح بدري كفيلة إنها تقلب غرورها وشفطها لفلوسي لرعب حقيقي. الجزء الأول — بكرة الصبح بدري أخويا طارق ومراته وعياله وأحفاده هيكونوا عندك. هما تمانية، وهيقعدوا في شقتك لحد ما الصيف يخلص، فجهزي الشقة وشدي حيلك كده وتكون كل حاجة جاهزة. الساعة كانت اتنين بعد نص الليل لما حماتي، هدى، رمت عليا الأوردر ده في التليفون. ولا حتى كلفت نفسها تسألني لو ينفع أو مناسب. ما قالتش “إيه رأيك؟” ولا “ينفع تستضيفيهم؟”. بكل بساطة قررت إن تمان بني آدمين هيعيشوا شهور في بيتي. أنا اسمي مريم، عندي ستة وتلاتين سنة، ولقرابة أربع سنين كنت فاكرة إن الصبر هو هو الحب. — يا طنط هدى، تمان تنفار مرة واحدة؟ — سألتها وأنا لسه قاعدة على السرير ومذهولة — الشقة ما تشيلش كل ده اصلاً! — وتشيل ونص، الشقة كبيرة وما شاء الله واسعة. وبعدين دي شقة ابني، وأهله من حقهم يقعدوا فيها وقت ما يعجبهم. بصيت جنبي على حازم. جوزي كان نايم زي الملاك ولا حاسس بأي حاجة. يا لها من سخرية! على مدار سنين، أهله كانوا بيتباهوا قدام القرايب والنايب بـ “شقة حازم الفخمة”، مع إن حازم ما دفعش فيها مليم أصفر ولا جنيه واحد في أقساطها. الشقة كانت باسمي أنا وبس. أهلي هما اللي ساعدوني في المقدم قبل ما أتجوز، وبما إننا متجوزين بعقد استقلال مالی، فكل قسط كان بيطلع من حسابي البنكي أنا شخصياً. بس أنا عمري ما كسفت طنط هدى لما كانت بتقعد تتفشخر قدام الناس وتقول: ”ابني جاب لمريم شقة ملك، ست هانم قاعدالي فيها”. كنت بفضل أسكت عشان ما أحرجوش ولا أكسر نَفْسه. والسكوت ده كان أكبر غلطة عملتها في حياتي. الأول جيه ابن عم حازم قال إيه “أسبوعين كده” عقبال ما يظبط أموره وياخد كورسات في القاهرة. قعد يجي تلات شهور! بعدها جت عمته بعيالها الاتنين عشان عندهم مراجعات ودكاترة في القصر العيني. ولقيت نفسي أنا اللي بدفع الأكل والمواصلات وحتى كشف الدكاترة. وبعدها جيه ابن أخته يدرس في جامعة عين شمس، قالوا “ترم واحد بس يا مريم”. ما دفعش حتى شلن في فواتير النت ولا الكهربا. وكل ما أفتح بقي وأشتكي لحازم، كان بيردد نفس النغمة البايخة: — يا حبيبتي دول أهلي، معلش عشان خاطري أنا. في الوقت ده، أنا اللي كنت بدفع قسط الشقة، ومصاريف مدرسة بنتنا فريدة، وطلبات السوبرماركت، وفواتير الماية والكهربا والغاز، وكل مصاريف البيت. مرتب حازم كان بيطير في ثواني: تحويلات لأمه، وسلفيات لإخواته، و”ظروف طارئة” عند أهله ما بتخلصش أبداً. في الفجرية دي، في حاجة جوايا اتكسرت للابد. — مش هينفع يقعدوا هنا يا طنط هدى. الناحية Tani سكتت شوية. — قلتي إيه؟ — قلت لحضرتك مش هينفع ييجوا. — أنتِ بتطلعي مين عشان تمنعي أهل جوزك يدخلوا بيته؟ خدت نفس عميق. — أنا مش بمنعهم من دخول بيته. — أومال إيه؟ جهزي الأوض واستكتي! — مش هعرف أجهز حاجة، لأن الشقة دي خلاص ما بقتش ملكي. هدى نفسها اتقطع كام ثانية. — يعني إيه ما بقتش ملكك؟ بصيت على الظرف اللي فيه الأوراق اللي كنت شايلاها بقالي يومين في درج مكتبي. — أنا بعتها. — إيهههه؟! صرختها صحّت حازم من أحلى نومة. — البيع اتكتب وتم بالتسجيل في الشهر العقاري من يومين، وفي مالك جديد للشقة. — أنتِ اتجننتي؟! الشقة دي بتاعة حازم ابني! وهنا قلت الكلمة اللي كنت كاتماها بقالي أربع سنين في قلبي: — لا يا طنط.. عمرها ما كانت بتاعته. فهمتها إن العقد المكتوب من أول يوم باسمي أنا، وإن أهلي هما اللي دفعوا المهر والمقدم كله، وحازم ما حطش فيها جنيه واحد من جيبه. صوتها اتغير في لحظة. الغضب والفرعنة اختفوا، وبقى بدالهم رعب. — بس... بس طارق وقرايبه خلاص في الطريق ومقربين على القاهرة! — يبقى يروحوا ينزلوا عندك في الشقة. — شقتي ضيقة وما تشيلش كل دول! ابتسمت لأول مرة من بداية المكالمة. — يمكن دلوقتي بقى تفهمي يعني إيه تتصرفي وتتعازمي ببيوت الناس وأنتِ مش شايالة الهم ولا هتدفعي الثمن. وقفلت السكة في وشها. ورقت لقيت حازم واقف ورايا بصوت مرعوب. — مريم... قوليلي إن موضوع البيع ده مجرد لعبة أو كدبة بتخوفي بيها أمي. أنا قمت من على السرير وبصيت له. كان وشه أصفر زي الليمونة. — مش كدبة يا حازم. — بعتي بيتنا من غير ما ترجعيلي ولا تاخدي رأيي؟! — بعت بيتي أنا. قرب مني بغضب. — أنا جوزك! — وأنت على مدار أربع سنين كنت الراجل اللي عايش في شقة ببلاش ما يدفعش فيها قسط، وأنا اللي شايلة البيت والمصاريف، وأهلك بيتعاملوا مع فلوسي ومجهودي كأنه ملك أبوهوم! قبل ما يلحق يرد أو ينطق بكلمة، تليفونه هو اللي رن. كان عمه طارق. حازم رد بقلة حيلة وإيديه بترتعش. — يا حازم يا ابني! إحنا وصلنا موقف أقاليم رمسيس أهو، ومعانا الشنط والعيال كلهم.. تعال خذنا بقى، أمك قالت لنا إننا نازلين عندك في الشقة! حازم بصلي بنظرة رجاء وتوسل. أنا أخدت التليفون منه وحطيته على ودني. — صباح الخير يا أستاذ طارق.. معلش هتحودوا على شقة طنط هدى في الدقي. — أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ — الشقة اتباعت والمالك الجديد استلمها. — بس أختي هدى عزمتنا ووعدتنا بالمكان! — يبقى هي اللي توفي بوعودها بقى وتستضيفكم عندها. وقفلت الخط. حازم فتح بقه وكان لسه هيزعق ويتمسكن, بس في اللحظة دي جرس الباب رن بصوت قاسي. فتحت الباب.. كان فيه خمس عمال بلبس موحد واقفين في الطابق وعربية نقل كبيرة باينة من الشارع تحت. — صباح الخير يا مدام مريم — قالها الملاحظ — إحنا شركة النقل والمقاولات، جينالك في الميعاد عشان نشيل العفش والحاجة حسب القائمة والمحضر اللي اتفقنا عليه. حازم بصلي وهو مذهول ومصدوم, كأنه اكتشف فجأة إنه كان عايش أربع سنين مع واحدة تانية خالص غير اللي يعرفها. وما كانش يعرف إن كل ده كان مجرد البداية بس… الجزء الثاني وفعلاً، العمال بدأوا يلموا العفش، وحازم كان ماشي وراهم زي المجنون بيحاول يصحى من الكابوس. — مش من حقك تاخدي التلاجة! — الفاتورة باسمي. — والتلفزيون؟ — باسمي برضو. — والغسالة؟ — الفاتورة معايا. — يا مريم سبيلي أي حاجة! بصيت له بكل هدوء وقلت: — أنا سايبالك بالظبط نفس الحاجات اللي أنت شاركت بيها ودَفَعْت تمنها في البيت ده. الكلمة سكتته تماماً. عفشه الشخصي كله اتلم في ست كراتين، شركة النقل سابوهمله جنب الباب. حاجتي أنا وفريدة اتنقلت لشقة صغنونة كنت أوجرتها من أسبوع قريب من شغلي في المعادي. لما العمال خلصوا، نزلت ورحت العمارة اللي عايشة فيها طنط هدى في الدقي. ما كنتش رايحة أعمل مشكلة ولا أزعق. أنا على مدار سنين كنت عاملة دفع إلكتروني مباشر بفواتير الماية والصيانة والنت لشقتها من حسابي البنكي، وكنت رايحة أوقف كل السحوبات دي. أول ما الأسانسير فتح في دورها، لقيت المعمعة شغالة. شنط وأكياس وكراتين أكل ومظلات مالية الطرقة كلها. التمان بني آدمين بتوع عم طارق واقفين ومحشورين في الطرقة. — يا هدى! — عم طارق كان بيزعق وبصوته كله — أنتِ مش قلتي إن ابنيك عنده شقة ملك أربع أوض ورسيبشن كبير وصالة؟ جيبانا من الإسكندرية ومسافرين طول الطريق عشان تحشرينا في الشارع هنا؟! هدى كانت واقفة وطرحتها مقلوبة ووشها مصدوم. — أنا مالي! مريم العِفشة اتجننت في عقلها وباعت الشقة فجأة! الجيران كانوا باصين من الأبواب، والبودي جارد بتاع العمارة عمال يتحايل عليهم يشيلوا الشنط عشان قافلين مخرج الطوارئ. وفي اللحظة دي ظهر حازم. وصل في تاكسي وشايل الست كراتين بتوعه. أمه أول ما شافته لطمت على وشها: — أنت كمان جاي هنا يا حازم؟! حازم ما نطقش. ما كانش فيه مكان اصلاً لشنط طارق، فما بالك بابنها المتر في متر بالكراتين بتاعته. نزلت لإدارة العمارة، ألغيت الدفع الإلكتروني المباشر، وطلعت على الجاراج عشان أركب عربيتي. أول ما جيت أفتح العربية، سمعت صوت زعيق جامد. — هييييه! يا ولد أقف عندك! لقيت راجل طول بعرض ولابس قميص أبيض شيك واقف جنب عربية دفع رباعي سوداء فخمة. وكان فيه طفل عنده يجي سبع سنين واقف ماسك مفتاح في إيده. وعلى طول باب العربية كان فيه تجريح وتخبيش عميق جداً واصل للصاج. الراجل صاحب العربية كان باصص على التجريح ووشه ما بيتفسرش. الطفل ده كان آسر، ابن ابن طارق. في ثواني معدودة، طارق وهدى وحازم نزلوا يجروا. — إيه اللي حصل يا باشا؟ — سأل طارق. — الولد جرح عربيتي للمعدن بالمفتاح ده — رد الراجل بكل هدوء ورزانة. طارق بص على التجريح وضحك ضحكة هبلة: — معلش يا بيه، عيل صغير وبيلعب.. دي حبة بوليش وتطلع في ثواني! الراجل بص له من فوق لتحت: — دي مش بوليش، الصاج اتجرح ومحتاجة رش في التوكيل. — يا فندم ما تكبرش الموضوع! — أنا مش بكبر الموضوع، أنا هكلم التأمين وهطلب فاتورة التوكيل الرسمية. هدى اتدخلت بفراسة: — يا بيه أنت باين عليك ابن ناس ومعاك فلوس ما شاء الله، هتقف وتعمل مشكلة مع عيل صغير عشان حكة عربية؟! الراجل رد عليها بهدوء يقصم الرقبة: — كوني معايا فلوس مش معناه إني أسمح لأي حد يخرب ممتلكاتي. حازم قرب وبص على العربية ووشه اصفَر. هو عارف كويس تكلفتها كام في التوكيل. طارق بصل لحازم وقال: — حازم يا ابني، تصرف أنت وحل المشكلة دي، أنت ابننا الناجح اللي معاك فلوس. — أنا؟! — أيوا، أمك طول عمرها بتقول إنك بتكسب دهب ومريّش. حازم ما كانش عارف يودي وشه فين. — أنا معاييش فلوس دلوقتي يا عمي. — يعني إيه معاييكش؟! الموضوع بدأ يكبر وصوتهم يعلى، وفجأة طنط هدى لمحتني واقفة بعيد. عينيها اتغيرت في ثواني. وجت تجري عليا. — مريم! أنا عارفة النظرة دي كويس، هي هي نفس النظرة لما تكون محتاجة فلوس. — أنتِ لسه بايعة الشقة ومعاكي فلوس البيع.. ادفعي للراجل حقة التوكيل وخلصينا! حازم قرب هو كمان: — عشان خاطري يا مريم المرة دي بس، وأنا هرجعهم لك. الكلمة خلاني عايزه أضحك من قلبي: “المرة دي بس”. الكلمة دي اختصرت أربع سنين جواز. — لا. هدى اتصدمت: — يعني إيه لا؟! — فلوس الشقة دي مستقبل فريدة ومستقبلي أنا. — بس إحنا أهل! — لما تعوزوا شقة تقعدوا فيها ببلاش بنبقى أهل، لما تعوزوا سلفيات بنبقى أهل، لما تعوزوا حد يدفع الأكل والمصاريف بنبقى أهل.. بس لما كنت بحتاج راجل يصرف على بنته ويقف جنب بيته، محدش كان بيفتكر كلمة “أهل” دي خالص! محدش نطق. صاحب العربية كان واقف بيسمع ويراقب في صمت. قربت منه وقلت له: — يا فندم، اعمل بلاغك والمحضر المظبوط وما تتنازلش عن حقك ولا تسيب حد يضغط عليك. الراجل رفع حواجبه.. وبعدين ابتسم. ابتسامة غريبة.. حسيتها آلفة عليا. قلع النظارة الشمسية. أنا قلبي سقط في رجليا ومعدتي اتعصرت. — آسر؟! حازم رفع راسه بذهول وصدمة. آسر.. الراجل اللي ما شفتوش من أكتر من سبع سنين. واللي قاله بعد كده خلى حازم يقطع الخلف ويقف زي التماثيل. — وعلى فكرة.. إحنا محتاجين نتكلم كمان عن الشقة اللي أنا اشتريتها منك من يومين. الجزء الثالث — أنت اللي اشتريت الشقة؟! السؤال طلع من بقي بصوت واطي ومذهول. آسر هز راسه: — أيوا، عن طريق مكتب التسويق العقاري. أنا لما قررت أبيع الشقة، جاتلي معروضة سريعة وجادة جداً وكاش، والمكتب قال إن المالك مش عايز يفصح عن هويته غير بعد التسجيل والتسليم. ما سألتش في التفاصيل، كان كل همي أنقذ مالي وحقي وأمشي من البيئة دي. حازم قرب خطوة وهو متجنن: — أنت مين أنت كمان؟! آسر بص له بكل ثبات: — أنا زميل قديم لمريم. ”زميل” دي كانت أسهل كلمة لوصف اللي كان بينا. أنا وآسر اتعرفنا وأحنا في العشرينيات، قعدنا سنتين بينا إعجاب وتفاهم شديد بس ما تحولش لجواز رسمي. هو كان هادي، منظم، وعقله موزون. وأنا وقتها كنت فاكرة إن الهدوء ملل، والفرقعة والشقاوة هي الحب.. لحد ما ظهر حازم بكلامه المعسول ووعوعوده اللي في الهواء. أهلي كانوا بيفضلوا آسر جداً، وده خلاني أعاند أهلي كانوا بيفضلوا آسر جداً، وده خلاني أعاند أكتر وأتمسك بحازم. يااه.. قد إيه بني آدم بيبقى أعمى لما يفتكر إن اللي بينصحه عايز يتحكم فيه، قبل ما يدفع تمن أخطائه! — يعني أنتوا متفقين ومخططين للبيعة دي مع بعض؟! — حازم سأل بغل. — لا — رديت أنا فوراً. آسر أكد كلامي وقال: — مريم ما كانتش تعرف مين المشتري اصلاً. وبعدين بصلّي وشرح لي إن فيه صديقة مشتركة بيننا قالت له إني ببيع شقتي ومحتاجة أخلص بسرعة. هو شاف إعلان الشقة وعرف المنطقة، وسأل بذكاء. — الشقة كانت فرصة استثمار ممتازة — قال آسر — ولما عرفت إنها شقتك، قدمت عرض ندي ونظيف كاش من غير فصال ولا شروط تعجيزية. — عشان صعبت عليك؟ — سألته. نبرته اتغيرت: — عمرك ما تصعبي عليا يا مريم. أنا عارف إنك لو بتبيعي بالسرعة دي, يبقى بتاخدي خطوة مهمة في حياتك.. أنا بس سهلت عملية كانت بالنسبة لي استثمار ناجح. حازم ضحك بمرارة: — يا سلام! بالبساطة دي؟! لفيت وربعت إيدي وبصيت لحازم: — البساطة الحقيقية هي إنك عشت أربع سنين في شقة بمدفعش فيها جنيه قسط, وسايب أهلك فاكرين إنك أنت اللي جايبها! هدى اتدخلت تاني: — بس بقى يا مريم! كفاية جرح وإهانة في ابني! بصيت لها بعين حامية: — أنا ما افتريتش على حد ولا تبليت على حد.. أنا ما عزمتش تمان تنفار في بيت مش بيتي, وما عشتش أربع سنين باكل وبشرب من خير غيري, وما سبتش عيل صغير يبوظ عربيات الناس في الشارع! عم طارق صرخ: — ده كان حادثة وغصب عنه! آسر رد بثبات: — أنا مش بحاسب الطفل.. أنا بحاسب الكبار اللي سايبينه من غير رقابة. دي كانت المشكلة في العيلة دي, ديماً فيه حد تاني مفروض يشيل الشيلة! حد تاني يستضيف, حد تاني يصرف, حد تاني يحل المشاكل. ولأربع سنين كاملين.. الحد التاني ده كان أنا! مندوب شركة التأمين وصل, صور التجريح, وأخد البيانات, وبلغ عم طارق بالإجراءات الرسمية. محدش اتكلبش ولا اتعملت هيصة, بس كان فيه حاجة أصعب عليهم من الكلبشات: ورقة رسمية ومحضر برقم, وتكلفة هتتدفع يعجبهم ولا ما يعجبهمش. التكلفة في التوكيل كانت معدية الستين ألف جنيه! طارق وشة اصفَر وبص لحازم: — حازم.. تصرف وادفع معانا. حازم انفجر بصوت هز العمارة: — أدفع منين يا عمي؟! أنا كل قرش كنت بكسيبه كنت بديه لأمي! الهدوء نزل على المكان زي الصخرة. هدى اتسمرت مكانها, وعم طارق استغرب: — كل فلوسك؟! حازم كان بياخد نفسه بصعوبة: — أيوا! عشان تصليح الشقة, وعشان ديون أخويا, وعشان علاج ستي, وعشان المشروع الفاشل اللي ما نجحش! عشان الفسح والعزومات! أمه حاولت تسكته: — يا ابني بس… — لا مش هسكت يا أمي! مريم كانت بتدفع قسط الشقة وأنا بحول لك مرتبي عشان قلتيلي “الابن البار ما يسيبش أمه”! — ما أنا أمك! — وفريدة بنتي! الكلمة دي وجعتني جداً.. لأنها الحقيقة. بنتنا فريدة كانت بتطلب جزمة جديدة للتمارين أو مصاريف نشاط في المدرسة, وحازم كان يقعد يتحسسر ويقول “الشهر الجاي يا فريدة”, وفي نفس الوقت بيبعت ألفات لأمه وأهله. حازم قعد على الرصيف وبكى زي العيل الصغير. — أنا عملت إيه في نفسي وفي بيتي… ما رديتش عليه.. لأن فيه إجابات بتيجي متأخرة أوي. أخدت فريدة ورحت شقتنا الجديدة في المعادي. كانت شقة صغنونة, أوضتين وصالة وبلكونة صغيرة.. بس أول ما فريدة دخلت أوضتها ولقيت ألعابها وكتبها ورصت حاجتها, ضحكت وقالت لي: — يا ماما.. هي دي الشقة اللي هنعيش فيها أنا وانتِ بس؟ وطت ومسكت إيديها: — أيوا يا حبيبتي. — ومافيش ناس كتير هيجوا يناموا في أوضتي تاني؟ دموعي جرت في سري.. ما كنتش فاكرة إن بنتي كانت متضايقة ومتحملة كل ده. — لا يا قلب ماما.. أوضتك دي بتاعتك أنتِ وبس. حضنتني بقوة.. وفي الليلة دي, أنا نمت أنضف وأحلى نومة نمتها من أربع سنين. تاني يوم كلمت المحامية بتاعتي عشان نبدأ في إجراءات الطلاق. أنا ما باعتش الشقة كرد فعل مكالمة طنط هدى.. المكالمة دي بس كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وعجلت باللي كنت مرتبة له بقالي شهور. كنت جمعت فواتير وسحوبات بنكية وتحويلات. لما جمعت الأرقام, اتصدمت! أنا كنت صارفة أكتر من 200 ألف جنيه على أهله وسلفياتهم وعزوماتهم ومصاريفهم طوال أربع سنين. غير بقى تنازلي عن راحتي, ووقتي, وكرامتي, وحقي إن أقول “لا”. رفعنا قضية الطلاق. حازم كلمني بالليل: — أنتِ بجد هتهدي بيتك يا مريم؟ — البيت اتهد من زمان يا حازم. — أنا هتغير! — هتتغير عشان عرفت غلطتك؟ ولا عشان الشقة راحت والسبوبة اتفضت؟ سكت وما عرفش يرد. — مريم.. اديني فرصة تانية. — أن أديتك أربع سنين كاملين فرصة. — أمي بتقول إن آسر هو اللي لعب في دماغك. ضحكت بصوت واطي: — طبعاً.. أمك ديماً محتاجة تلاقي شماعة ترمي عليها أخطائها! — أنتِ معاه؟ — لا.. أنا مع نفسي ومع بنتي. وده كان صح. آسر بعتلي مسج واحدة بس بعد حادثة العربية: “أتمنى تكوني أنتِ وفريدة بخير.. مش محتاجة تردي”. ما طلبش يخرج معايا, ما استغلش ظروفي, ما حاولش يعمل فيها البطل.. وده خلاني أحترمه أكتر وأفتكر أصله الطيب. اللي حصل في شقة طنط هدى ما كملش 48 ساعة. عم طارق وعيلته أخدوا شنطهم ورجعوا إسكندرية متغاظين.. لما اكتشفوا إن “الفشخرة والغننى” بتاعة حازم كانت مجرد وهم مدفوع من جيب مراته! ولما هدى قالت لهم الشقة ضيقة وما فيش مصاريف, حصلت خناقة كبيرة في الطرقة وعم طارق قالها: “أنتِ ضحكتِ علينا وقلتِ ابنك مريّش! طلع قاعد في شقة مراته وراجع لك بـ 6 كراتين!”. عم طارق اضطر يبيع موتوسيكل عنده واستلف من عياله الكبار عشان يدفع تمن تصليح عربية آسر للتأمين.. سبحان الله! لما الشيلة أترمت عليهم, عرفوا يتصرفوا ويحلوا مشاكلهم من غيري! حازم قعد مع أمه كام أسبوع, وكانت العيشة بينهما جحيم. لأول مرة بقى مطلوب منه يدفع نور وماية وأكل وشرب لأمه من مرتبه الصافي, واكتشف المفاجأة الكبرى: الفلوس اللي كان بيبعتها لأمه طول السنين دي ما كانتش متشالة ولا متصانة زي ما كانت بتقول له.. أمه كانت بتوزعها على قرايبها وإخواته! لما جه يحسب معاها الفلوس, ما لقاش غير فتافيت! حازم قابلني بعد كام شهر في كافيه عشان أوراق تخص فريدة والمدرسة. كان شكله متجرف, خاسس وتعبان.. وما بقاش فيه الغرور بتاع زمان. — كان عندك حق يا مريم.. ياريتني ما عملت كده. — وأنا كمان ياريتني ما صبرت كل ده. — أنا كنت فاكر إن البر بالوالدين معناه أوافق على كل حاجة وأهد بيتي. — ونسيت إنك أب وزوج ومسؤول عن عيلة. هز راسه وهو بيعيط: — سامحيني يا مريم.. أنا مش هطلب منك ترجعيلي, أنا بس عايزك تسامحيني. لأول مرة ما قالش “بس”, وما رمىش اللوم على أمه ولا على عمه ولا على آسر. — مسامحاك يا حازم.. بس التسامح مش معناه إننا نرجع. — عارف. الطلاق تم بهدوء بعد كدا, وحازم بقى ملتزم بمصاريف فريدة وبيشوفها بانتظام.. لما شال المسؤولية غصب عنه, بدأ يفهم يعني إيه يكون أب بجد مش مجرد كلمة. آسر بدأ يرجع لحياتي بالتدريج.. خطوة خطوة, من غير استعجال. قهوة.. بعدها غداء.. وبعدها بشركة في المعارض. عمره ما جاب سيرة حازم بالوحش, ولا استغل نقط ضعفي. في يوم كنا قاعدين في البلكونة, سألته: — آسر.. أنت ليه اشتريت الشقة دي بجد؟ ابتسم وقال: — استثمار ممتاز يا مريم. — آسر! ضحك وقال: — بصراحة.. لما عرفت إنها شقتك, افتكرت مريم بتاعة زمان.. البنت القوية اللي بتقول رأيها بصراحة وما بتسمحش لحد يركبها أو يفرضه عليها. بصيت للشارع وقلت: — مريم دي اختفت من زمان أوي. — لا.. ما اختفتش, كانت بس تعبانة ومحتاجة ترتاح. الكلمة دي لمست قلبي. أنا قعدت فترة ألوم نفسي.. ليه سكتّ؟ ليه دفعت؟ ليه سمحت لهم؟ لحد ما فهمت إن جلد الذات مش هيغير اللي فات. أنا غلطت لما افتكرت إن التضحية المطلقة هي الحب, ولما خفت أقول “لا” عشان ما أطلعش شريرة. بس أنا كمان اللي وقفت وقالت “كفاية”. أنا اللي حبتها, وأنا اللي حفظت حقي وحق بنتي, وأنا اللي بعت الشقة, وأنا اللي قفلت الباب في وش الاستغلال. النهاردة أنا عايشة في شقتي بالمعادي. مش قصر, ومافيش جنينة, بس فيها راحة بال تسوى ملايين. فريدة ليها أوضتها, وأنا ليا وقتي وراحتي وكرامتي. واتعلمت أهم كلمة في الدنيا: “لا”. لا مش هقدر أسلفك. لا مش هينفع تقعدوا عندي. لا مش هدفع الفاتورة دي. لا مش هسمح لك تتكلم معايا بالطريقة دي. كلمة صغيرة من حرفين, بس ممكن تنقذ سنين من عمرك لو قولتيها في الوقت الصح. آسر موجود في حياتي, ومش مستعجلة أعرف شكل علاقتنا هيبقى إيه كمان خمس سنين.. أنا بتعلم تاني إن الحب النظيف ما بيجيش بأوامر الساعة اتنين بالليل, ولا بيتفشخر بحاجة ما دفعش تمنها, ولا بيمسح كرامتك عشان يرضي أهله. حماتي زمان قالت إن بيعي للشقة كان أكتر عمل “أناني” عملته في حياتي.. يمكن تكون صح! لأني ولأول مرة كنت “أنانية” كفاية عشان أحمي بنتي, ونفسي, وكرامتي, وراحة بالي. النهاية.