الساعه كانت حصري لصفحة روايات رولا

أهلي كانوا بيفضلوا آسر جداً، وده خلاني أعاند أكتر وأتمسك بحازم. يااه.. قد إيه بني آدم بيبقى أعمى لما يفتكر إن اللي بينصحه عايز يتحكم فيه، قبل ما يدفع تمن أخطائه! ​— يعني أنتوا متفقين ومخططين للبيعة دي مع بعض؟! — حازم سأل بغل. ​— لا — رديت أنا فوراً. آسر أكد كلامي وقال: ​— مريم ما كانتش تعرف مين المشتري اصلاً. وبعدين بصلّي وشرح لي إن فيه صديقة مشتركة بيننا قالت له إني ببيع شقتي ومحتاجة أخلص بسرعة. هو شاف إعلان الشقة وعرف المنطقة، وسأل بذكاء. ​— الشقة كانت فرصة استثمار ممتازة — قال آسر — ولما عرفت إنها شقتك، قدمت عرض ندي ونظيف كاش من غير فصال ولا شروط تعجيزية. ​— عشان صعبت عليك؟ — سألته. نبرته اتغيرت: ​— عمرك ما تصعبي عليا يا مريم. أنا عارف إنك لو بتبيعي بالسرعة دي, يبقى بتاخدي خطوة مهمة في حياتك.. أنا بس سهلت عملية كانت بالنسبة لي استثمار ناجح. حازم ضحك بمرارة: ​— يا سلام! بالبساطة دي؟! لفيت وربعت إيدي وبصيت لحازم: ​— البساطة الحقيقية هي إنك عشت أربع سنين في شقة بمدفعش فيها جنيه قسط, وسايب أهلك فاكرين إنك أنت اللي جايبها! هدى اتدخلت تاني: ​— بس بقى يا مريم! كفاية جرح وإهانة في ابني! بصيت لها بعين حامية: ​— أنا ما افتريتش على حد ولا تبليت على حد.. أنا ما عزمتش تمان تنفار في بيت مش بيتي, وما عشتش أربع سنين باكل وبشرب من خير غيري, وما سبتش عيل صغير يبوظ عربيات الناس في الشارع! عم طارق صرخ: ​— ده كان حادثة وغصب عنه! آسر رد بثبات: ​— أنا مش بحاسب الطفل.. أنا بحاسب الكبار اللي سايبينه من غير رقابة. دي كانت المشكلة في العيلة دي, ديماً فيه حد تاني مفروض يشيل الشيلة! حد تاني يستضيف, حد تاني يصرف, حد تاني يحل المشاكل. ولأربع سنين كاملين.. الحد التاني ده كان أنا! مندوب شركة التأمين وصل, صور التجريح, وأخد البيانات, وبلغ عم طارق بالإجراءات الرسمية. محدش اتكلبش ولا اتعملت هيصة, بس كان فيه حاجة أصعب عليهم من الكلبشات: ورقة رسمية ومحضر برقم, وتكلفة هتتدفع يعجبهم ولا ما يعجبهمش. التكلفة في التوكيل كانت معدية الستين ألف جنيه! طارق وشة اصفَر وبص لحازم: ​— حازم.. تصرف وادفع معانا. حازم انفجر بصوت هز العمارة: ​— أدفع منين يا عمي؟! أنا كل قرش كنت بكسيبه كنت بديه لأمي! الهدوء نزل على المكان زي الصخرة. هدى اتسمرت مكانها, وعم طارق استغرب: ​— كل فلوسك؟! حازم كان بياخد نفسه بصعوبة: ​— أيوا! عشان تصليح الشقة, وعشان ديون أخويا, وعشان علاج ستي, وعشان المشروع الفاشل اللي ما نجحش! عشان الفسح والعزومات! أمه حاولت تسكته: ​— يا ابني بس… ​— لا مش هسكت يا أمي! مريم كانت بتدفع قسط الشقة وأنا بحول لك مرتبي عشان قلتيلي “الابن البار ما يسيبش أمه”! ​— ما أنا أمك! ​— وفريدة بنتي! الكلمة دي وجعتني جداً.. لأنها الحقيقة. بنتنا فريدة كانت بتطلب جزمة جديدة للتمارين أو مصاريف نشاط في المدرسة, وحازم كان يقعد يتحسسر ويقول “الشهر الجاي يا فريدة”, وفي نفس الوقت بيبعت ألفات لأمه وأهله. حازم قعد على الرصيف وبكى زي العيل الصغير. ​— أنا عملت إيه في نفسي وفي بيتي… ما رديتش عليه.. لأن فيه إجابات بتيجي متأخرة أوي. أخدت فريدة ورحت شقتنا الجديدة في المعادي. كانت شقة صغنونة, أوضتين وصالة وبلكونة صغيرة.. بس أول ما فريدة دخلت أوضتها ولقيت ألعابها وكتبها ورصت حاجتها, ضحكت وقالت لي: ​— يا ماما.. هي دي الشقة اللي هنعيش فيها أنا وانتِ بس؟ وطت ومسكت إيديها: ​— أيوا يا حبيبتي. ​— ومافيش ناس كتير هيجوا يناموا في أوضتي تاني؟ دموعي جرت في سري.. ما كنتش فاكرة إن بنتي كانت متضايقة ومتحملة كل ده. ​— لا يا قلب ماما.. أوضتك دي بتاعتك أنتِ وبس. حضنتني بقوة.. وفي الليلة دي, أنا نمت أنضف وأحلى نومة نمتها من أربع سنين. تاني يوم كلمت المحامية بتاعتي عشان نبدأ في إجراءات الطلاق. أنا ما باعتش الشقة كرد فعل مكالمة طنط هدى.. المكالمة دي بس كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وعجلت باللي كنت مرتبة له بقالي شهور. كنت جمعت فواتير وسحوبات بنكية وتحويلات. لما جمعت الأرقام, اتصدمت! أنا كنت صارفة أكتر من 200 ألف جنيه على أهله وسلفياتهم وعزوماتهم ومصاريفهم طوال أربع سنين. غير بقى تنازلي عن راحتي, ووقتي, وكرامتي, وحقي إن أقول “لا”. رفعنا قضية الطلاق. حازم كلمني بالليل: ​— أنتِ بجد هتهدي بيتك يا مريم؟ ​— البيت اتهد من زمان يا حازم. ​— أنا هتغير! ​— هتتغير عشان عرفت غلطتك؟ ولا عشان الشقة راحت والسبوبة اتفضت؟ سكت وما عرفش يرد. ​— مريم.. اديني فرصة تانية. ​— أن أديتك أربع سنين كاملين فرصة. ​— أمي بتقول إن آسر هو اللي لعب في دماغك. ضحكت بصوت واطي: ​— طبعاً.. أمك ديماً محتاجة تلاقي شماعة ترمي عليها أخطائها! ​— أنتِ معاه؟ ​— لا.. أنا مع نفسي ومع بنتي. وده كان صح. آسر بعتلي مسج واحدة بس بعد حادثة العربية: “أتمنى تكوني أنتِ وفريدة بخير.. مش محتاجة تردي”. ما طلبش يخرج معايا, ما استغلش ظروفي, ما حاولش يعمل فيها البطل.. وده خلاني أحترمه أكتر وأفتكر أصله الطيب. اللي حصل في شقة طنط هدى ما كملش 48 ساعة. عم طارق وعيلته أخدوا شنطهم ورجعوا إسكندرية متغاظين.. لما اكتشفوا إن “الفشخرة والغننى” بتاعة حازم كانت مجرد وهم مدفوع من جيب مراته! ولما هدى قالت لهم الشقة ضيقة وما فيش مصاريف, حصلت خناقة كبيرة في الطرقة وعم طارق قالها: “أنتِ ضحكتِ علينا وقلتِ ابنك مريّش! طلع قاعد في شقة مراته وراجع لك بـ 6 كراتين!”. عم طارق اضطر يبيع موتوسيكل عنده واستلف من عياله الكبار عشان يدفع تمن تصليح عربية آسر للتأمين.. سبحان الله! لما الشيلة أترمت عليهم, عرفوا يتصرفوا ويحلوا مشاكلهم من غيري! حازم قعد مع أمه كام أسبوع, وكانت العيشة بينهما جحيم. لأول مرة بقى مطلوب منه يدفع نور وماية وأكل وشرب لأمه من مرتبه الصافي, واكتشف المفاجأة الكبرى: الفلوس اللي كان بيبعتها لأمه طول السنين دي ما كانتش متشالة ولا متصانة زي ما كانت بتقول له.. أمه كانت بتوزعها على قرايبها وإخواته! لما جه يحسب معاها الفلوس, ما لقاش غير فتافيت! حازم قابلني بعد كام شهر في كافيه عشان أوراق تخص فريدة والمدرسة. كان شكله متجرف, خاسس وتعبان.. وما بقاش فيه الغرور بتاع زمان. ​— كان عندك حق يا مريم.. ياريتني ما عملت كده. ​— وأنا كمان ياريتني ما صبرت كل ده. ​— أنا كنت فاكر إن البر بالوالدين معناه أوافق على كل حاجة وأهد بيتي. ​— ونسيت إنك أب وزوج ومسؤول عن عيلة. هز راسه وهو بيعيط: ​— سامحيني يا مريم.. أنا مش هطلب منك ترجعيلي, أنا بس عايزك تسامحيني. لأول مرة ما قالش “بس”, وما رمىش اللوم على أمه ولا على عمه ولا على آسر. ​— مسامحاك يا حازم.. بس التسامح مش معناه إننا نرجع. ​— عارف. الطلاق تم بهدوء بعد كدا, وحازم بقى ملتزم بمصاريف فريدة وبيشوفها بانتظام.. لما شال المسؤولية غصب عنه, بدأ يفهم يعني إيه يكون أب بجد مش مجرد كلمة. آسر بدأ يرجع لحياتي بالتدريج.. خطوة خطوة, من غير استعجال. قهوة.. بعدها غداء.. وبعدها بشركة في المعارض. عمره ما جاب سيرة حازم بالوحش, ولا استغل نقط ضعفي. في يوم كنا قاعدين في البلكونة, سألته: ​— آسر.. أنت ليه اشتريت الشقة دي بجد؟ ابتسم وقال: ​— استثمار ممتاز يا مريم. ​— آسر! ضحك وقال: ​— بصراحة.. لما عرفت إنها شقتك, افتكرت مريم بتاعة زمان.. البنت القوية اللي بتقول رأيها بصراحة وما بتسمحش لحد يركبها أو يفرضه عليها. بصيت للشارع وقلت: ​— مريم دي اختفت من زمان أوي. ​— لا.. ما اختفتش, كانت بس تعبانة ومحتاجة ترتاح. الكلمة دي لمست قلبي. أنا قعدت فترة ألوم نفسي.. ليه سكتّ؟ ليه دفعت؟ ليه سمحت لهم؟ لحد ما فهمت إن جلد الذات مش هيغير اللي فات. أنا غلطت لما افتكرت إن التضحية المطلقة هي الحب, ولما خفت أقول “لا” عشان ما أطلعش شريرة. بس أنا كمان اللي وقفت وقالت “كفاية”. أنا اللي حبتها, وأنا اللي حفظت حقي وحق بنتي, وأنا اللي بعت الشقة, وأنا اللي قفلت الباب في وش الاستغلال. النهاردة أنا عايشة في شقتي بالمعادي. مش قصر, ومافيش جنينة, بس فيها راحة بال تسوى ملايين. فريدة ليها أوضتها, وأنا ليا وقتي وراحتي وكرامتي. واتعلمت أهم كلمة في الدنيا: “لا”. لا مش هقدر أسلفك. لا مش هينفع تقعدوا عندي. لا مش هدفع الفاتورة دي. لا مش هسمح لك تتكلم معايا بالطريقة دي. كلمة صغيرة من حرفين, بس ممكن تنقذ سنين من عمرك لو قولتيها في الوقت الصح. آسر موجود في حياتي, ومش مستعجلة أعرف شكل علاقتنا هيبقى إيه كمان خمس سنين.. أنا بتعلم تاني إن الحب النظيف ما بيجيش بأوامر الساعة اتنين بالليل, ولا بيتفشخر بحاجة ما دفعش تمنها, ولا بيمسح كرامتك عشان يرضي أهله. حماتي زمان قالت إن بيعي للشقة كان أكتر عمل “أناني” عملته في حياتي.. يمكن تكون صح! لأني ولأول مرة كنت “أنانية” كفاية عشان أحمي بنتي, ونفسي, وكرامتي, وراحة بالي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *