القايمة بتاعتي اختفت من بيت أبويا قبل الفرح بكم يوم…

القائمة بتاعتي اختفت من بيت أبويا قبل الفرح بكم يوم…
أنا عمري ما كنت أتخيل إن ورقة ممكن تقلب حياة عيلة كاملة… ورقة واحدة… كانت متحطوطة في درج أوضة أبويا من يوم كتب كتابي القايمة…. ورقة ناس كتير بتقول إنها مجرد ضمان، وناس تانية بتعتبرها أهم من عقد الجواز نفسه. وأنا كنت من النوع اللي عمره ما فكر فيها. كنت بقول طول ما بيني وبين جوزي عشرة واحترام، يبقى الورق ملوش لازمة.
لكن اللي حصل غير كل أفكاري.
أنا متجوزة بقالي سنة ونص، والحمد لله حياتنا كانت مستقرة. صحيح كان بيحصل بينا خناقات زي أي اتنين، لكن عمرها ما وصلت إننا نسيب بعض أو حد يمد إيده على التاني.
في يوم الجمعة، روحت بيت أبويا عشان أساعد أمي ترتب الأوضة اللي فوق. كنا بنطلع هدوم قديمة وأوراق، وفجأة أمي قالت: هاتي القايمة نحطها مع بقية الورق المهم.
ابتسمت وأنا بقول: هي لسه موجودة زي ما هي يا أمي.
فتحت الدرج… قلبت الملفات… طلعت كل الورق… لكن القايمة… مش موجودة.
في الأول افتكرنا إننا حطيناها في مكان تاني. قلبنا البيت كله. الدولاب. النيش. الدروج. حتى الكراتين اللي فوق الدولاب. مفيش… بدأت أمي تتوتر، وقالت وهي بتبص لأبويا: إنت نقلتها؟
هز راسه: والله ما لمستها…. قعدنا أكتر من ساعتين بندور. لحد ما أبويا سكت فجأة. بصلي وقال: آخر مرة حد غريب دخل الأوضة دي كان إمتى؟
افتكرت بسرعة. من أسبوعين… جوزي كان عندنا. وأنا كنت نازلة أجيب حاجة من السوبر ماركت، وهو فضل فوق مع أبويا شوية…. الكلمة دي أول ما خرجت مني… لقيت أمي وشها اتغير. وأبويا بقى ساكت. وأخويا قال بمنتهى الحدة: يعني محدش دخل غيره؟…. قلبي دق بسرعة. قلت بعصبية: إيه اللي بتقولوه؟….. قال: بقول اللي واضح. صرخت: إنتوا بتتهموا جوزي؟
قال: أنا بتهم اللي كان آخر واحد دخل الأوضة.
حسيت إني مخنوقة. كنت عايزة أدافع عنه. لكن في نفس الوقت… فعلاً هو آخر واحد دخل.
رجعت البيت وأنا دماغي هتنفجر. طول الطريق كنت بقول لنفسي: مستحيل.
أول ما دخلت لقيته قاعد بيتفرج على الماتش بكل هدوء. ابتسم وقال: إيه يا ستي؟ اتأخرتي ليه؟
بصيت في وشه. حاولت أقرأ ملامحه. هل ممكن يكون عملها؟ هل ممكن يكون أخد القايمة؟ ليه؟
قعدت قدامه وسألته بهدوء: إنت طلعت أوضة بابا لوحدك الأسبوع اللي فات؟
قال ببساطة: آه.
عملت إيه هناك؟
استغرب السؤال. قال: ولا حاجة… كنت مستنيه ينزل يجيب الشاي…
فضلت باصة له. قال وهو ضاحك: مالك؟ بتحققي معايا؟
كنت نفسي أضحك. لكن مقدرتش. قلت: القايمة اختفت.
ابتسامته اختفت. يعني إيه اختفت؟
حكيتله. بصلي كام ثانية. وبعدين قال: هو إنتوا شاكين فيا؟
سكت. لأن السكوت كان أهون من الكدب.
قام وقف مرة واحدة. وقال بصوت عالي: يعني بعد سنة ونص جواز بقيت حرامي؟
قلت بسرعة: أنا مقولتش كده.
قال: بس فكرتي فيها.
الكلمة دي وجعتني. لأنه كان عنده حق. أنا فعلاً فكرت. حتى لو ثانية.
لبس هدومه وقال: أنا خارج.
قلت: رايح فين؟
قال من غير ما يبصلي: أي مكان… أحسن ما أفضل في بيت واحدة شاكة في شرفي.
وسابني. طول الليل معرفتش أنام. كل ما أغمض عيني أشوف وشه. وأفتكر كلام أهلي. وأقول لنفسي… يمكن هو بريء. ويمكن لأ.
تاني يوم الصبح، أخويا كلمني. قال: تعالي بسرعة.
روحت. لقيت البيت كله متجمع. وأبويا ماسك ورقة. أول ما دخلت قال: لقيت حاجة هتثبت مين اللي خد القايمة.
قلبي وقف. قلت: إيه؟
فتح كفه. كان ماسك إيصال ماكينة ATM. وقال: الإيصال ده لقيناه تحت السرير في نفس الأوضة.
استغربت. قال: بصّي على التاريخ.
بصيت. نفس اليوم اللي جوزي كان عندنا. وقبل ما أستوعب أي حاجة… أخويا قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: والاسم المكتوب على الإيصال… مش جوزك بس يا هانم، ده اسم صاحب محل الدهب اللي تحت البيت هنا!
وقفت مكاني مش فاهمة حاجة. حاسة إن مخي عاجز عن استيعاب الجملة. أخدت الورقة من إيد أبويا بإيد بترعش. الإيصال كان بعملية سحب بمبلغ كبير، باسم صاحب محل الدهب، والتاريخ بنفس اليوم والساعة اللي جوزي كان طالع فيها الأوضة فوق! أخويا زعق بصوت هز البيت: “فهمتي بقى؟ الباشا جوزك أخد القايمة عشان يبيع الدهب والمؤخر أو يحط أهلك في حرج، واتفق مع الراجل ده.. والإيصال ده وقع منه وهو بياخد الورق من الملف!”
أمي قعدت تعيط وتلطم على وشها: “يا خيبة أملنا.. يادي الفضيحة! طلع عيننا ومشتريين دهب بالشيء الفلاني وفي الآخر يتباع بالرخص؟!” أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط. الصورة مش راكبة. أحمد (جوزي) بيحبني، وعمره ما كان طماع، وطول السنة ونصف اللي عشتهم معاه كان أبعد ما يكون عن السلوك ده. طلعت تليفوني وأنا بكياني كله بترعش، واتصلت بيه. ما ردش من أول مرة.. ولا تاني مرة. في التالتة فتح، وصوته كان مكسور ومخنوق: “عايزة إيه يا ندى؟ مش خلاص طلعتيني حرامي ومشينا؟”
صرخت فيه والدموع نازلة من عيني: “تعالَ يا أحمد.. تعالَ بيت أبويا حالا! في حاجة لازم تفهمها وتواجهنا بيها.. لو ليك حق تعالَ خده، ولو الموضوح زي ما هما شايفين يبقى نتطلق فوراً!” أحمد قال بثبات مرعب: “أنا جاي.. ومش عشان أدافع عن نفسي، عشان أوريكوا إنكوا ظلمتوني، وإن البصمة اللي على قفاكم كلكم أقدم بكثير من القايمة اللي تدوروا عليها!” قفل السكة. نص ساعة مرت علينا زي السكين اللي بتذبح في العنق. الكل قاعد مستني.. أبويا وشايل غل الدنيا، أخويا ماسك تليفونه ومستعد للضرب، وأمي بتدعك في إيديها.
الباب خبط. أخويا فتح وشد أحمد من هدومه، بس أحمد زقه ببرود وغضب، ودخل وقّف في نص الصالة. بص في عين أبويا وقال: “الإيصال اللي معاكم في الأوضة ده.. إيصال حسابه إيه؟ وباسم مين بالضبط؟” أبويا قام وقال بغضب: “باسم صاحب محل الدهب يا حرامي! وقع منك وأنت بتسرق القايمة!” أحمد ضحك.. ضحكة مكسورة وجيعة تدبح. طلع من جيبه ملف أسود وحطه على الترابيزة بضربة هزت المكان: “أنا ماسرقتش القايمة يا عمي.. القايمة أنا لقيتها في أختام محل الدهب ده مظبوط! بس عارف القايمة دي كانت رايحة فين؟ وباسم مين؟”
سكتنا كلنا.. أحمد فتح الملف وتكلم وصوته بيرتجف من القهر: “القايمة دي كانت مكسورة ومحطوطة رهن عند صاحب محل الدهب من سنتين.. من قبل ما أتجوز ندى بـ 6 شهور!” أبويا وشه اتخطف. أبيضّ زي الملاية! أمي صرخت: “إيه اللي بتقوله ده؟ رهن إيه؟!”
أحمد كمل وهو يبص لأبويا بثبات: “عمي.. أنت بعت الدهب بتاع ندى قبل الفرح عشان تسدد ديون الشغل والتجارة اللي خسرتها! ولما صاحب محل الدهب هددك بالوصلات، أديته قايمة جواز بنتك المتمومة ومبصومة على بيع وشراء، وأخدت منه مهلة! وأنا لما طلعت الأوضة فوق من أسبوعين، لقيت صاحب محل الدهب نفسه واقف معاك في الأوضة وبيطالب بالفلوس وبيقولك إنه هيبيع الدهب اللي في القايمة ويبعث صور الورق للبوليس لو ما سددتش!”
أنا بصيت لأبويا.. كنت مستنية يقوله أنت كذاب! مستنية يضربه.. يعفّره! بس أبويا نزل راسه في الأرض وسكت.. سكوت أدق وأبشع من ألف اعتراف! أحمد بصلي والدموع في عينه: “أنا ما أخدتش القايمة أسرقها يا ندى.. أنا أخدت الإيصال وسددت دَين أباكِ لحساب صاحب الدهب من تحويشة عمرري عشان أصون بيتي وأحمي اسم عيلتك من الفضيحة! عشان ما أصحاش يوم ألاقي أباكِ مقبوض عليه وبنت الناس اللي اتجوزتها رأسها مكسورة قدام الخلق!”
أنا وقعت على الركبتين في الأرض.. الدنيا دارت بيا. أخويا بص لأبويا وذهوله مش سايب في وشه ملامح: “يا بابا.. الكلام ده صح؟ أنت رُهنت قايمة أختي وبايع دهبها من قبل الفرح؟!”
أبويا غطى وشه بإيديه وبدأ يعيط بصوت مكتوم: “كنت هروح السجن يا ابني.. التجارة طارت والديون كلت لحمي.. قلت هسدد قبل ما حد يحس.. بس الوقت جرى مني!” أحمد بصلي بوجع عمره ما هيروح من قلبي، وقال وهو ماشي ناحية الباب: “أنا صنت اسمك وأهلك.. بس أنتِ ما صنتيش ظني فيكِ، وشكيتِ فيا من أول قلم. الورق والقايمة وسداد الدين كله في الملف ده يا ندى.. والورقة اللي كانت خايفة عليها عيلتك، أهي رجعت.. بس للأسف، الحقيقة كشفت إن أقرب الناس ليكي هما اللي باعوا، وإن اللي اتتهمتيه بالحرامية هو الوحيد اللي اشترى…”
خرج أحمد وساب الباب مفتوح.. وسابنا كلنا في الأوضة، يتمنى كل واحد فينا لو الأرض تنشق وتبلعنا، ولو القايمة دي فضلت ضايعة… والحقيقة المرة دي ما ظهرت أبداً! صوت خبطة الباب لما أحمد خرج كان عامل زي صوت جرس إنذار صحاني من كابوس بكتشف فيه إن الكابوس هو حياتي والحقيقة. بصيت على أبويا اللي كان قاعد على الكرسي حاطط وشه بين إيديه وبيعيط بقلة حيلة، وأخويا اللي واقف مصدوم مش قادر يرفع عينه فيا، وأمي اللي صوت شهقاتها كان مالي المكان. في لحظة واحدة، حسيت إن البيت ده بكل ذكرياته بقى خنيق، ورجليا مش قادرة تشيلني.
مسكت الملف الأسود اللي أحمد سابه على الترابيزة.. فتحته بإيد بتترعش.
كانت فيه القايمة الأصلية، ومعاها إيصال السداد بمبلغ ضخم جداً من حساب أحمد، ومخالصة رسمية ومبصومة من صاحب محل الدهب بتثبت إن الدين اتسدد بالكامل ومفيش أي مستحقات. أحمد دفع تحويشة عمره، الفلوس اللي كان بيجمعها عشان نكبر شقتنا ونبدأ مشروع صغير، دفعها عشان يغطي على سر أبويا ويحمي سمعة العيلة اللي اتهمته في شرفه بعد كل ده!
بصيت لأبويا وقلت بصوت حزين ومكسور: “ليه يا بابا؟ ليه عملت فينا كده؟ وليه سبتني أشك فيه وأظلمه وأنا شايفاك ساكت؟”
أبويا رفع وشه وهو بيعيط: “يا بنتي كنت مكسور.. كنت خايف الفضيحة تطولنا، وكل يوم أقول بكرة هسدد وأرجع الورق من غير ما حد يعلم.. والله ما كنت أعرف إنه هيدفع من جيبه!” ما استنيتش أسمع بقية الأعذار. أخدت الملف في حضني وجريت على الشارع زي المجنونة.
طول الطريق لشقتنا، دموعي كانت بتعمي عيني. كنت براجع كل كلمة قلتها له، كل نظرة شك بصيتهاله، والأسوأ من ده كبرياءه اللي اتجرح وسكوته لما سألته في الأول.. هو ما دفاعش عن نفسه لأنه كان مستني يشوف هل أنا هأمن بيه وبأخلاقه، ولا هنساق وراء اتهامات أهلي؟ وأنا.. للأسف، خذلته. وصلت الشقة، فتحت الباب وأنا بنادي اسمه بصوت مخنوق: “أحمد! أحمد ارجوك اسمعني!”
بس الشقة كانت فاضية.. وساكتة بشكل يرعب.
دخلت الأوضة لقيته أخد شنطة هدومه الصغيرة، ومفتاح الشقة كان محطوط على الترابيزة جنب دبلته!
أول ما شفت الدبلة محطوطة، حسيت بس\كينة اتغرست في قلبي. قعدت على الأرض ومسكت الدبلة وبكيت بحرقة عمرها ما مرت عليا. اتصلت بيه مية مرة.. التليفون مغلق. كلمت كل أصحابه القريبين، محدش كان يعرف هو فين أو كانوا بيتهربوا مني. فضلت قاعدة جنب الباب طوال الليل، مش قادرة أنام ولا أذوق النوم، مستنية أي حركة أو صوت خطوة في السلم. عدى أسبوع كامل وأنا زي ج\ثة متحركة. أهلي حاولوا يجوا الشقة يطيبوا خاطري، بس رفضت أدخلهم. كنت حاسة إنهم السبب في الخراب اللي وصلناله، وإن كان لازم أقف جنب جوزي من أول لحظة.
في اليوم التامن، عرفت من صاحب عمره إنه أجر شقة صغيرة قريب من شغلي وكان بيبات فيها. ما ترددتش ولا ثانية. أخدت الملف، وحطيت الدبلة في إيدي، ورحتله.
وقفت قدام باب الشقة وأنا قلبي بيدق بغزارة. خبطت.. ولما فتح، وشّه اتغير أول ما شافني. كان باين عليه التعب، عينيه فيها أرق وعلامات قهر ما اتطفتش. قال بجمود: “جاية ليه يا ندى؟ الورق معاكِ، والدين اتسدد، وأظن مفيش حاجة تانية متبقية بينا.”
مسكت إيده بالقوة ورفضت أسيبها رغم إنه حاول يشدها: “أنا مش جاية عشان الورق يا أحمد.. أنا جاية عشان أقولك إن القايمة والدهب والفلوس ولا يسووا قلامة ظفر من جزمتك.. أنا جاية أترجاك تقبل اعتذاري.” أحمد بصلي بابتسامة مكسورة وقال: “الشك لما يدخل بين اتنين يا ندى بياكل كل حاجة حلوة. أنتِ ما صدقتيش جوزك اللي عاش معاكي سنة ونص، وصدقتي إنه ممكن يسرق ورق عشان شوية دهب.. الجرح مش في القايمة، الجرح إنك ما عرفتنيش.”
نزلت على ركبي قدامه على الباب، والدموع مغرقة وشي: “حقك عليّ.. أنا غبية وأغبى واحدة في الدنيا.. بس والنعمة أنا كنت متلخبطة والخوف كان عماني، واللحظة اللي شكيت فيها كانت أكبر غلطة في حياتي.. لو عايزي أعتذرلك قدام الدنيا كلها هعمل كده، لو عايزني أقطع علاقتي بأي حد ظلمك هعمل كده.. بس ما تسيبنيش يا أحمد.. أنت الشخص الوحيد اللي صانني وصان أهلي وأنا ما استاهلكش، بس اديني فرصة واحدة أثبتلك إني أقدر أكون الزوجة اللي تصونك.”
أحمد بصلي وطول في السكوت.. النظرة القاسية اللي كانت في عينيه بدأت تلين، ونزل لمستوايا ومسك إيدي وقومني: “أنا ما أقدرش أشوفك في الوضع ده يا ندى..” قلت له وأنا بتمسك بهدومه: “يبقى ترجع معايا.. نرجع بيتنا، وتبدأ معايا صفحة جديدة، وإيصال الدهب ده أنا هشتغل وأسدده لك قرش قرش من مصروفي، وأهلي مش هيدخلوا بيتنا تاني إلا لما ييجوا يبوسوا رأسك ويستسمحوك.”
أحمد اتنهد تنهيدة طالعة من قعر قلبه، وبص في عيني وقال: “الفلوس تغور يا ندى، أنا ما عملتش كده عشان فلوس.. أنا عملت كده عشان كنت فاكر إننا واحد.. الرجوع مش هيحصل في يوم وليلة، والجرح محتاج وقت عشان يلم.. بس أنا هرجع معاكي البيت.. مش عشان القايمة ولا عشان أهلك، عشان الحب اللي كان بينا والفرصة الأخيرة اللي طلبتيها.”
في اللحظة دي عرفت إن الطريق لإصلاح اللي اتكسر هيكون طويل، وإن الثقة اللي اتهزت محتاجة أفعال مش كلام.. بس على الأقل، الباب ما اتسدش في وشي، والحقيقة المرة دي -رغم قسوتها- كانت البداية عشان أعرف قيمة الراجل اللي معايا بحق وحقيق.
الصهد والهدوء في الشقة كان خنيق ومُحيّر. “أحمد” قاعد على الكرسي، لابس قميص أسود وشامّر أكمامه، وشه مفيش فيه أي تعابير. “ندى” واقفة جنب شباك الصالة، بتفرك في إيديها بتوتر وتعيط من غير صوت.
الباب يخبط خبطات خفيفة متقطعة… خبطة واحد مكسور. ندى بتبص لأحمد برجاء، أحمد بيهز راسه ببرود: “افتحي يا ندى.”
تفتح ندى الباب. يدخل والدها “حاج متولي” وأخوها “كريم”. الحاج متولي باين عليه العجز والكسرة، ظهره منحني ونظرة عينه في الأرض. كريم شايل في إيده شنطة سوداء صغيرة ومشي ببطء ورا أبوه. الحاج متولي بيقف في نص الصالة، عينه بتدور على أحمد، وأول ما أحمد بيقوم يقف بثبات، الحاج متولي بيمشي ناحيته بخطوات بكتف مهدود.
الحاج متولي: (بصوت مجروح ومبحوح) “السلام عليكم يا بني…”
أحمد: (بصوت هادي ورسمي جداً) “وعليكم السلام يا حاج متولي… اتفضلوا.”
أحمد بيشير على الكنب، بس الحاج متولي بيرفض يقعد، وبيقف قدام أحمد مباشرة، والدموع بتجمع في عينيه.
الحاج متولي: “المجلس ده مش بتاع قعدة يا أحمد… المجلس ده بتاع اعتذار، وموقف حق لازم يتقال ولو على رقبتي.”
أحمد بيسكت ومستني، إيده في جيبه وملامحه صلبة.
الحاج متولي: (بيمسك إيد أحمد بتبتيل ومحاولة حب) “أنا جيت لحد بيتك، ومش جاي أطلب منك تسامحني، لأن اللي عملته في حقك ما يتسامحش عليه بسهولة… أنا طعنتك في شرفك وأمانتك، وأنت الوحيد اللي صُنت بيتي وسترني من الفضيحة والسجن.”
كريم (أخو ندى): (بيتقدم وعينيه في الأرض) “يا أحمد… أنا زقيتك ومديت إيدي عليك بحمق وغباوة، وكنت عمى، والنهاردة أنا جاي أقولك إنك أرجل مني ومن أي حد، وإيدي دي تتطلع لو فكرت تلمسك تاني…”
كريم بيمد إيده يسلّم، أحمد بيتردد ثانية، وبعدها بيسلم عليه بضغط خفيف، ويبص للحاج متولي.
أحمد: “يا حاج متولي… القايمة والدهب والفلوس كل ده ورق ويروح ويجي. لكن الشك اللي زرعتوه في بيت بنتك، والكسرة اللي كسرتوها لرجولتي قدام مراتي… دي أعمل فيها إيه؟ أنا دخلت بيتكم على سنة الله ورسوله، وأكلت عيشكم، وفي أول اختبار طلعتوني حرامي ونسيتوا أنا مين!”
ندى: (بتتدخل وهي بتعيط) “أحمد… عشان خاطري…”
أحمد بيرفع إيده لندى بهدوء يخليها تسكت.
الحاج متولي بيوطي ركبتيه ببطء وكان هيقعد على الأرض يستسمح أحمد، أحمد بينزل بسرعة ويمسكه من كتفه ويمنعه بالقوة وهو مخضوض:
أحمد: (بصوت منفعل) “لا! لحد هنا ولا يا حاج! أنت قد أبويا.. ومش أحمد اللي يخلي راجل بقد سنك ينزل على الأرض قدامه مهما حصل!”
الحاج متولي: (والدموع نازلة على لحيته) “يبقى تسمعني يا بني… أنا بياع باطل، وأنت ابن أصول. الفلوس اللي أنت دفعتها عشان تسدد ديني وتحمي اسمي… كريم باع أرضنا اللي في البلد النهاردة، وحضرنا كل جنيه أخدته من تحويشة عمرك.”
كريم بيفتح الشنطة السوداء ويحطها على الترابيزة قدام أحمد، ومعاها عقد تنازل رسمي عن نصيب في بيع المحل باسم أحمد كضمان وحق.
كريم: “دي فلوسك بالكامل يا أحمد.. ومعاها حقك الأدبي والمادي. وأي شرط تشرطه على العيلة دي عشان ترضى.. إحنا موافقين عليه.”
أحمد بيبص للشنطة والعقد، وبعدين يبص للحاج متولي اللي وشه أحمر من البكاء. السكوت بيملا الأوضة لدقيقة كاملة… دقيقة تقيلة زي الجبل.
أحمد بيمد إيده، بياخد العقد وبيقطعه نصين ويرميه على الترابيزة.
الحاج متولي: (باندهاش) “بتعمل إيه يا أحمد؟!”
أحمد: “أنا ما أخدتش حق بنتك عشان أتاجر بيه، ولا دفعت الفلوس دي عشان أشتري أصول في محلاتكم. الفلوس اللي في الشنطة دي حقي، وأنا هاخدها لأنها تحويشة عمري وشقايا… لكن العقد ده مالوش لزمة عندي، لأن أحمد ما بياخدش أجر على جدعنته وسطره لأهل مراته.”
أحمد بيمسك إيد الحاج متولي ويبوسها باحترام: “حقك عليّ إن صوتي علي في بيتك يا عمي.. وكرامتك مرفوعة، والفلوس رجعت. بس اطلب منك طلب واحد.”
الحاج متولي: (بلهفة) “أمرني يا بني.. عيوني ليك.”
أحمد: (بيبص لندى اللي واقفة بتبكيله) “سيبوني أنا وندى نعالج اللي اتكسر بينا براحتنا.. من غير تدخل، ومن غير كلام في اللي فات. أنا قبلت اعتذارك يا حاج، وربنا يعلم إني سامحتك في حق نفسي.. بس بيتي محتاج وقت عشان يرجع فيه الأمان زي الأول.”
الحاج متولي بيبتسم ابتسامة مكسورة ومحملة بالامتنان، بياخد أحمد في حضنه بقوة وبيطبطب على ظهره وهو بيدعيله: “ربنا يكرمك ويكبر خاطرك زي ما سترتني وكبرت بيا يا ابن الأصول.. ندى في عينيك، وأنت سيد البيت وسيدنا كلنا.”
الحاج متولي وكريم بيسحبوا نفسهم بهدوء ويخرجوا من الشقة، وبيقفلوا الباب وراهم. أحمد بيلتف لندى، بيبص للشنطة اللي فيها الفلوس، وبعدها يبص لندى. ندى بتقرب منه ببطء، وبتمد إيدها تمسك إيده، المرة دي أحمد ما بيشدش إيده، لكنه بيتنهد تنهيدة طويلة كأن الجبل اللي كان على صدره بدأ يتقلب.



