حماتي بصت للورقة

حماتي وقفت، ومسكت شنطتها بسرعة، وإيدها بتترعش من الغضب. — «بقى كده يا أحمد؟ ماشي.. بيت ابني اللي اتقفل في وشي النهارده مش هدخله تاني. يلا يا شيماء.. خليها تشبع بالحلة والمصاريف!» ومشيوا.. ورزعوا الباب وراهم رزعة هزت الشقة. السكون اللي نزل على الشقة بعد خروجهم كان غريب. أحمد قعد على الكنبة، حاطط إيده بين راسه ومطبس في الأرض. العيال كانوا جوه في أوضتهم بيلعبوا. قربت منه وقعدت جنبه. — «أحمد.. أنا مش قصدى أهين أمك أو أزعلك.. بس كان لازم الحد ده يتحط. أنا كنت بهلك بنفسي وبيتورط بيتنا في ديون عشان إرضاء وهمي.»

أحمد بصلي، وتنهد تنهيدة طويلة: — «أنا مش زعلان منك يا ندى.. أنا زعلان من نفسي. زعلان إني كنت أعمى كل ده. كنت فاكر إنك مبسوطة وإنك بتعملي ده بحب، متخيلتش إنهم بيستغلوكي.. ولا متخيل إن أمي توصل بيها الدرجة إنها تعزم خالتي وعيالها وتعتمد إنك أنتِ اللي هتجيبي الأكل جاهز!» اليوم ده.. أكلنا صينية البطاطس والرز، وكان طعمهم مختلف. كان طعمهم فيه “راحة”.

بداية الحرب الباردة طبعًا القصة مخلصتش هنا.. بالعكس، دي كانت مجرد بداية “المعركة”.

على مدار الأسبوعين اللي بعدهم، حماتي أعلنت المقاطعة الشاملة. التليفونات اتمنعت. أحمد بقى يتصل بيها، ترد ببرود قاتل: “أنا بخير يا أحمد، روح لمراتك حاسبها على اللقمة اللي أكلتها عندك.” شيماء بدأت تنزل “بوستات” على الفيس بوك من نوعية: “ناس فاكرة الفلوس كل حاجة.. ونست إن صلة الرحم ما تتقدرش بتمن!” “ربنا يكفينا شر القلوب القاسية اللي بتفرق بين الولد وأمه.” كنت بشوف الكلام وأبتسم. مبقيتش أرد ولا أوجع دماغي.

لكن المفاجأة الكبرى جت بعد شهر بالظبط. عيد ميلاد “سيف” ابن أحمد الصغير قرب. وأحمد كان مصمم إننا نعمل عقيقة/عزومة صغيرة ونعزم فيها العيلة، كنوع من تصليح النفوس، بس المرة دي شروطي كانت واضحة. أحمد قال لأمه: «يا أمي، إحنا عاملين عزومة يوم الجمعة في بيتنا، وأنا اللي حاجز أكل جاهز ومجهز كل حاجة، ومش عايز ندى تلمس حلة.. أنتِ تنزلي معززك مكرمة ضيفة فوق راسنا.» حماتي وافقت تتكرم وتيجي.. طبعًا عشان تثبت إنها الكبيرة وإننا بنترجاها ترجع.

يوم الجمعة، البيت كان متظبط، والأكل الجاهز وصل (مشويات وكفتة وسلطات). حماتي دخلت ومعاها شيماء وخالته. حماتي دخلت بكرامتها المجروحة، متكلمتش معايا خالص، وقعدت على الصالة زي الملكة. قعدنا كلنا ناكل. الأكل كان تحفة والجو تمام.. لحد ما خالته فتحت بؤها وقالت: — «بس بصراحة يا أحمد.. الأكل الجاهز ده مالوش طعم.. أينعم نضيف، بس فين ريحة نفَس ندى في الأكل؟ المحشي بتاعها كان بيبقى له طعم تاني خالص غرقان بالسمنة البلدي!»

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *