اخر سطر في الدفتر ٣ منال علي

”السبت 14 سبتمبر.
المصاريف: 2200 جنيه.
الوقت: 4 ساعات ونص شقى.
النتيجة: حماتي بوظت الأكل وغرّقته فلفل أسود.
كلمة شكر: صفر، مفيش.”
ومن اليوم ده بقيت دفتري ومسجلة فيه كل كبيرة وصغيرة.
الفلوس اللي بتتدفع.
الوقت والمجهود.
ورد الفعل المقرف.
بعد كام أسبوع محمد جه يقولي بضحكة بلهاء إن أمه عايزة تشرفنا كمان يوم الأربعاء من كل أسبوع.
— أصل وحشها قعدة البيت معانا — قالها وهو بيجرب نبضي.
وأنا سكت خالص ومطقتش ببنت شفة.
السبت ده بالذات أخيراً ما كنتش لوحدي في المحكمة دي.
صاحبتي دينا الأنتيم كانت جاية تزورني بعد عشر سنين غربة وفراق ما شوفناش بعض.
عملت عشانها فطيرة خضار بالبيض والجبنة تجنن. حضرت العجينة وخدمتها من بالليل، وسويت الحشوة الصبح على رواقة.
ولما طلعتها من الفرن كانت وشه دهب، شكلها يفتح النفس وعين الشمس وريحتها مفحفحة مالية الشقة.
— يا نهى، إيه الحلاوة دي؟ دي تحفة! — قالتها دينا وهي مغمضة عينيها وبتستطعم كل قطمة من كتر ما عجبها الطعم. — إنتِ بجد خسارة في البيت، تقدري تفتحي مشروع أكل وتكسبي دهب.
أول كلمة جبر خاطر ومجاملة أسمعها من شهرين كاملين.
وفي اللحظة دي بالظبط…
جرس الباب رن ورزع ورا بعضه.
حماتي.
كبسة ومن غير ميعاد كالعادة.
دخلت ورشقت على السفرة.
سلمت على دينا ببرود ولواية بوز.
ومدت إيدها خدت حتة من الفطيرة.
قطمتها.. ومضغتها.. وسكتت ثانيتين بتفكر في الملعوب.
وبعدين بصلتنا وقالت:
— العجينة لسه معجنة من جوة وناية، مخدتش سواها.
وزقت الطبق من قدامها بقرف.
دينا اتسمرت في مكانها واللقمة وقفت في زورها…
الجزء الثاني
حسّيت وقتها إن حد اداني قلم محترم على وشي فوّقني.
الفطيرة كانت طالعة من الفرن بسم الله ما شاء الله زي الفل… مقرمشة، ولونها دهبي يرد الروح، وريحتها زبدة فلاحي وشبت مفحفحة ومالية الشقة كلها. كنت متأكدة وعالقة إنها مستوية وع العشرة، حتى اختبرتها بغرس خلة سنان فيها قبل ما أقدمها وطلعت ناشفة وزي الفل.
لكن حماتي أم محمد زقّت الطبق من قدامها لبعيد وبصّتلي من فوق لتحت بنظرة كلها تعال وفوقية، كأني عيلة صغيرة سقطت في امتحان هي بس اللي من حقها تحط أسلته وتصححه.
— طبعًا إنتِ أي حاجة تعجبك يا حبيبتي — قالتها وهي بتبص لدينا بابتسامة صفرا مستفزة من تحت الضرس. — نهى لسه بتتعلم وبتجرب… بس الحمد لله، أهي بدأت تاخد على وقفة المطبخ شوية.
دينا حطت الشوكة من إيدها بالراحة وبكل هدوء.
— بصراحة يا طنط أم محمد… أنا دقت أكل بيتي كتير أوي وعمري ما دوقت في حلاوة الفطيرة دي، دي تتاكل حاف بجد.
الكل سكت فجأة.
صمت رهيب وتقيل كبس على النفس… نفس الصمت المخنق اللي كان بيملى البيت كل ما حماتي تقطم فيا وتطلع القطط الفاطسة في أي حاجة أعملها.
— ما هو طبيعي هتقولي كدة، ما إنتِ صاحبتها الأنتيم بقى — قالتها وهي بتهز كتافها وتلوي بوزها. — والأذواق باردو مقامات ومختلفة.
شلت الطبق ودخلت بيه المطبخ.
إيديا كانت بترتعش من كتر الغيظ وكتمة الدموع.
ماكنتش عايزة أعمل خناقة وأبوظ اليوم قدام ضيفتي.
بس جوايا كانت فيه حاجة واحدة نورت وبقت واضحة زي الشمس:
لحد كدة وكفاية.. شبعت ذل.
بعد ما دينا مشيت ووصلناها، محمد دخل عليا الأوضة وقاللي:
— ماما قصدها توجّهك وتساعدك مش أكتر، ما تكبريش الموضوع وتعملي من الحبة قبة.
تساعدني؟
دي بتبوظ وتكرهني في كل أكلة بحط فيها قلبي وصحتي ومجهودي، وتسمي ده مساعدة!
وهو؟
كل دور في الحياة إنه يطبلها ويغطي على عمايلها.
بالليل فتحت الكشكول الأزرق وكتبت:

