اخر سطر في الدفتر ٣ منال علي

”الضيفة مبسوطة ووراها جبر خاطر.
الحماة تقطيم وانتقاد.
الزوج عامل من بنها وصامت.”
وضفت تحت السطرين دول المصاريف بالقرش، والوقت بالساعة، وحالتي النفسية الزفت.
وعَدت 3 شهور على الوضع ده.
كل أسبوع أم محمد تشرف وتكبس علينا.
وأنا أفتح الدفتر وأسجل:
السبت كبس وتفتيش.
الأربع تعديل وتصحيح.
أنا مجرد خيال مآتة وصوت في الخلفية.
على دخلة شهر نوفمبر بدأت أخد شفتات ليل وسهر في الصيدلية.
الهدد والإرهاق بقوا حتة من يومي وجسمي.
محمد بقى ساكت ويادوب بينطق الكلمة بالعافية.
وأم محمد تعليقاتها وتلقيح كلامها زاد وبقى على ودنه.
أما أنا…
فمابقاش فيا حيل للكلام، وبدأت أشتري دماغي وأسكت خالص.
في يوم رجعت من الشفت بالليل متدمرة، دخلت المطبخ وفجأة اتسمرت في مكاني.
لاقيت حلة شوربة كبييييرة محطوطة على السفرة.
مع إني ما عملتش أكل قبل ما أنزل!
أم محمد كانت واقفة رشق قدام البوتاجاز، ومحمد واقف جنبها والابتسامة من الودن للودن.
— إحنا طبخنا سوا النهاردة — قالها بحماس وفرحة طفولية. — حبّينا نعملهالك مفاجأة ونريحك.
شلت الطرحة من على راسي رميتها على السرير، وحطيت الشنطة بكل هدوء.
وبصيتلهم هما الاثنين.
فعلًا.. اتفاجئت وبهرتوني.
أم محمد مدتلي معلقة وهي واثقة من نفسها:
— دوقي يا حبيبتي واحكمي بنفسك… دي بقى الشوربة الصح على أصولها.
دقت.
كانت حادقة ومالحة نار ترفع الضغط في ثانية وفاقدة أي طعم.
لكن ما نطقتش ولا فتحت بقي بكلمة.
دخلت أوضة النوم وقفت الباب عليا بالمفتاح.
الليلة دي مارهشتش عيني ولا نمت دقيقة.
الكشكول كان على رجلي، وقعدت أكتب بسرحان:
”السبت 9 نوفمبر.
الطبخ مش أنا.
النتيجة استغفلوتني واستبدلوني.”
بعد أسبوع بالظبط محمد جه قالي إن أمه تعبانة وهتقعد معانا كام يوم.
أصل عيادة الدكتور قريبة من هنا، وعشان تبقى مطمنة وفي وسطنا.
هزيت راسي وقلتله ماشي من غير جدال.
ولأول مرة في حياتي…
ما حسيتش بأي نار جوايا ولا فارق معايا.
لا غضب، ولا زعل، ولا حتى إني اتهنت.
حسيت بحالة فضى وبرود غريب.
أم محمد استقرت في البيت وفرشت وعششت كأنها صاحبة الملك.
تكنس وتمسح وهي بتقطم وتلقح كلام.
ترتب برطمانات التوابل على مزاجها وعكس ما أنا متعودة.
تفتح الأدراج وتقلب في حاجتي وحاجتها.
وأنا شلت إيدي خالص وبطلت أمنعها أو أقول بم.
في يوم الصبح، دخلت المطبخ ولقيت الكشكول الأزرق محطوط على السفرة مكشوف.
كنت ناسياه هناك بالليل.. وسبته قاصدة.
كنت عايزاها تقراه وتشوف سواد عمايلها.
بعد عشر دقائق لاقيتها داخلة عليا الأوضة.
وشها مقلوب مية وثمانين درجة، وشفايفها ممطوطة ومقفولة بعصبية وغل.
— إنتِ بقى يا ست هانم بتسجلي ورانا كل كبيرة وصغيرة؟ مصاريف وملاحظات وتقييمات؟
ضحكت ضحكة صفرا ومستهزئة وقالت:
— يا نهار أبيض وياما عشنا وشفنا… للدرجة دي فاضية ومعندكيش لقطة تعمليها؟
بصيت في عينها بكل برود وهدوء أعصاب يخوف.
ومديت إيدي خدت الكشكول منها.
— لأ، مش فاضية.
— أمال إيه القرف اللي كاتباه ده؟
— ده مش تقرير يا طنط.
سكتت وبحلقِت فيا.
— ده تاريخ.
— تاريخ إيه والنعمة الشريفة؟
قربت مني وبقت في وشي، فرديت عليها بكلمتين اتنين وبمنتهى الثبات:
— تاريخ صبري اللي خلص.
بصتلي ثواني مبرقة ومصدومة.
وبعدين لفت وشها ومشيت من سكات.
بعد نص ساعة بالظبط سمعت خروشة وصوت أكياس وشنط بتتلم وتتقفل بسوستة.
كانت بتلم الهدوم بتاعتها والجلابيب.
محمد فضل يجري وراها ويحايلها عشان تقعد ومتمشيش زعلانة.
لكن لأول مرة في حياته، لاقيته من كتر زهقه بيقولها:
— يا ماما… يمكن كفاية كدة بقى؟ سيبك منها وخلينا نمشي اليوم.
ركبت عربيتها ورزعت الباب ومشت.
أول كام سبت من غيرها كانوا غريبين أوي ويخوفوا.
البيت هادي زيادة عن اللزوم، ومفيش حد بينتقد ولا بيهبد معالق.
رجعت أقف في مطبخي وأعمل الشوربة بتاعتي تاني.
زي زمان وبنفس الطريقة.
من نجمة الصبح.
محمد قعد وأكل في هدوء تام.
لكن نظراته ليا كانت هادية وفيا حنية مفقودة من زمان.
وفي وسط الأكل بالليل قالي:
— تسلم إيدك.. حلوة أوي.
كلمة واحدة بس يادوب طلعت.
لكن بالنسبة لي كانت بالدنيا وما فيها بعد الجفاف ده كله.
فتحت الكشكول بتاعي.
وكتبتها بخط عريض ومالي الصفحة الجديدة:
“حلوة.”
ومن بعد اليوم ده، بقينا نعزم دينا والجيران وأصحابنا كل فترة والتانية.
ورجعت ضحكتي تطلع من قلبي من غير ما أخاف من تلقيحة كلام أو انتقاد يكسر فرحتي بعدها.
الشوربة كانت بتغلي على النار وبتكتك…
لونها دهبي، دسمة وتقيلة شوية، وريحتها تفتح النفس المقفولة.
غرفت طبق لمحمد وحطيته قدامه.
فجأة لاقيته حط إيده على إيدي وضغط عليها.
على الحيطة كانت النتيجة معلقة.
كل ورقة كنا بنقطعها منها كانت شاهدة على أيام سودة، وأرقام، وملاحظات، ووجع قلب.
لكن دلوقتي النتيجة بقت بتحكي حكاية تانية خالص.
حكاية وراحة الحرية.
أما الكشكول الأزرق…
فبطلت أخبيه تحت المرتبة أو في وسط الهدوم.
وفي آخر صفحة فيه كتبت:




