​قبل يوم واحد من معاد ولادتي، حماتي فجأة

قبل يوم واحد من معاد ولادتك، حماتك فجأة قالت لك إنها حلمت امبارح بالليل بحمايا الله يرحمه جاي لها في المنام وبيطلب منها فلوس لله لله. ومكنتش راضية أبداً تركب ميكروباص أو أوتوبيس لوحدها وتروح البلد، وصممت إن جوزك هو اللي لازم يسوق العربية ويوصلها بنفسه.

جوزك بص لك، وبانت عليه نبرة وشكل غريب تماماً عن طريقته المؤدبة والحنينة اللي كنتِ عارفاها فيه طول عمره:

“يا حبيبتي، أنا عارف إن بكرة معاد ولادتك، بس الموضوع بتاع بابا وماما في البلد مهم جداً ومينفعش يتأجل. وبعدين أنتِ ست عاقلة وبالغة، وأكيد هتعرفي تاخدي بالك من نفسك وتتصرفي، ولا إيه؟”

حماتك بصت لك بنظرة كلها شماتة وانتصار، وكأنها مستنية تشوف رد فعلك وهتعامل ازاي مع التغير المفاجئ في أسلوب جوزك. على العموم، من ساعة ما كنتوا بتحبوا بعض لحد ما اتجوزتوا، طارق كان دايماً بيسمع كلامك في كل حاجة، وكان حنين ومطيع لآخر درجة.

بس أنتِ كل اللي عملتيه إنك ابتسمتِ ببرود وقلتِ:

“تمام، مفيش مشكلة، خد طنط ووصلها البلد. أنا هعرف أتصرف وأشيل نفسي.”

بعد ما قلتِ الكلمتين دول، رجعتِ تاني أقلبِ في صفحات المجلة الجديدة اللي لسه واصلة لك. بس صوابعك اللي كانت بتترعش من غير توقف فضحت المشاعر الحقيقية اللي جواكِ. الصالة قلب فيها هدوء تام للحظات، والجو بينكم بقى غريب ومشدود. حماتك وطارق بصوا لبعض بلقطة سريعة، وفي ثانية، ظهرت على وشوشهم نظرة معناها أهو.. زي ما كنا متوقعين بالظبط. حماتك اتملت غرور، ورفعت راسها لفوق شوية، وغمزت لطارق من تحت لتحت. طارق لقط الإشارة منها، وتقدم ناحيتك خطوتين بحذر، وبدأ يجس نبضك ويقول:

“يا حبيبتي، بمناسبة إننا داخلين على موسم زيارة القبور وطلوع المدافن، إيه رأيك لو قعدتِ في البلد مع أمي يومين كمان بالمرة؟ أنتِ أكيد هتقدري تديري أمورك لوحدك صح؟”

بكرة كان معاد ولادتك بالظبط. وحسب الاتفاق والترتيبات، كان المفروض النهاردة بالليل نلم الشنط ونطلع على المستشفى عشان نتحجز في الأوضة اللي حاجزينها، لأن الولادة ممكن تصيب في أي لحظة. حماتك من دون أيام السنة كلها، منقتش غير اليوم ده بالذات عشان تصر وترجع البلد! ولما حبت تلاقي حجة، قالت لك مبحبش مواصلات برا، ولازم جوزي هو اللي يوصلها ويسوق بيها.

مش واضح وزي الشمس إنهم قاصدين يسيبوكِ لوحدك وأنا على وش ولادة؟ أنتِ كنتِ فاهمة كويس أوي الألاعيب اللي هما الاتنين بيلعبوها. بس مبيّنتش، وخدتِ نفس طويل وتنهدتِ، وعملتِ نفسك كاتمة زعلج بالعافية. بعدين رفعتِ راسك، وابتسمتِ لطارق بابتسامة باهتة ومصطنعة:

“لو ماما محتجاك جنبها، روح معاها يا حبيبي. بس يا طارق، أنا هولد لوحدي، لو حصلت أي حاجة مفاجئة أو خطر وكنت محتاجة حد يساعدني…”

قبل ما تكملي كلامك، حماتك دخلت في الخط بسرعة وقاطعتك:

“يا منى يا بنتي، متخافيش من الكلام ده خالص! هي الستات بتولد ازاي يعني؟ ما كلنا بنولد وكله بيعدي! أنا مش غريبة عن الولادة وعارفة، ده أنا زمان لما ولدت طارق ده، مالحقتش حتى أخد نفسي وقمت على طول عملت لنفسي طبق شوربة ولقمة آكلها. وبعدين أنتِ مش حاجزة أوضة في المستشفى ومأجرة ممرضة خصوصي تاخد بالها منك؟ أكيد مش هيحصل أي حاجة وحشة.”

قالت كلماتها دي وهي قمة في الفرحة والانبساط، وراحت على طول تؤمر طارق وتستعجله عشان يلم الشنط. والحقيقة إن شنطهم طارق كان مجهزها وحاططها في بلكونة الأوضة الإضافية من بدري أوي. يعني هما فاكرين بجد إنك مش واخدة بالك؟

وقفتِ وبصيتِ عليهم وهما ماشيين وخارجين من الباب من غير ما تفرق معاهم دموعك أو تعبك، وبعد ما قفلوا الباب، طلعتِ تليفونك وكلمتِ سارة صاحبتك الأنتيم.

دادة فاطمة، الشغالة اللي بتساعدك في البيت، بصت لك بقلق وخوف وقالت:

“يا ست منى، أنتِ بكرة معاد ولادتك، ازاي هما يختاروا وقت زي ده بالذات ويروحوا البلد؟ يزوروا المدافن ويترحموا عليه في أي وقت تاني، إيه اللي جابرهم على السرعة دي والوقت ده بالذات؟ أنا والله مش قصدي أوقع بينك وبين جوزك وحماتك، بس اللي بيحصل ده مش طبيعي وأنا مش مرتاحة له خالص.”

أنتِ كنتِ فاهمة دادة فاطمة كويس وعارفة نيتها. الست دي شغالة معاكي بقالها خمس أو ست سنين. أنتِ أصلاً عايشة طول عمرك لوحدك، ومفيش حد قريب منك غير صاحبة عمرك سارة. لما اتجوزتِ طارق، حماتك جت عاشت معانا في الشقة، بحجة إنها جاية تاخد بالك منك وتخدمك فترة الحمل. وفي الوقت ده بالذات، دادة فاطمة حذرتك لأول مرة وقالت لك بلاش تتساهلي وتستعجلي في اختيار شريك حياتك، وقالت لك وقتها إن المنظر من بره هلا هلا ومن جوه يعلم الله، وطارق مش الراجل اللي يتسند عليه العمر كله. طارق فعلاً كان وسيم وشكله ابن ناس أوي، وعشان كده، رغم إن دادة فاطمة مكنتش بطيقه، كانت دايماً بتقول عليه من وراه إنه شخص واجهة وبس.

كنتِ عارفة إن دادة فاطمة بتتكلم من قلبها وخايفة عليكي. بس اللي مكنتش تعرفه، إنك أنتِ كمان كنتِ مرتبة كل حاجة في دماجك وحاسبة خطواتك كويس. لما لقتك ساكتة ومش برد، دادة فاطمة مأدرتش تمسك نفسها وقالت:

“قال حلمت بيه قال! أنا رأيي إنها حكاية مألفاها ومطلعاها من دماغها.”

ضحكتِ وقلتِ لها:

“ويمكن حمايا الله يرحمه حب يعمل لقطة ويفرض سيطرته على مراته وعليّ وعلى حفيده اللي لسه مجاش الدنيا؟”

دادة فاطمة لما شافت وشك مكنش عليه أي علامات زعل أو كسرة بعد ما طارق وأمه مشوا، بل بالعكس كنتِ هادية ورايقة جداً. في اللحظة دي معرفتش تقرأ أفكارك ولا تفهم أنتِ ناوية على إيه. ابتسمتِ وقلتِ لها:

“يا دادة فاطمة، أنا جعت شوية، ممكن تدخلي تعملي لنا لقمة ناكلها؟ آه صحيح، سارة زمانها جاية في السكة. ولما يجيلي الوجع وأروح المستشفى هي اللي هتبقى معايا. اعملي حسابها في الأكل واطبخي بزيادة شوية، أكيد هتوصل جعانة.”

دادة فاطمة هزت راسها وقالت حاضر ودخلت المطبخ على طول تلوّح وتجهز الأكل. أنتِ بقا قعدتِ مأنتخة وممدة على الكنب بتلعب في الموبايل، وبتبصي على الصور والفيديوهات اللي باعتها لك المحامي والمكتب الخاص اللي كنتِ مأجراه عشان يراقبهم ويجمع لك عنهم كل صغيرة وكبيرة… ولم تكونوا تعرفوا المفاجأة اللي بجهزها عشانهم…

انا وطارق اتجوزنا من فترة عشان بنحب بعض بس فرحنا كان بسيط؛ من ناحية طارق، مكنش فيه غيره هو وأمه وكام واحد من قرايبهم اللي جم من البلد. أما من ناحيتي أنا… فمكنش فيه غير سارة صاحبتي. أنا كنت مفهمة طارق إني بنت مقطوعة من شجرة، ماليش أهل ولا قرايب، وإن الست الوحيدة القريبة مني في الدنيا دي هي سارة، وعشان كده وجود سارة لوحدها كفاية ومغنيني عن الدنيا.

خلال العزومة، قرايب طارق مكنوش بيبطلوا كلام ومدح فيا، لأن أنا كنت مجهزة هدايا وموجب لكل واحد وواحدة فيهم. ورغم إن الهدايا مكنتش غالية أوي، بس كلهم استلموها وهما في قمة الفرحة والانبساط. طارق كان شغال زي الألف قدامي؛ طول العشا وهو رايح جاي، يصب الشاي والقايمة، ويجري يخدم على ده وده. وطبعاً، كل ما كانت حركته تزيد قدامي كأنه شغال عندي، كل ما وش أمه يقلب ويبان عليه الضيق والغل.

بعد ما خلصنا أكل، أنا استأذنت وخرجت الأول عشان أسبقهم على العربية. ومكنتش متوقعة إني وأنا واقفة في الجراج، هسمع بالصدفة الحوار اللي داير بين أم طارق وقرايبها! واحدة من قرايبهم كانت بتقول لها:

“يا أختي ده أنتِ دعيالك في ليلة طاقة قدر! طارق ابنك محطش قرش صاغ واحد وتجوز جوازة لقطة، البنت قمر ومعاها فلوس قد كده.”

أم طارق ردت بنبرة مليانة غيظ ومكتومة:

“يا حبيبتي ماشي محطش قرش، بس طارق بالمنظر ده كأنه متجوز عريس مش عروسة! أنتِ مش شايفاه واقف قدامها خاضع وخانع ازاي؟ مفيش ريحة الرجولة ولا شخصية خالص، مضيع هيبته قدامها.”

لما سمعت كلامهم ده، ابتسمت ببرود وسخرية ومقُلتش ولا كلمة. لو طارق كان ذكي شوية، كان هيفهم إن الناس دي بتحسده وبتنق عليه، وقاصدين يولعوا الدنيا بيني وبينه ويخربوا بيته. بس للأسف… أنا كنت مدياله أكبر من حجمه ومفكراه أذكى من كده.

بعد العزومة دي، أنا قدمت على إجازة من الشركة. قبلها كنت لسه مقفلة ديل وشغلانة كبيرة ومكسباهم ملايين، فالمديرين عندي كانوا كرمة جداً معايا، ووافقوا لي على طول على إجازة شهر كامل مدفوعة الأجر، وقالوا لي سافري واتفسحي وانبسطي بحياتك. وخلال الشهر ده، أنا وطارق كنا لازقين في بعض 24 ساعة، والنتيجة طلعت بالصدفة زي ما كنت مخططة ومستنية. محصلش وقت طويل ولقيت نفسي حامل. طارق مكنش سايعاه الدنيا من الفرحة، وعلى طول اتصل بأمه وجابها من البلد عشان تقعد معانا وتخدم وتجهّز لحاجة السبع والولادة.

وأنا من ناحيتي، مبديتش أي اعتراض. طارق طول الوقت كان مهتم بيا وحنين جداً، وأمه أول ما جت كانت باينة ست غلبانة وفي حالها وطيبة أوي. وبعد ما نقلوا وعاشوا معايا، كان كل كبيرة وصغيرة في البيت بتمشي بكلمتي وأمري أنا، وحماتي كانت عارفة حدودها كويس ومبتتعداهاش.

دادة فاطمة جات لي في يوم وقالت لي: “يا ست منى، خدي بالك برضه.. أنا حاسة إن الأم وابنها بيمثلوا عليكِ الطيبة والهدوء ده عشان يمشوا دنيتهم.”

بس أنا مكنتش مدية كلامها اهتمام كبير، ومكنش فارق معايا هما بيمثلوا ولا دي حقيقتهم، طالما قدام عيني بيسمعوا الكلام وماشيين على العجين ميلخبطهوش، يبقى تمام.

بس كل حاجة اتقلبت في ليلة من الليالي. الجو ليلتها كان حر جداً، وقبل ما أنام، كنت شاربة أعشاب مهدئة ومدرة للمياه كتير، فعشان كده صحيت نص الليل كذا مرة عشان أدخل الحمام. في مرة من المرات وأنا بصحى، ملقتش طارق نايم جنبي على السرير. قلبي نقح عليا وحسيت إن فيه حاجة مش مظبوطة. قمت من على السرير بالراحة ومن غير صوت وخرجت بره الأوضة.

في الصالة… لقيت طارق وأمه قاعدين مع بعض على الكنبة، وبيتوشوشوا في موضوع. مشيت براحة واستحبينا ورا البارتيشن الخشب اللي في الصالة، ووقفت أسمع هما بيقولوا إيه. صوت حماتي كان مخنوق بالدموع والأسى وهي بتقول:

“يا ضنايا يا ابني، يصعب عليا أشوفك بالمنظر ده.. أنت راجل بشنبك وطول بعرض، وأنا كل يوم شايفة ابني بيخدم مراته كأنه شغال عندها! قلبي بيتقطع عليك يا طارق.”

صوت طارق نزل وبقى واطي وهو بيرد عليها:

“يا أمي، استحملي شوية بس.. هانت خلاص، كمان فترة مش هنعيش الأيام دي تاني ولا هنحتاج نطاطي لحد. أنا كمان لما بشوفك بتسايسيها وتدوري على رضاها لمجرد إنها تديكِ قرشين، ببقى هموت من جوايا.”

وبعد ما خلصوا الكلام ده… لقيت الأم وابنها أخدوا بعض بالحضن وقعدوا يعيطوا عياط مكتوم في ضلمة الصالة! أنا كنت واقفة ورا البارتيشن، وميتة على نفسي من الضحك والسخرية من المنظر الهزلي ده. يعني هما مفكرين نفسهم عايشين في دراما ومستحملين العذاب عشان خاطري؟

طارق كمل كلامه وقال:

“يا أمي، مش أنتِ اللي دايماً كنتِ بتقولي لي إن الست مهما كانت قوية ومفترية، أول ما بتخلف وتربطها العيل، بتبقى زي الفرخة المبلولة وبتتكسر شوكتها؟ اطمني خالص، معاد ولادتها فاضل عليه أقل من شهر. استني بس تولد وتقوم بالسلامة، وساعتها مش هنعيش بقلة القيمة دي في البيت ده تاني، وكل حاجة هتبقى تحت إيدينا.”

حماتى هزت راسها وقالت: “ياه.. يا رب الأيام تجري، أخيراً هنوصل للي عايزينه.”

أنا مأظهرتش نفسي ومقُلتش أي حاجة، رجعت أوضتي بالراحة ونمت. ومن تاني يوم الصبح، أجرت مكتب تحريات خاص ومحامي يراقبوا كل خطواتهم، حركتهم، مكالماتهم.. كنت عايزة أعرف كل تفتوفة عنهم.

وعشان كده النهاردة، لما طارق وأمه غيروا وشهم معايا فجأة وقرروا يمشوا ويسيبوني لوحدي قبل يوم واحد من ولادتي.. أنا كنت باردة ومستعدة ومفيش أي مفاجأة بالنسبة لي. بصيت على الموبايل وعلى الرسايل اللي مكتب التحريات لسه باعتها لي حالا. الصور والفيديوهات مبيّنة إن الأم وابنها، بدل ما يركبوا ويروحوا البلد، داخلين مول كبير وقاعدين في مطعم بياكلوا ويشربوا ومأنتخين، ونازلين شوبينج ولف على المحلات!

مسكت تليفوني وبكل برود… دخلت على حسابي البنكي وعملت إيقاف وفك ربط للفيزا كارد الإضافية اللي كنت مطلعاها لطارق عشان يصرف منها. هما الاتنين كانوا مستنيين اليوم ده بفارغ الصبر، بس من حظهم السيء… إن أنا كمان كنت مستنية اليوم ده أكتر منهم بكتير. الحكاية وما فيها… إنهم فاكرين إن لما العيل يجي الدنيا هيلووا دراعي بيه وتحكموا فيا، لكن الخطة اللي في دماغي أنا كانت… إن أول ما العيل ده ينور الدنيا، هما الاتنين مش هيبقى ليهم أي تلاتين لازمة ولا قيمة في حياتي، وهرميهم زي الكينكس المستعمل.

بعد وقت قصير، سارة صاحبتي وصلت الشقة. لما دخلت ولقت البيت فاضي ومفيش غيري أنا ودادة فاطمة، ضحكت وقالت: “الاتنين دول مشيوا بجد وسابوكِ؟”

هزيت راسي وقلت لها آه. سارة هزت كتافها وقالت بسخرية: “حاجة تجنن وتفطس من الضحك.. عايزين يمشوا يمشوا، لازم يعني تأليف وفيلم حلم المدافن والفلوس ده عشان يخلعوا؟ منى، متقلقيش خالص من أي حاجة. أنا كلمت شركة نقل العفش وكل حاجة جاهزة، وعلى بعد الظهر كده العربية هتيجي وننقل كل حاجتك. وحوار تسليم الشقة دي للمالك القديم أنا رتبته وقفلت العقد وصاحب الملك هياخد المفتاح. أهم حاجة دلوقتي إنك ترتاحي وتهدي خالص، بلاش تخلي الأشكال دي تعكر دمك وتأثر على نفسيتك. أول ما نخلص حوار النقل ده، هاخدك في إيدي ونطلع على المستشفى عل طول.”

أنا كنت حاجزية أوضة سويت كامل في مستشفى استثماري خاص من فترة طويلة، وكل الترتيبات كانت ماشية بالمسطرة… بعد ما سارة رتبت معايا كل حاجة، راحت تقعد وتتكلم مع دادة فاطمة، وقالت لها إنها لازم تلم حاجتها هي كمان وتتحرك معانا وتتفادى أي مشاكل. دادة فاطمة مكنتش فاهمة أوي إحنا ليه فجأة بنعزل وبنسيب المكان، بس لما شافت حركة النقل السريعة وتفاصيل قفل عقد الإيجار للشقة… أكيد قلبها دليلها وفهمت الفولة، وعرفت إن الموضوع كله يخص طارق.

في الحقيقة، سارة كانت عارفة البير وغطاه من الأول. طارق مكنش الراجل المثالي ولا فتى أحلامي اللي بتمناه، كل ما في الأمر إني كنت بدور على جينات ممتازة؛ يعني مش بس وسامة وشكل لقطة؛ لا، والتعليم والوعي كمان ميكونوش قليلين، كنت عايزة مواصفات تطلع عيال ليهم شأن. بس النوعية دي من الرجالة الصراحة صعبة تلاقيها في الزمن ده.

على بعد الظهر، وبعد ما قفلنا ورق الشقة وفسخنا العقد بالمسطرة، عديت على شقتي الملك الحقيقية اللي مكنش حد يعرف عنها حاجة. أخدت منها كام غيار وحاجة تخصني، وبعدها طلعت فوراً على المستشفى الاستثمارى عشان أتحجز وأستنى الولادة.

في الوقت ده، تليفوني مكنش بيبطل رن ورسايل ورا بعض من طارق:

“يا منى، أنتِ وقفتِ الفيزا الكارد ليه؟ أنا وأمي كنا بناكل في المطعم ولما جينا ندفع الحساب اتفاجئنا إن الكارت واقف! هو فيه مصلحة ولا إيه؟ ابعتي لي قرشين بسرعة على فودافون كاش ولا أي حاجة، وإلا صاحب المطعم مش هيحلنا وهيحجزني أنا وأمي هنا.”

“منى، في إيه بالظبط؟ بقالي ساعة ببعت وأنتِ مش بتردي، أنتِ مبتشوفيش الزفت ده؟”

الرسايل كانت نازلة ترف تحت بعضها. بس أنا مكنش عندي خلق أقرأ الهري ده كله، وبكل برود عملت له بلوك من كل حتة. لحد اللحظة دي… وهو لسه عايش في الوهم وفاكر إن أول ما أخلف، حياته هتتقلب وهيملك الدنيا.

بعد خمس ساعات من التعب والمعاناة في العمليات… الحمد لله ربنا كرمني وقمت بالسلامة وجبت توأم ولد وبنت زي القمر. كنت هبطانة وجسمي كله مهدود على سرير المستشفى. الممرضة دخلت بيهم وهي شايلاهم وقربتهم مني عشان أملي عيني منهم:

“ألف مبروك يا مدام شروق، ربنا يبارك لك فيهم، جالك ولد وبنت زي الورد. توأم زي العسل، ربنا يجعلهم قدم السعد عليكي.”

شفايفي اترسمت عليها ابتسامة خفيفة. فتحت عيني بالعافية وبصيت لملامحهم الصغيرة لثواني، وبعدها روحي ارتاحت ورحت في نوم عميق. أخيراً، المهمة الصعبة تمت بنجاح.

لما صحيت تاني… وفي اللحظة دي بالذات… التليفون اللي جنبي على الكومودينو قعد يتهز ويرن بجنون. لقيت طارق عامل حساب جديد أكونت فيك وباعت لي منه طلب إضافة فريند ريكويست. ومع الطلب ده، باعت كمية رسايل ورا بعض زي السيل:

“شروق! أنتِ حسابك معايا تقل أوي! أنتِ اتجننتِ وبقا ليكي عين تعملي لي بلوك؟ أنا جوزك يا هانم! أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟”

“ماشي عملتي لي أنا بلوك، بس تروحي تعملي لأمي كمان بلوك وتتجاهليها؟ دي في مقام مامتك، يعني كبيرة العيلة ولها احترامها! أنتِ مين أصلاً عشان تقلّي أدبك على الناس الكبار بالمنظر ده؟ فاكرة لما متطنشيش ومترديش هتبقى ليكي كلمة عليا؟”

“أنا بعرفك أهو… لو مجيتيش واعتذرتِ وبستِ راس أمي، قسماً بالله مش هعدي لكِ اللي حصل ده. ومش هعتب المستشفى ولا هنيجي نشوفك أنتِ والعيال، واقعدي بقى لوحدك!”

قريت الكلام وضحكت بسخرية. طارق ده عايش في غيبوبة تامة. لحد دلوقتي فاكر إن العيال دول هيبقوا الكارت اللي هيلوي بيه دراعي ويخليني أركع له. حاجة في منتهى الهيافة والجهل. مكلفتش نفسي أرد عليه بحرف واحد. بالنسبة لي في المرحلة دي، طارق بقى زي قشر البصل… مالوش أي ريحة اللازمة، ورميه ميزعلش في حاجة.

يمكن عشان لآني مطنشاه ومش معبراه… وموافقتش على طلب الإضافة بتاعه، طارق دمه فار وأعصابه سابت، وبدأ يبعت طلبات إضافة ورا بعض من كذا حساب، ومع كل طلب يكتب قصيدة من الشتائم والتلقيح:

“شروق، أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ عشان معاكي قرشين ناشفين هتشوفي نفسك علينا؟ أنتِ سايقة فيها ومفكرة إن الفلوس دي تخليكِ متقريش بوجودي كراجل. أنا كنت باجي على نفسي كل يوم وبستحمل قرفك وطلباتك عشان أمشي المركب. أنتِ فاكرة نفسك نجحتِ كده؟ أنا هصدمك وأقول لك إني عمري ما حبيتك ولا طقتك أصلاً! اشبعي بقى بوجع قلبك! الستات اللي زيك اللي موراهمش غير الشغل والجري ورا المظاهر، مفيش راجل هيحبهم من قلبه أبداً. أنتِ هتموتي وحيدة ومالكيش حد!”

“أنتِ عمرك ما احترمتيني ولا عملتِ حساب لأمي. كنا دايماً بنمشي في بيتك على قشر بيض وخايفين من زعلك وجبروتك. أنتِ عارفة أنا كنت عايش في ضغط عصبي قد إيه بسببك؟ فاكرة لما تتنططي وتتقمصي هتبقى نهاية الدنيا؟”

بعد تلات أيام في المستشفى، كنت استرديت صحتي تماماً، والتوأم بقوا زي الفل. لمينا حاجتنا وأنا وسارة ودادة فاطمة طلعنا على شقتي الملك الجديدة في التجمع. الشقة كانت واسعة وأمان، ومحدش من طرف طارق يعرف عنها الهوا.

في نفس الوقت ده، كانت إجازة طارق وأمه في البلد خلصت. طبعاً طارق بعد ما الفيزا اتوقفت، اضطر يستلف من واحد صاحبه عشان يدفع حساب المطعم ويركبوا ويرجعوا القاهرة، وكان جاي وعينه بتطق شرار، ناوي يربيني ويوريني العين الحمرا أول ما يدخل من الباب، على أساس إني خلاص ولدت وبقيت مكسورة الجناح!

مكتب التحريات كان لسه شغال ومتابعهم، والمحامي بتاعي كلمني وقال لي: “يا مدام شروق، البشوات وصلوا قدام عمارة الشقة الإيجار.”

قعدت على الكنبة وحطيت رجل على رجل، وفتحت سبيكر مع المحامي عشان أسمع الرواية بالملّي.

طالعين السلم وأم طارق عمالة تسخن فيه: “ورّيها قيمتها يا طارق، الست مننا ملهاش غير بيت جوزها، تلاقيها دلوقتي قاعدة بتعيط وعيالها حواليها ومش عارفة تعمل إيه من غيرنا.”

وصلوا قدام الباب، طارق طلع المفتاح بكل ثقة وحطه في الكالون.. المفتاح مبيخشش! جرب مرة واتنين وتلاتة.. المفتاح مش بتاعه! الكالون اتغير تماماً. طارق بدأ يخبط بجنون ويرن الجرس: “شروق! افتحي الباب! إيه الجنان ده؟ مغير الكالون كمان؟”

الرزع كان شديد لدرجة إن الجارة اللي في الوش فتحت الباب وبصت لهم بقرف: “إيه يا أستاذ أنت وهي؟ إيه العناوين دي؟ الشقة دي أصحابها لموا عفشهم وسلموا المفتاح للمالك من يومين، والشقة معروضة للإيجار تاني أصلاً!”

أم طارق بلمت وصوتها هبط: “عفش إيه يا حبيبتي؟ دي شقة ابني وعروسة ابني!”

الجارة ردت عليها بسخرية: “عروسة مين يا أم عروسة؟ الست اللي كانت قاعدة هنا جابت عربيات نقل ومسحت الشقة مخلتش فيها حتى مسمار، والمالك جه استلم بنفسه. يالله ملوش لزمة الصداع ده بقى.” وقامت رقعت الباب في وشهم.

طارق وقف في نص السلم زي المجنون، الشنط في إيده وأمه بتلطم على صدرها: “يالهوي يا طارق! البت طارت بالعفش والفلوس والعيال! شقا عمرنا يا ابني!” على أساس إنهم حطوا فيها مليم واحد!.

طارق طلع تليفونه وبدأ يتصل بيا مكالمات عادية.. طبعاً الخطوط مقفولة في وشه. دخل على الأكونت الفيك وبعت رسايل بتهديد ووعيد: “شروق! أنتِ فين؟ العفش فين؟ الشقة راحت فين؟ وربنا ما هسيبك، أنا هبلغ الشرطة إنك سرقتِ حاجتي Hرفع عليكي قضية خطف عيال!”

المحامي بتاعي مكنش سيبهم، نزل لهم من العربية ووقف قدام العمارة بكل برود وسأله: “أنت الأستاذ طارق؟”

طارق بلهفة: “آه أنا، أنت مين؟ شروق فين؟”

المحامي طلع من شنطته ملفين وقدمهم له: “اتفضل يا أستاذ، دي حافظة مستندات. أولاً عقد إيجار الشقة باسم مدام شروق، وفاتورة كل حتة عفش وجهاز في البيت باسمها برضه، يعني مفيش عندك مسمار واحد تملكوا عشان تقول سرقة. ثانياً والأهم.. ده إقرار وتنازل قانوني، وبلاغ للمحكمة.”

طارق مسك الورق وهو بيترعش وقرأ.. المحامي كمل كلامه بثقة: “مدام شروق بتخطرك إن مفيش بينكم أي عقد جواز رسمي، الفرح اللي عملتوه كان مجرد حفلة، وأنت موقعتش على قسيمة ولا مسجلين في الأحوال المدنية. يعني قانوناً أنت مش جوزها.”

طارق صرخ: “والعيال؟ العيال عيالي! أنا أبوهم!”

المحامي ابتسم ابتسامة خبيثة: “المدام مابتنكرش إنك الأب البيولوجي، وعشان كده هي رافعة قضية إثبات نسب عشان العيال تطلع لهم شهادات ميلاد باسمك، ومن بعدها على طول هتنزل عليك بقضايا نفقة عيال ونفقة أقارب ومصاريف مستشفى استثمارى هتدفع فيها اللي وراك واللي قدامك، والورق ده فيه طلب تحريات عن دخلك وحساباتك.”

أم طارق قعدت على السلم تصرخ: “يا مصيبتي! يعني البت أخدت اللي هي عايزاه ورمتنا؟”

طارق انهار تماماً وفهم اللعبة.. فهم إن الست الهادية والمطيعة اللي كان فاكر إنه هيركبها ويدلي رجليه بعد الولادة، كانت هي اللي سايقة المركب ومخططة لكل خطوة بالملّي من يوم ما سمعت كلامهم ورا البارتيشن. استخدمت جيناته وشكله عشان تاخد عيال جيلهم ممتاز، وأول ما خلصت مصلحتها، نفضت إيدها منه وسابته للقانون والمحاكم يدفع تمن طمعه.

قفلت السبيكر مع المحامي، وبصيت للتوأم اللي في حضني وهم نايمين زي الملائكة، وقلت لنفسي بابتسامة نصر: “كده دنيتي كملت.. واللي يفتكر نفسه ذكي، يفتكر دايماً إن فيه الأذكى منه.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *