سر حماتي
كانت نسمات البحر المتوسط في ذلك الصيف تحمل رطوبة خانقة، لكنها لم تكن كافية لتدفئة الأطراف التي تجمدت في لحظة واحدة. كل صيف، اعتادت عائلة زوجي أن تستأجر ذات البيت الصيفي القديم، حيث تجتمع العائلة بأكملها. كانت حماتي، الحاجة فاطمة، هي وتد هذا البيت وروحه النابضة؛ المرأة التي يتفق الجميع على مثاليتها. كانت تقضي الشتاء بأكمله في غزل بلوفرات الصوف، وتخصص يوم الأربعاء من كل أسبوع لتأخذ ابني الصغير “مروان” البالغ من العمر ست سنوات من حضانته، لتصنع له أقراص البان كيك التي يعشقها. كان مروان يرى فيها ملاذه الآمن، وعندما كان يسأله أي شخص: “مين أكتر شخص بتحبه في الدنيا يا مروان؟”، كان يبتسم ببراءته ويقول دون تردد: “تيتا”.
في يوم السبت الماضي، كان الشاطئ مزدحمًا. خرج زوجي “ماجد” مع والده إلى الرصيف البحري للصيد، بينما جلست أنا أراقب مروان وأبناء عمومته وهم يبنون قلعة رملية. التفتُّ لعشر دقائق فقط لأجيب على اتصال هاتفي عاجل من والدتي. وعندما أغلقت الخط والتفتُّ نحو الشاطئ، انقبض قلبي؛ لقد اختفى مروان.
في البداية، حاولت تهدئة روعي، وقلت لنفسي إنه بالتأكيد ذهب برفقة جدته ليشتري الآيس كريم. توجهت إلى الكشك فلم أجدهما، بحثت في منطقة الألعاب، وسألت عامل الدوشات، لكن لا أحد رآهما. بدأ الذعر يتسلل إلى أعماقي حتى لمحت كابينات تغيير الملابس. كانت ستارة إحدى الكابينات مفتوحة بنسبة بسيطة، ومن أسفلها برز طرف صندل أزرق صغير مألوف للغاية؛ إنه صندل مروان. مشيت ببطء وهدوء لأفاجئه، لكن المشهد الذي رأيته بالداخل جعل الكلمات تموت في حلقي.
لم يلحظ أي منهما وجودي. كانت حماتي راكعة أمام مروان، وكانت تدخل بحرص شيئًا ما مغلفًا داخل الجيب الأمامي لشنطته التي تأخذ شكل سمكة قرش. بعد أن أغلقت الجيب، أمسكت بوجهه وقالت بصوت واطٍ: “قول لتيتا.. اتفقنا على إيه يا مروان؟”. هز الصغير رأسه وقال: “ماما ما ينفعش تعرف أبدًا الحاجة اللي ادهالي”. ابتسمت حماتي وقالت: “شاطر يا حبيبي”.
في تلك الثانية، شعرتُ وكأن خنجرًا من الجليد انغرس في قلبي. اندفعت وفتحت الستارة، وسحبت ابني وراء ظهري، وخطفت الشنطة من يد حماتي بعنف. حاولَت منعي وهي تصرخ: “لأ.. ما تفتحيهاش!”. لكن فتحت سحّاب الجيب الأمامي، وأول ما وقعت عيني على الشيء المخبوء، انطلقت من حنجرتي صرخة مدوية.
لم تكن مخدرات، بل كيسًا بلاستيكيًا يحتوي على ثلاث قوارير زجاجية، وإلى جوارها ورقة مكتوب عليها بخط يد حماتي: “جرعة يوم الأربعاء.. ثلاث قطرات في عصير البرتقال”. كانت الصدمة تشل عقلي. صرختُ فيها: “ماذا تضعين لابني في طعامه كل يوم أربعاء يا فاطمة؟ أكنتِ تسممينه؟”. تجمع العائلة على صوت صراخي. خطف ماجد الشنطة والقوارير، بينما سقطت حماتي تدعي الإغماء.
عندما قرأ ماجد الورقة، وقعت عليه كالصاعقة. اضطرت حماتي للاعتراف، وقالت إن السائل مادة كيميائية تسبب خمولًا وضعفًا في التركيز وتلبكًا معويًا. حين سألها زوجها لماذا تفعل ذلك، قالت بحقد: “أردتُ أن يظل مروان بحاجة إليّ، أردت أن يمرض لأعالجه بوصفاتي فيتعلق بي أكثر، وأردت أن أثبت لماجد أنكِ أم مهملة”. انهار ماجد باكيًا، وطرد والدته من البيت الصيفي، وقررنا قطع علاقتنا بها نهائيًا.
توجهنا للمستشفى لسحب عينات لمروان وعرض القوارير على المعمل الجنائي. أكد الطبيب أن المادة مزيج من مهدئ عصبي ومادة تسبب بطء حركة الأمعاء، وأنها إذا استمرت قد تؤدي لضمور جزئي في خلايا التركيز والذاكرة وتؤثر على نموه العقلي. بدأت المعركة القضائية، ورغم محاولات عائلتها للضغط علينا، كان تقرير المستشفى حاسمًا. أصدرت المحكمة حكمًا بالإقامة الجبرية على حماتي، ومنعها من الاقتراب من حفيدها، بالإضافة لغرامة مالية لصالح علاج مروان.
مرت سنتان، أصبح مروان الآن في الثامنة، وتمكن بفضل الرعاية من استعادة عافيته وتفوقه. أما ماجد، فقد خلع عباءة الابن المطيع لامرأة مريضة، وأصبح أباً مسؤولاً. وعندما حاولت أخته مؤخرًا التوسط لكي تراه جدته لطلب السماح، أجابها ماجد بحزم: “قولي لها إن مروان نسيها تماماً.. لقد ماتت أمي في نظري يوم السبت ذاك على الشاطئ”.
نحن اليوم نعيش في هدوء، وقد تعلمنا أن أشد الناس إيذاءً لنا قد يكونون هم أنفسهم من يرتدون أقنعة الملاك. تعلمنا أن الأمومة عين ساهرة، وأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، فإن مواجهتها هي السبيل الوحيد للحفاظ على من نحب.

