حكاية الحجة زينات

## حكاية الحجة زينات

كانت الساعة داخلة على اتنين الضهر، والزحمة خانقة شارع الجلاء قدام مجمع المحاكم في طنطا، والحر خانق الناس خنقة، لدرجة إن العرق كان نازل من تحت طرحة الست زينات وهي قاعدة على الكرسي البلاستيك قدام مكتب التوثيق، حاطة شنطتها السودا في حضنها، وباصّة للدوسيه الأصفر اللي مكتوب عليه اسمها بخط عريض: **زينات عبد الرحمن المنصوري**.

وابنها أحمد قاعد جنبها، بيهز رجله بعصبية وبيبص كل شوية في موبايله، وكأنه مستني مصيبة تقع فوق دماغه.

— يلا يا أمي إمضاءتين وخلاص ونمشي.

قالها وهو بيعافر يبتسم، بس عينه كانت مفضوحاه؛ عين واحد مزنوق، وخايف، ومستعجل.

زينات بصتله وسألته للمرة التالتة:

— يا واد يا أحمد هو ورق معاش إيه اللي فيه تنازل وإخلاء قطعي؟

ضحك بسرعة وقال:

— يا أمي دي صيغة قانونية إنتِ متفهميش في الورق دي.

الكلمة وقعت عليها تقيلة.. **”متفهميش”**.

هي اللي شالت البيت بعد موت أبوه، هي اللي باعت دهبها عشان تدخله معهد، هي اللي وقفت بالحلة والعربية تبيع كشري وحلبسة قدام المدارس وهي ست لوحدها، عشان ميحتاجش لحد.. وفي الآخر متفهميش!

قبل ما ترد، الموظفة الشابة دخلت وهي شايلة صينية مياه، وحطت الكوباية قدام زينات، وبصتلها بنظرة غريبة؛ نظرة خوف واستعطاف مع بعض، وبعدين قالت بهدوء:

— ممكن البطاقة يا حاجّة عشان أطابق الصورة؟

أحمد اتنرفز فجأة:

— ما كل حاجة تمام يا آنسة!

لكن البنت تجاهلته وبصت لزينات:

— دقيقة واحدة بس.

دخلت زينات معاها الأوضة الصغيرة اللي جوه، وأول ما الباب اتقفل، البنت قربت منها بسرعة وهمست:

— يا ست زينات ابنك بيبيع البيت.. العقد بيع نهائي وفيه تنازل عن حق السكن، يعني يقدر يرميكي برة البيت في أي وقت!

الست سندت على الترابيزة بإيديها المرتعشة.. بيتهم الأخضر، شجرة الليمون، ريحة إبراهيم جوزها الله يرحمه وهو بيقعد العصر في الحوش.. كل حاجة بدأت تنهار جواها.

خبط جامد جه من برة:

— أمي! خلصتوا؟! (صوت أحمد كان مليان توتر).

الموظفة قربت بسرعة وطلعت حاجة مطوية من جيبها، حطتها في شنطة زينات وهمست:

— متقوليش لحد وامشي حالًا.

رجعت زينات الصالة، والموثق ابتسم:

— اتفضلي يا حاجّة الإمضاء هنا.

أحمد ضغط على كتفها:

— يلا يا أمي خلصينا.

لكن فجأة، زينات سحبت إيدها وقالت بصوت عالي هز المكتب كله:

— مش ممضية!

السكوت وقع تقيل، ووش أحمد قلب أحمر:

— إيه؟!

— قلت مش همضي.

كاريمان مراته قامت من على الكرسي بعصبية:

— طنطي إنتِ فاهمة غلط!

زينات لمت شنطتها ومشيت بسرعة ناحية الباب، وأحمد جري وراها للشارع:

— يا أمي استني!

الناس بدأت تبص، والعربيات بتزمر، وأحمد واقف قدامها وشه شاحب:

— أنا مكنتش عايز أعمل كده والله غصب عني!

زينات بصتله بذهول:

— تبيع بيت أمك يا أحمد؟!

قبل ما يرد، عربية جيب سودا كانت واقفة في الجراج فتحت بابها، ونزل منها راجل ضخم لابس بدلة ونظارة سودا، ماشي بثقة تخوف وفي إيده دوسيه. أحمد وشه اصفر أول ما شافه وهمس:

— ده فؤاد بيه..

الراجل قرب وهو بيبتسم ابتسامة باردة:

— خلصنا يا أستاذ أحمد؟

أحمد بلع ريقه:

— لسه أمي تعبت شوية.

فؤاد بص لزينات من فوق لتحت وقال:

— يا حاجّة ابنك راجل محترم، وإحنا ناس بنشتغل بالقانون، متمضيش ليه وتريحيه؟

زينات حضنت شنطتها أكتر، وفي اللحظة دي افتكرت الحاجة المطوية اللي الموظفة حطتها جواها. فتحتها بإيد مرتعشة واتجمدت.. دي صورة قديمة لإبراهيم جوزها قدام مجمع المحاكم، ووراه أحمد وهو صغير مستخبي ورا عمود، وعينه مليانة خوف. قلبت الصورة وقرأت الجملة اللي قلبت الدنيا كلها:

> **”يا زينات لو جه يوم وأحمد حاول يخليكي تمضي على ورق روحي فورًا واحفري تحت شجرة الليمون. هتلاقي الدوسيه الأحمر وفيه السر اللي هيحميكي.”**

>

زينات حسّت قلبها هيقف؛ إبراهيم مات من 15 سنة، إزاي كان عارف؟!

وفؤاد بدأ يقرب أكتر:

— اتفضلي يا حاجّة الوقت بيجري.

لكن زينات فجأة بصت لأحمد وقالت:

— تعالى معايا البيت.

أحمد اتوتر:

— دلوقتي؟!

— حالًا.

وفؤاد ضيق عينه:

— إيه الحركات دي يا أستاذ أحمد؟

أحمد كان بيترعش، وواضح إنه خايف من فؤاد أكتر ما خايف من أمه.

ركبوا تاكسي ورجعوا البيت طول الطريق ساكتين. أول ما دخلت زينات الحوش، ريحة الليمون ضربتها في قلبها. الشجرة كانت واقفة زي ما هي؛ كبرت واتعوجت شوية، بس لسه موجودة. زينات جابت جاروف من المخزن وبدأت تحفر تحت الشجرة.

أحمد وقف يبصلها بخوف:

— إنتِ بتعملي إيه؟

— أبوك سايبلي حاجة.

الولد اتجمد.

بعد دقايق، الجاروف خبط في حديد. زينات نزلت على ركبها وطلعت صندوق معدني أحمر مترب، إيدها كانت بترتعش وهي بتفتحه.. جواه دوسيه، وفلاشة، وصورة تانية لإبراهيم. لكن الصدمة الحقيقية كانت أول ورقة: **إقرار نسب!**

زينات عينيها وسعت وبدأت تقرا، والكلمات كانت بتدبحها:

*(أقر أنا إبراهيم المنصوري أن أحمد ليس ابني من صلبي)*

الدنيا اسودت قدامها. أحمد اتراجع خطوتين:

— لا لا يا أمي متقريش!

لكنها كملت.. إبراهيم كان عارف من أكتر من 30 سنة إن أحمد مش ابنه الحقيقي. كان عارف إن زينات غلطت زمان مع واحد كانت مخدوعة فيه قبل جوازها بأيام، ولما اكتشفت حملها انهارت واعترفت لإبراهيم ليلة الفرح.. وإبراهيم قرر يسترها؛ كتب في الورق إنه سامحها، وربّى أحمد كابنه طول عمره، لكن كتب كمان إنه لو أحمد خان الأمانة يومًا، زينات لازم تعرف الحقيقة.

زينات وقعت على الأرض، الهواء اختفى من صدرها. أحمد جري عليها وهو بيعيط:

— والله كنت بحبه والله كنت فاكره أبويا!

لكنها زقته بعيد:

— كنت هتبيعني يا أحمد؟!

الولد انهار:

— أنا مكنتش قدامى حل! فؤاد بيه هيموتني! أنا مديون له بمليون جنيه!

زينات بصتله بصدمة:

— مليون؟!

وقتها الباب اتفتح بعنف، وفؤاد دخل البيت ومعاه اتنين رجالة:

— خلصنا وقت الدراما؟

أحمد رجع لورا بخوف، وفؤاد بص للدوسيه الأحمر اللي في إيد زينات، ووشه اتغير:

— الدوسيه ده عندك منين؟!

زينات فهمت في اللحظة دي إن السر أكبر من موضوع نسب أحمد. فتحت الفلاشة بسرعة على اللاب القديم بتاع أحمد، وفيديو اشتغل؛ إبراهيم ظهر فيه، وشه متعب وصوته واطي:

— “لو الفيديو ده اتفتح يبقى فؤاد رجع تاني..”

زينات شهقت، وإبراهيم كمل:

— “فؤاد مش مجرد تاجر ده كان بيغسل فلوس وبيزور عقود، وأنا كنت محاسب عنده. لما اكتشفت إنه قتل شريكه، سرقت الأدلة وهربتها.. الأدلة دي في الدوسيه الأحمر”.

فؤاد صرخ:

— اقفل الزفت ده!

لكن أحمد وقف قدامه لأول مرة:

— محدش هيقرب لأمي!

الرجالة مسكوه وضربوه وقع على الأرض، وزينات حضنت الدوسيه وهي بتصرخ.

وفجأة، صوت سرينة شرطة وقف الشارع كله. الموظفة اللي في الشهر العقاري كانت واقفة برة ومعاها ظابط؛ طلعت إنها بلغت بعد ما شكت في العقود. الشرطة دخلت بسرعة، وفؤاد حاول يهرب، لكن الظابط مسكه. الدوسيه الأحمر كان فيه تسجيلات وتحويلات وأوراق تثبت جرائم كتير، وفؤاد اتقبض عليه.

أحمد كان قاعد على الأرض، وشه كله دموع. زينات بصتله طويل.. الولد اللي ربتّه طلع مش ابن جوزها، وخانها، وباعها.. لكن برضه كان ابن قلبها.

بعد شهور، القضية اتقفلت وفؤاد اتحكم عليه بالسجن. أحمد دخل مصحة علاج من القمار والديون بعد ما اعترف بكل حاجة. أما زينات، ففي كل عصر كانت تقعد تحت شجرة الليمون، تحط كرسي إبراهيم القديم جنبها، وتبص للبيت اللي نجا في آخر لحظة.

وفي يوم، أحمد رجعلها؛ كان ضعيف وخاسس ومكسور، وقف قدامها وقال:

— لو مش هتسامحيني بس خليني أفضل ابنك.

زينات بصتله طويل، وبعدين قالت وهي دموعها بتنزل:

— الدم مش هو اللي بيعمل الابن يا أحمد.. التربية والأمان هما اللي بيعملوه.

الولد حضن رجليها وفضل يعيط، وزينات رفعت وشها للسما وهمست:

— الله يرحمك يا إبراهيم.. حتى بعد موتك كنت لسه بتحميني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *