حينما تقودك المظاهر إلى الهاوية

التفتت إلينور إلى الكابتن دانيال، ونظرت في عينيه بثبات غريب جعل رجفته الداخلية تظهر في حركة أصابعه دون أن يدري، وقالت بلهجة هادئة للغاية ولكنها تحمل نبرة آمرة حاسمة: “يا كابتن دانيال، أعتقد أنك نسيت تمامًا قواعد السلامة المهنية، وقبلها نسيت كيف تحترم المسافرين على متن هذه الطائرة، ولذلك أود أن أبلغك بأن رحلتك القادمة لن تكون إلى نيويورك، بل ستكون مباشرة إلى مكتب التحقيقات في الإدارة العامة للشركة”.

في تلك اللحظة، وقبل أن يستوعب دانيال الكلمات أو يطلق ضحكة ساخرة، كان مايكل، المدير التنفيذي للشركة، قد قفز من مقعده خلفهما بثلاثة صفوف، وتقدم بخطوات متسارعة والوجوم يكسو وجهه، وعلامات الرعب واضحة تمامًا في عينيه، ليتوقف بجانب الكابتن دانيال ويزيحه بيده جانبًا بشكل مفاجئ، ثم انحنى أمام إلينور باحترام شديد تملأه الرهبة وقال بصوت مرتعش سمعه كل من في الدرجة الأولى: “سيدتي.. سيدة إلينور، أرجو منكِ المعذرة، أنا أعتذر نيابة عن الطاقم وعن الشركة بالكامل، لم نكن نعلم أنكِ على متن هذه الرحلة اليوم”.

تسمر الكابتن دانيال في مكانه، وتحولت ملامح الغرور على وجهه إلى ذهول تام، بينما تراجعت زوجته فانيسا خطوة إلى الوراء، ونظرت إلى مايكل وهي تحاول استيعاب ما يحدث، متسائلة بصوت خافت ومستنكر: “مايكل؟ ما الذي تقوله؟ من هذه الفتاة البسيطة التي تجعل مدير الشركة ينحني لها هكذا؟ أنا أريد مقعدي!”.

التفت إليها مايكل بحدة وقال بنبرة غاضبة وصوت منخفض: “اخرسي يا فانيسا! أنتِ ودانيال لا تدريان من هذه! هذه السيدة هي إلينور، المالكة الجديدة والوحيدة للمجموعة ولكل طائرات هذه الشركة منذ ستة أشهر، إنها رئيسة مجلس الإدارة التي بكلمة واحدة منها تستطيع إنهاء تاريخ دانيال المهني وشطب رخصته القيادية للأبد”.

وقع الكلمات كان كالصاعقة على دانيال؛ شعر بركبتيه تكادان تعجزان عن حمله، وبدأ عرق بارد يتصبب من جبينه وهو ينظر إلى الفتاة التي كان قبل دقيقة واحدة ينظر إليها باحتقار ويأمرها بالانتقال إلى الدرجة الاقتصادية لمجرد أن ثيابها بسيطة ولا ترتدي المجوهرات، وفهم الآن لماذا كانت هادئة ولم تهتز أمام صراخه وغروره.

نظرت إلينور إلى دانيال الذي كان يحاول بلع ريقه ونطق كلمات الاعتذار المتلعثمة، وقالت له بوقار ودون أي صراخ: “كابتن دانيال، لقد علمتني والدتي الراحلة أن قيمتنا الحقيقية تكمن في طريقة تعاملنا مع من نظن أنهم أقل منا شأنًا وقوة، أنت لم تخطئ في حقي لأنني مالكة الشركة، بل أخطأت في حق نفسك وفي حق مهنتك عندما قررت طرد مسافرة لمجرد أن مظهرها لم يعجب زوجتك، ولو كنتُ مجرد فتاة فقيرة لكان مصيري الطرد والإهانة أمام الجميع بسبب غطرستك”.

حاول دانيال التحدث قائلاً: “سيدتي.. أرجوكِ، أنا أعمل هنا منذ ثلاثين عامًا، ولم أقصد..”، فقاطعته إلينور برفع يدها بلطف وجدية قائلة: “خبرتك لثلاثين عامًا كان يجب أن تعلمك التواضع لا التعالي، إن الطائرة ستقلع الآن إلى نيويورك لأنني لا أريد تعطيل مصالح المسافرين الآخرين الذين دفعوا قيمة تذاكرهم، وسيقودها مساعدك تحت إشراف مباشر من المدير التنفيذي مايكل، أما أنت يا دانيال، فستجلس في المقعد الأخير في الدرجة الاقتصادية كمسافر عادي حتى نصل، وهناك ستتسلم قرار إيقافك عن العمل وتحويلك للتحقيق الفوري”.

التفتت إلينور بعد ذلك إلى فانيسا التي كانت ترتجف ودموع الصدمة والإحراج تنهمر من عينيها خلف نظارتها الشمسية الثمينة، وقالت لها: “أما أنتِ يا سيدتي، فبإمكانك الجلوس في المقعد المجاور لزوجك في الخلف، لعل الرحلة الطويلة تجعلكِ تدركين أن المظاهر والماركات لا تشتري الاحترام، وأن المقعد 2A لا يمنح صاحبه قيمة إن كان فارغًا من الإنسانية”.

تحرك دانيال وزوجته بجرار الخيبة والمذلة نحو مؤخرة الطائرة وسط نظرات الذهول والهمسات من الركباء الذين شهدوا الدرس القاسي، بينما تولى مساعد الكابتن القيادة بمتابعة من مايكل الذي لم يجرؤ على مراجعة القرار. جلس الكل في مقاعدهم، وعاد الهدوء التام ليعم الكابينة، بينما فتحت إلينور كتابها البسيط من جديد، وتابعت القراءة باطمئنان وابتسامة خفيفة، بعد أن لقنت الجميع درسًا لن ينسوه أبدًا في أن جوهر الإنسان لا يُقاس بما يرتديه، بل بما يحمله في قلبه من نبل وأخلاق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *