عشت اخدم حماتى ١٠ سنين
عشت بخدم حماتى 10 سنين وكأنها أمى… لحد ما بنتى اللى عندها 8 سنين همستلى: “يا ماما… تيتة بتحط بودرة بيضا فى اليانسون بتاعك”.
اتجوزت راجل محبوس عشان الفلوس وهو لسه بيقضى حكم 12 سنة… لكن يوم ما المحكمة برّأته، خبط على باب شقتى، وفى إيده صندوق أسود، وقال: “دلوقتى جه دورى أقولك الحقيقة”.
لما وافقت أتجوز ياسين، بصراحة ماكنش فارق معايا هو مظلوم ولا لأ. الناس كلها كانت بتقول إنه سرق فلوس الجمعية الخيرية اللى كانت بتاعة عيلته، واتحكم عليه بـ12 سنة سجن. وأنا وقتها؟ كنت عندى 27 سنة، غرقانة فى إيجار الشقة المتأخر، وكل يوم صاحب البيت يهددنى بالطرد. وفوق ده كله كنت المسؤولة عن تربية أخويا الصغير بعد وفاة أمى.
لما والدة ياسين عرضت عليا خمسين ألف جنيه كل شهر مقابل إنى أبقى مراته على الورق… وافقت من غير ما أفكر. مكنش عندى رفاهية إنى أرفض. قالتلى بهدوء: “كل اللى عايزاه منك إنك تزوريه مرتين فى الشهر… وتبعتيله جواب كل فترة… المحكمة تشوف إنه لسه عنده حد واقف جنبه”. وافقت. كتبنا الكتاب جوه السجن، قدام ضابط واقف بيبص فى الساعة كل شوية، وكام موظف حافظين المشهد من كتر ما شافوه. كنت متخيلة ياسين هيبقى عصبي… أو حاقد… أو حتى هيعاملنى بجفاء. لكن اللى حصل كان العكس تمامًا. كان هادى بصورة غريبة. كل زيارة كان يسألنى: “أخوكي امتحاناته عاملة إيه؟”. وكان فاكر عيد ميلاده قبلّى. وكان كل جواب يبعتلى فيه رسمة صغيرة بالقلم الجاف فى الهامش… مرة شجرة… مرة مركب… مرة بنت صغيرة ماسكة إيد أخوها.
فى الأول… كنت بمثل إنى مهتمة. لكن بعد كام شهر… بطلت تمثيل. ابتديت أصدق إنه مش الشخص اللى الناس رسمته. وبقيت كل ليلة أقعد أراجع أوراق القضية. كل ما أقرأ… ألاقى حاجة مش راكبة. إمضا مختلفة. تواريخ متلخبطة. وشاهد أساسى اختفى وسافر بره مصر بعد ما شهد ضده مباشرة. ولما كل الناس كانت بتقول: “سيبيه… ده حرامى”. أنا كنت واقفة قدام المحامين، شايلة ملفات القضية، وبترجاهم يفتحوا الملف من جديد. الغريب… إن ياسين عمره ما سألنى: “بتعملى كل ده ليه؟”. يمكن لأنه كان شايف الإجابة فى عينى. وساعتها… اكتشفت إنى وقعت فى حبه فعلًا.
بعد ثلاث سنين من جوازنا اللى بدأ جوه السجن… الحقيقة انفجرت. طلع ابن عمه هو اللى حول فلوس الجمعية لحسابات تانية، وزور توقيع ياسين، وسابه يشيل الليلة كلها لوحده. المحكمة ألغت الحكم، وياسين خرج حر. كنت مستنية أول ما أشوفه يجرى يحضنى. لكن أول ما خرج من باب السجن… وشه كان متغير. كان باين عليه إن السنين اللى ضاعت منه سايبة جواه جرح أكبر من أى كلام. مسك إيدى بهدوء وقال: “يلا… نرجع بيتنا”.
أسبوع كامل… كنت فاكرة إن الكابوس خلص، وإن أخيرًا هنعيش الحياة اللى اتحرمنا منها. لكن فى الليلة التامنة… رجعت من المطبخ، لقيته حاطط صندوق أسود صغير فوق السفرة. بصيتله باستغراب، قلت: “إيه ده؟”. رفع عينه ناحيتى وقال بصوت هادى: “دلوقتى جه دورى… أقولك الحقيقة”. ضحكت وأنا بحاول أكسر التوتر: “متخوفنيش يا ياسين”. لكنه ماضحكش. بالعكس… ملامحه اتغيرت فجأة، وحسيت جسمى كله ساقع. بصلى وقال بهمس: “لازم تعرفى كل حاجة… لأن يوم ما وافقتى تتجوزينى… إنتِ ماكنتيش بتوافقى على جوازة صورية وبس…”. وسكت ثوانى وهو حاطط إيده على الصندوق الأسود… قبل ما يكمل: “إنتِ دخلتى نفسك فى حاجة أكبر بكتير… أكبر من اسم مكتوب فى قسيمة جواز”.
ياسين فضل ساكت ثوانى، وبعدين فتح الصندوق الأسود ببطء. جوا الصندوق كان فيه فلاشة، ومفكرة جلد قديمة، وساعة يد مكسورة. بصيتله باستغراب وقلت: “يعنى إيه كل ده؟”. قال وهو بياخد نفس طويل: “دى الحاجات اللى خلتنى أدخل السجن… والحاجات اللى ممكن تودّى ناس تانية السجن العمر كله”. مسكت المفكرة بإيد مرتعشة. لقيت فيها أسماء رجال أعمال، وتحويلات مالية، وتواريخ، وأرقام حسابات، وكل صفحة عليها توقيع مختلف. قلتله: “ليه مخبيها كل السنين دى؟”. ابتسم ابتسامة حزينة وقال: “لأن اللى ظلمنى مكانش شخص واحد… كانت شبكة كاملة. ولو كانوا عرفوا إن الدفاتر دى لسه موجودة، كانوا قتلوك وقتلو أخوكي عشان يوصلولى”.
شهقت وأنا ببصله: “يعنى… أنا كنت فى خطر طول الوقت؟”. هز رأسه وقال: “أيوه… وعشان كده كنت بطلب من أمى تخليكى بعيدة عن أى تفاصيل. حتى وأنا فى السجن، كنت عارف إن فى ناس بتراقب البيت”. فتح الفلاشة على اللابتوب. ظهر فيديو قديم. ابن عمه، ومعاه اتنين من أعضاء مجلس إدارة الجمعية، وهما بيتكلموا عن تحويل الفلوس وتلفيق التهمة لياسين. الصوت كان واضح، والاعتراف أوضح. قال ياسين: “الفيديو ده اتصور قبل القبض عليا بيومين. واحد من الموظفين كان أمين، خباه وسلمه لمحامى قبل ما يسافر. والمحامى خاف يطلعه وقتها”. قلت: “طب ليه مطلعتهوش أول ما خرجت؟”. رد بهدوء: “لأنى كنت عايز أعيش يومين معاكِ من غير خوف… لكن الحق لازم يرجع”.
فى اليوم التالى، راحوا للنيابة وسلموا كل الأدلة. بدأ التحقيق من جديد. وخلال أسابيع، اتقبض على كل المتورطين، واعترفوا بتفاصيل الجريمة، واترد جزء كبير من أموال الجمعية لأصحابها. بعد شهور، وقف ياسين قدام الجمعية، لكن المرة دى كرئيس لمجلس أمنائها بعد انتخابه من جديد. لف ناحيتى وقال قدام الناس كلها: “أنا خسرت سنين من عمري… لكن ربنا عوضنى بإنسانة بدأت معايا الجواز عشان الفلوس، وكملت معايا عشان الحب والوفاء”. دموعى نزلت من غير ما أحس. ابتسمت وقلت: “وأنا كسبت راجل علمنى إن الحقيقة ممكن تتأخر… لكنها عمرها ما بتموت”. وبعد عام، رزقهما الله بطفلة أسمياها أمل، لأن الأمل هو الشيء الوحيد الذى تمسكا به طوال سنوات الظلم… وكان سبب نجاتهما.
بعد افتتاح المستشفى بشهر، كنت واقفة فى مكتبى براجع ملفات التبرعات، لما السكرتيرة دخلت وهى متوترة. قالت فى ست كبيرة برة… رافضة تمشى غير لما تقابل الأستاذ ياسين. خرج ياسين بنفسه. أول ما شافها، اتجمد مكانه. كانت زوجة ابن عمه… المتهم الرئيسى فى القضية. وشها كان باين عليه التعب، وعينيها مليانة دموع. قالت بصوت مكسور: “أنا عارفة إنكم مش هتسامحونا… بس جاية لك فى حاجة ملهاش ذنب”. وراحت ماسكة إيد بنت صغيرة، يمكن عندها سبع سنين. البنت كانت مستخبية وراها، وخايفة تبص لحد. قالت: “أبوها مات فى السجن بأزمة قلبية… وقبل ما يموت سلمنى جواب وقال ما افتحوش إلا بعد ما أقابل ياسين”. سكت المكان كله. ياسين أخد الجواب، وفتحه بإيد مرتعشة. كان مكتوب فيه: “أنا ظلمتك… وطمعى ضيع عيلتى وضيع عمرك. مفيش كلمة هترجع اللى فات، لكن بنتى ملهاش غير ربنا… ولو لسه فى قلبك رحمة، متخليش تدفع تمن ذنبى”.
فضل ياسين ساكت. بص للبنت، ولقيها ماسكة دمية قديمة ومش فاهمة حاجة. قرب منها، ونزل على ركبته، وقال بابتسامة هادئة: “اسمك إيه؟”. قالت بخجل: “ملك”. ناولها شوكولاتة كانت على المكتب، وقال: “من النهارده، المستشفى والمدرسة دول بيتك قبل أى مكان. محدش هيأذيكى”. أمها انفجرت فى البكاء. وأنا بصيت لياسين، وحسيت إن الراجل اللى خرج من السجن وهو شايل وجع السنين، بقى أقوى من أى ظلم مر بيه. وفى طريق الرجوع للبيت، مسك إيدى وقال: “الانتقام كان هيخلينى شبههم… لكن الرحمة خلتنى أعيش بسلام”. ابتسمت وأنا ببص للسماء، وحسيت إن ربنا بيعوض الصابرين فى الوقت اللى هو شايفه مناسب.
بعد ما خلصت القضية، كنت فاكرة إن أخيرًا هنبدأ حياة هادية. لكن بعد أسبوعين… صحيت الفجر على صوت جرس الباب. ياسين قام يفتح. لقى راجل كبير واقف، شعره كله أبيض، وفى إيده ظرف بنى قديم. قال بصوت مرتعش: “أنا اسمى عماد… وكنت المحاسب الرئيسى فى الجمعية”. وش ياسين شحب. الراجل مدله الظرف وقال: “أنا كنت شاهد وسكت… وخوفى ضيع من عمرك سنين. سامحنى”. دخلناه البيت. فتح الظرف. كان جواه عقد شراء أرض، وخطابات، وإيصالات تثبت إن والد ياسين كان عامل وقف خيرى باسم العيلة قبل وفاته. والأرض دى كانت دلوقتى تساوى مئات الملايين. لكن الأهم… كان فيه جواب مكتوب بخط والد ياسين. فتحناه، وبدأ يقرأ بصوت مكسور: “يا ابنى… لو وصلتلك الرسالة دى، يبقى أنا مقدرتش أحميك. يمكن يظلموك، ويمكن يخلوك تدفع تمن أمانتى. بس أوعى تسمح للظلم يخليك ظالم”.
وقف ياسين عن القراءة، وعينه دمعت لأول مرة من يوم خرج من السجن. بصلى وقال: “أنا كنت ناوى أنتقم من كل واحد ظلمنى”. مسكت إيده وقلت: “وأبوك أنقذك حتى بعد وفاته”. ابتسم ابتسامة صغيرة، ومزق قائمة كان كاتب فيها أسماء ناس كان ناوى يواجههم بنفسه. وقال: “القانون رجّعلى حقى… وأنا مش هرجع أضيع عمرى فى الكراهية”. بعد شهور، اتحولت الأرض لمشروع خيرى يحمل اسم والده، اتبنى عليها مستشفى ومدرسة مجانية، وبقى ياسين يشرف عليهم بنفسه. وكان كل ما حد يشكره، يبتسم ويبصلى ويقول: “أنا خرجت من السجن مرتين… مرة بقرار المحكمة… ومرة يوم لقيت حد آمن بيا قبل ما الحقيقة تظهر”.
بعد خمس سنين… وأنا قاعدة فى جنينة البيت، بنتنا الصغيرة كانت بتجرى ورا الفراشات، وملك بقت فى أولى جامعة، وكانت تعتبر ياسين أبوها الحقيقي. افتكرت اليوم اللى وافقت فيه على جوازة كانت بالنسبة لى مجرد وسيلة للهروب من الفقر. عمرى ما تخيلت إنها هتبقى بداية حياة كاملة. فى مساء هادئ، ياسين خرج من مكتبه وهو شايل ظرف أبيض. ابتسم وقال: “فاكرة أول يوم قلتلك فيه إن فى حقيقة أكبر من قضية السجن؟”. ضحكت وقلت: “أكيد… خوفتنى يومها”. ناولنى الظرف. فتحته. كان جواه أول جواب أنا كتبتهوله وهو فى السجن. الورقة كانت اصفر لونها مع الزمن. قرأت أول سطر، فضحكت من دموعى. كنت وقتها بكتب كلام رسمي، لأن الجواز كان بالنسبة لى مجرد اتفاق. لكن فى آخر الجواب، كنت كاتبة من غير ما أحس: “خلي بالك من نفسك”. قال ياسين وهو بيبصلى: “أنا وقعت فى حبك من الجملة دى… عرفت إن قلبك أحن من اللى بتحاولى تبينيه”. ضحكت وأنا بمسح دموعى. قلت: “وأنا وقعت فى حبك لما لقيتك فى كل جواب بتسألنى عن أخويا قبل ما تسأل عن نفسك”. شد إيدى وقال: “يبقى كل واحد فينا أنقذ التانى”. وفى اللحظة دى، جرت بنتنا الصغيرة وارتمت فى حضنه وهى بتضحك. وبصيت للبيت، وللعيلة اللى اتجمعت بعد سنين من الألم، وحسيت إن ربنا عوض كل لحظة وجع عشناها. أحيانًا… النهاية السعيدة مش بتيجى بسرعة. لكن لما بتيجى، بتخليك تنسى قد إيه كان الطريق صعب.
بعد سنة كاملة… بقت ملك تيجى المستشفى كل يوم بعد المدرسة. كانت تنادى ياسين “عمو ياسين”، ومع الوقت بقت تضحك من قلبها بعد ما كانت بتخاف من أى حد. وفى يوم، وإحنا قاعدين بنتغدى، رن تليفون ياسين. الرقم كان مجهول. رد، وسكت فجأة. ملامحه اتغيرت. قلت بقلق: “فى إيه؟”. قفل المكالمة وقال: “فى حد بيقول إن لسه فيه جزء من الحقيقة محدش يعرفه”. تانى يوم، وصل ظرف من غير اسم مرسل. فتحناه. كان جواه مفتاح خزنة فى بنك، ومعاه ورقة مكتوب فيها: “السر الأخير… هتعرفه فى الخزنة رقم 317”. بصيت لياسين وقلت: “هناخد؟”. قال بحزم: “لازم”. دخلنا البنك، وبعد إجراءات طويلة فتح الموظف الخزنة. كان جواها صندوق خشب صغير. فتحناه… لقينا وصية بخط والد ياسين، ومعاها صور قديمة، ومستندات تثبت إن جزءًا كبيرًا من ثروة العيلة كان مخصصًا لبناء مدارس ومستشفيات مجانية، لكن المشروع توقف بعد القضية. آخر سطر فى الوصية كان يقول: “الثروة الحقيقية مش الفلوس… الثروة هي الخير اللى تسيبه بعدك”.
ابتسم ياسين، وقفل الصندوق بهدوء. وقال لى: “دلوقتى فهمت ليه ربنا نجاني… مش عشان أرجع حقي بس، لكن عشان أكمل حلم أبويا”. وبالفعل، خلال السنوات التالية، اتبنت مدارس جديدة، واتعالج آلاف المرضى مجانًا، وبقى اسم والد ياسين مرتبط بالخير بدل القضية اللى ظلمته. أما أنا… فكل ما حد يسألنى إيه أغرب قرار خدتيه فى حياتك؟ أبتسم وأقول: “اتجوزت راجل وأنا فاكرة إنى ببيع اسمى مقابل الفلوس… واكتشفت إنى كسبت إنسان يستحق العمر كله”.
بعد عشرين سنة… كانت قاعة المستشفى مليانة أطباء شباب بيتخرجوا من برنامج المنح اللى أسسه ياسين. وقف على المسرح، لكن المرة دى شعره كان اختلط بالشيب، وأنا قاعدة فى أول صف، وبنتنا وملك وأخويا بقوا كلهم جنبى. بدأ كلمته وقال: “الناس فاكرة إن أكبر معركة فى حياتى كانت إنى أخرج من السجن… لكن الحقيقة إن أكبر معركة كانت إنى ما أخليش الظلم يغيّرنى”. الكل سكت يسمع. وفجأة، دخل موظف الاستقبال وهو مستعجل. همس فى ودن ياسين: “فى راجل كبير برة… بيقول لازم يقابلك حالًا”. خرجنا معاه. لقينا راجل فى أواخر السبعين، ماشى بعكاز، ووشه مليان تجاعيد. أول ما شاف ياسين، دموعه نزلت. قال: “أنا كنت وكيل النيابة المساعد فى قضيتك”. اتجمد ياسين مكانه. كمل الرجل: “أنا كنت شاكك إنك بريء… لكن سكت. خفت على مستقبلى، فضيعت مستقبلك”. أخرج من جيبه ورقة قديمة. وقال: “دى كانت مذكرة كتبتها وقت التحقيق… وأثبت فيها إن الأدلة فيها تناقضات. رؤسائى أمرونى أخفيها”. أخذ ياسين الورقة، وبص فيها طويلًا. ثم رفع عينه وقال بهدوء: “أنا سامحتك”. الرجل انفجر فى البكاء. قال: “كنت مستنى الكلمة دى من عشرين سنة”. ابتسم ياسين وقال: “يمكن لو ما حصلش اللى حصل… ماكنتش هعرف قيمة العدل، ولا كنت هبنى كل الخير ده”. وأثناء رجوعنا، سألته: “عمرك ندمت على حاجة؟”. ابتسم وهو بص لبنتنا وأحفادنا اللى كانوا بيلعبوا فى جنينة المستشفى، وقال: “أيوه… ندمت إنى ضيعت سنين بعيد عنكم. لكن ربنا عوضنى بأيام عمرى ما كنت أحلم بيها”. وفى نهاية اليوم، اتجمعت العيلة كلها على سفرة واحدة. ضحك الأطفال، واتكلم الكبار، وكان البيت مليان دفا. وقتها همست لنفسى: “يمكن البداية كانت صفقة… لكن النهاية كانت نعمة”.
بعد مرور عشر سنوات… فى يوم الاحتفال بمرور عشر سنين على افتتاح المستشفى، كان المكان مليان ناس جايين يشكروا ياسين على كل الخير اللى عمله. وأنا واقفة جنبه، جه شاب فى أوائل العشرينات، لابس بدلة بسيطة، وفى إيده ملف. وقف قدام ياسين وقال: “حضرتك أكيد مش فاكرنى”. ياسين ابتسم وقال: “فكرنى”. الشاب رد وهو بيبتسم: “أنا ابن الراجل اللى اشتغل حارس فى الجمعية زمان… حضرتك دفعت مصاريف تعليمى من غير ما أعرف مين اللى بيدفع”. سكت لحظة، وفتح الملف. طلع شهادة تخرجه من كلية الطب. وقال والدموع فى عينيه: “أنا جيت النهارده أقولك… الدكتور اللى واقف قدامك ده، كان حلم مستحيل لولاك”. القاعة كلها سكتت. ياسين قام وحضنه. وقال: “لأ… أنت اللى حققت حلمك بتعبك. أنا عملت واجبي بس”. بدأ الناس تسقف بحرارة. وبعدين طلع مدير المستشفى على المسرح وقال: “فى مفاجأة للأستاذ ياسين ومدام…”. اتفتح ستار كبير، وظهر تمثال رخامى بسيط مكتوب تحته: “من اختار العفو على الانتقام، والعدل على الكراهية، فغيّر حياة آلاف البشر”. بصيت لياسين. لقيته بيبكى لأول مرة قدام الناس. همسلى: “لو رجع بيا الزمن… هختارك إنتِ من أول يوم… حتى لو كنت لسه جوه السجن”. ابتسمت، ومسكت إيده، وقلت: “وأنا كمان… لأن ربنا كتب أجمل قصة حب من قرار بدأ بالاحتياج… وانتهى بعمر كامل من الرحمة والوفاء”.
بعد سنين طويلة… وفى ليلة شتوية هادئة، كانت الأسرة كلها مجتمعة تحتفل بعيد ميلاد ياسين السبعين. الأحفاد كانوا بيجروا فى كل مكان، وكل واحد فيهم ماسك صورة قديمة لياسين وهو شاب. فجأة، حفيده الصغير آدم قرب منه وسأله ببراءة: “يا جدو… هو صحيح إنت دخلت السجن؟”. سكتت القاعة كلها. الكل بص لياسين، مستنى إجابته. ابتسم، وشال آدم وقعده على رجله، وقال: “أيوه يا حبيبي… دخلته”. سأله آدم: “كنت وحش؟”. هز ياسين رأسه وقال: “لأ… بس ساعات الإنسان ممكن يتظلم”. “وزعلت؟”. ابتسم وقال: “زعلت جدًا… لكن لو فضلت زعلان، كنت هخسر باقى عمرى”. سأله الطفل: “مين أنقذك؟”. نظر ياسين نحوى، وأنا كانت الدموع فى عينى. ابتسم وقال: “ربنا… وبعده ست شجاعة وافقت تقف جنبى، وهى مش مضطرة”. بص آدم ليا وقال: “دى تيتا؟”. ضحك الجميع. قلت وأنا بمسح دموعى: “أيوه يا حبيبي”. جرى آدم وحضنى، وقال: “يبقى إنتِ بطلة القصة”. ضحكت وقلت: “لا… البطولة كانت إن جدك اختار يسامح بدل ما ينتقم”. وفى نهاية السهرة، فتح ياسين ألبوم الصور. أول صورة كانت يوم كتبنا الكتاب داخل السجن. آخر صورة كانت للعيلة كلها، واقفين قدام المستشفى والمدرسة اللى خرجوا للنور بسبب رحلة مليانة تعب وصبر. قفل الألبوم، وقال بهدوء: “لو حد سألكم يومًا إيه معنى العدل… قولوله إنه مش بس حكم محكمة. العدل الحقيقي هو إن الإنسان يفضل إنسان، حتى بعد ما الدنيا تظلمه”.
بعد وفاة ياسين بسنوات، بقيت أروح كل صباح أقعد على المقعد الخشبى اللى كان بيحبه فى جنينة المستشفى. كنت أحط وردة بيضا كل يوم… وأقعد أتكلم معاه كأنه لسه سامعني. فى يوم، حفيدتى الصغيرة سألتنى: “تيتا… هو جدو كان بيخاف؟”. ابتسمت وقلت: “كان بيخاف زيه زى أى إنسان… لكن عمره ما سمح للخوف إنه يمنعه يعمل الصح”. فتحت الدرج اللى فى مكتبه، ولقيت ظرف باسمى. كان مكتوب عليه: “ما يتفتحش إلا بعد ما أمشى”. إيدى كانت بترتعش وأنا بفتحه. كان جواه جواب. بدأت أقرأ: “يا حبيبتى… لو بتقرى الرسالة دى، يبقى أنا سبقتك عند ربنا. متزعليش عليا… أنا عشت العمر اللى كنت بحلم بيه. خرجت من السجن مظلوم، لكن خرجت من الدنيا راضى. وأكبر نعمة ربنا رزقنى بيها… كانت إنتِ. إوعى تخلى المستشفى تقفل، ولا المدرسة تقف، لأن الخير هو الحاجة الوحيدة اللى بتعيش بعد أصحابها. ولو سألك حد يومًا مين كان بطل حكايتى… قولى له الست اللى صدقتنى قبل ما الدنيا كلها تصدقنى”. وقفت عن القراءة. دموعى كانت بتنزل على الورق. رفعت عينى للسما، وابتسمت. وقلت بهدوء: “نفذت وصيتك يا ياسين… ولسه كل يوم فى مريض بيتعالج، وكل سنة فى طالب بيتخرج، وكل واحد فيهم بيدعيلك”. وفى آخر عمرها، لما كبرت، كانت كل ليلة تحكى للأحفاد نفس الحكاية. لكنها كانت تبدأها بجملة مختلفة: “ما تتسرعوش تحكموا على حد… يمكن الحقيقة تكون مستخبية سنين، لكن عمرها ما بتموت”.
بعد سنوات طويلة… فى صباح ربيعى هادئ، كانت المستشفى تحتفل بمرور خمسين سنة على تأسيسها. دخل الأحفاد قاعة الاجتماعات القديمة، وهم بينضفوا المخزن استعدادًا للاحتفال. وأثناء نقلهم لخزانة خشب عتيقة، لاحظ حفيدي الأكبر درجًا سريًا. فتحوه بحذر. كان جواه… الصندوق الأسود. نفس الصندوق اللى غيّر حياتنا من عشرات السنين. لكن المرة دى، كان فيه ظرف جديد، مكتوب عليه: “إلى أول حفيد يفتح الصندوق”. فتح الحفيد الظرف، وبدأ يقرأ بصوت مرتعش: “إذا كنت بتقرأ الرسالة دى، فاعرف إنك غالبًا سمعت حكايتى من جدتك. لكن أهم حاجة عايزك تفتكرها مش إنى دخلت السجن… ولا إني خرجت بريء… أهم حاجة إنك تعرف إن الإنسان بيتقاس بأخلاقه، مش بالمحنة اللى مر بيها”. سكت لحظة وهو يكمل القراءة: “لو فى يوم ظلمك حد… طالب بحقك. ولو ربنا رجعهولك… متخليش الكراهية تسكن قلبك. لأن الكراهية سجن… أصعب من أى زنزانة”. ساد الصمت فى القاعة. الحفيد قفل الرسالة، وبص لصورة جده المعلقة على الحائط. ابتسم وقال: “وعد يا جدو… هنكمل الطريق”. وفى المساء، اتجمعت العيلة كلها فى حديقة المستشفى. كان الأطفال بيلعبوا، والأطباء بيستقبلوا المرضى، والمدرسة المجاورة خرج منها جيل جديد من الطلاب. وقفت أبص للمشهد، وأنا رغم كِبَر سني، حسيت إن ياسين لسه موجود… فى كل ابتسامة مريض، وفى كل دعوة أم، وفى كل طفل اتفتح له باب مستقبل جديد. وأدركت أن بعض البشر لا يرحلون أبدًا… لأن أثرهم يظل حيًا فى قلوب الناس.
بعد رحلة طويلة من الظلم والصبر، وقف أحفاد ياسين وزوجته أمام قبرهما فى صباح هادئ. قال الحفيد الأكبر وهو يضع باقة ورد: “جدو علمنا إن الحق ممكن يتأخر… لكنه بيرجع. وتيتا علمتنا إن الوفاء مش كلمة، الوفاء عمر كامل”. ثم توجهوا جميعًا إلى المستشفى والمدرسة اللتين أسسهما ياسين، حيث كان المرضى يتلقون العلاج مجانًا، والأطفال يتعلمون دون أن يدفعوا جنيهًا واحدًا. على مدخل المستشفى كانت هناك لوحة رخامية كُتب عليها: “هذا المكان بُنى من قلب عرف الظلم، فاختار العدل… ومن روح عرفت الألم، فاختارت الرحمة”. مرت السنوات، وتغيرت الوجوه، لكن اسم ياسين وزوجته ظل يُذكر بكل خير. أما هى، فكانت كلما سألها أحد عن أعظم قرار اتخذته فى حياتها، تبتسم وتقول: “وافقت يومًا على زواج ظننته صفقة تنقذنى من الفقر… فاكتشفت أنه كان هدية من الله، رزقنى فيها برجل شريف، وببعائلة، وبحياة لها معنى”. وفى آخر ليلة من عمرها، أغمضت عينيها وهى تبتسم، كأنها رأت ياسين من جديد. همست بكلمة أخيرة: “استنيتنى كتير… المرة دى أنا اللى جاية”. وفى الصباح، دفنها أولادها إلى جوار زوجها، كما أوصت. ومن يومها، صار الناس يمرون أمام قبريهما، يقرأون الفاتحة، ويرددون الحكاية التى أصبحت مثلًا بين الجميع: “قد يتأخر العدل… لكنه لا يموت، وقد يبدأ الحب من اتفاق، لكنه يخلد بالوفاء”.

