خطة غدر

خطة غدر

صاحية الساعة 2 وربع بعد نص الليل، كنت قايمة رايحة الحمام..
المطر كان رزع في شباك الأوضة والرعد مالي الساحل، بره بيتنا اللي مأجرينه للمصيف..
ببص جنبي.. لقيت مكان جوزي إيهاب فاضي.

في الأول ما ركزتش أوي، إيهاب طبيعي شغله تقيل وبيجيله مكالمات متأخرة مع عملاء بره مصر. قمت وأنا لسه بنعس، لبست الروب بتاعي ومشيت براحة في الطرقة.. ساعتها بس سمعت صوته جاي من تحت. صوته كان واطي.. حذر.. شبه بيوشوش.

وقفت غصب عني عند أول السلم، وسمعت صوت ضحكة ست جاية من سماعة الموبايل. بطني اتعصرت في ثانية. نبرة صوت إيهاب اتغيرت بطريقة مسمعتهاش منه من سنين.. نبرة دافية.. قريبة.. وقريبة زيادة عن اللزوم.

— متقلقيش يا حبيبتي.

قالها بهمس، وسكت شوية، وبعدها ضحك ضحكة واطية:

— بكرة مراتي هتختفي من الدنيا خالص.. وكل حاجة أخيرًا هتبقى بتاعتنا.

جسمي كله تلج في مكاني، ومبقتش قادرة أتحرك خطوة واحدة. في الأول عقلي رفض يستوعب الجملة أصلًا.. تختفي؟ يعني إيه تختفي؟ طلاق؟ هيهرب؟
بس إيهاب كمل كلامه بكل برود:

— لأ، مش شاكة في أي حاجة.. طريق المشي اللي عند منحدر الصخرة الشبكة فيه ميتة.. حادثة واحدة صغيرة.. وكل حاجة هتنتهي.

كنت هقع من طولي على السلم. صوت المطر بره فجأة بقى عالي ومزعج بطريقة تخوف. إيدي بدأت تترعش وأنا ماسكة في سور الخشب.

الست اللي على التليفون سألته سؤال مسمعتوش كويس، بس إيهاب رد:

— أول ما فلوس تأمين حياتها تطلع.. هنسافر اليونان زي ما خططنا.

تأمين حياتي!
يا نهار أسود.. يا رب ارحمني.

ده مطلعش وهم، ومطلعتش خيانة مشاعر وخلاص.. جوزي بيخطط لقتلي.

رجعت بضهري لورا خطوة خطوة، مرعوبة ليكون في أي لوح خشب في الأرض يزيق. عشر سنين جواز وفلاش باك لكل حياتنا عدى قدام عيني في ثواني. فرحنا اللي عملناه في الفندق الكبير.. إيده اللي كانت بتطبطب على إيدي وإحنا بنخسر عيالنا قبل ما يتولدوا.. المطعم اللي اتقدم لي فيه.. كل ذكرى فجأة اتسممت.

وصلت لحمام الدور اللي فوق، وقفلت الباب من غير ولا صوت، وقعدت على الأرض وأنا بمسك نفسي بالعافية عشان مأصرخش وصوتي يوصله.

فكرة إني أكلم الشرطة حسيتها بديهية.. بس هقولهم إيه؟
جوزي كان بيوشوش بكلام يقلق في التليفون؟
مفيش دليل.. مفيش تسجيل.. مفيش أي إثبات.

كواليس الرعب في ظلام الفجر

قعدت على أرض الحمام الباردة، ضامة ركبي لصدري، وإيدي كاتمة بوقي بكل قوتي عشان صرخات الرعب والخذلان متطلعش. دموعي كانت بتنزل سخنة تحرق وشي، في التوقيت اللي كان جسمي فيه بيتنفض من صدمة الحقيقة. عشر سنين! عشر سنين كنت فاكرة فيهم إني متجوزة راجل وسند، وطلع بلياتشو لابس قناع، مستني اللحظة اللي يرميني فيها من فوق منحدر الصخرة عشان ياخد تمن دمي ويسافر بيه مع واحدة تانية.

فجأة المطر بره هدي شوية، وسمعت صوت خطوات تقيلة على السلم.. خطوات إيهاب.

قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيقف. كتمت نفسي تمامًا. الخطوات قربت من باب الحمام، وشوفت خيال رجله من تحت عتبة الباب. وقف ثواني.. ثواني مرت عليا كأنها دهر. هل سمع صوتي؟ هل حس بيا؟

بعدين سمعت صوت أكرة أوضتنا بتتفتح وتتقفل بالراحة.

أتنفست أخيرًا.. بس النفس كان طالع معاه طعم الموت. عرفت إن معنديش وقت للانهيار. لو استسلمت للعيط، بكرة هكون مجرد جثة في قاع البحر، والكل هيقول حادثة مصيف مأساوية.

فتحت الموبايل بتاعي وأنا بمسح دموعي بعنف. الساعة كانت 2:45 بعد نص الليل. الشبكة جوه الحمام كانت شرطة واحدة وبتختفي.

فكرة إني أكلم الشرطة دلوقتي كانت انتحار. معنديش دليل، وهو نايم في الأوضة زي الملاك، وممكن الصبح يتصرف كأنه بريء ويغير الخطة لحاجة أسرع وأبشع لو حس إني عرفت.

فتحت الواتساب وبعت رسالة لصديقة عمري ندى:

“ندى، لو جرالي حاجة بكرة، أو لو قفلت تليفوني ومبقتش أرد، إيهاب هو اللي قتلني. بيخطط يرميني من منحدر الصخرة بكرة عشان ياخد تأمين حياتي. متوريش الرسالة دي لأي حد غير للنيابة لو مظهرتش.”

الرسالة فضلت ساعة رملية تلف مع سحابة الشبكة الضعيفة، لحد ما أخيرًا ظهرت علامة صح واحدة. نزلت على الأرض ودعيت ربنا إنها توصل بالكامل.

خطة البقاء.. اللعب مع الشيطان

خرجت من الحمام برجلين بتترعش، ودخلت الأوضة بخطوات زي السراب. نمت على السرير بعيد عنه، ووشي للناحية التانية. شوفت ضهره وهو نايم ببرود.. الراجل اللي كنت بحضنه لما بخاف من الرعد، بقى هو الرعد اللي هيدمر حياتي.

منمتش ولا ثانية لحد ما النور بدأ يشقشق وسحاب الساحل الأسود بدأ يتحول لرمادي فاتح.

الساعة 8 الصبح، إيهاب صحي. اتقلب وبصلي بابتسامته المعتادة.. الابتسامة اللي كنت بشوفها دافية، ودلوقتي بشوف فيها شكل ملك الموت.

— صباح الخير يا حبيبتي، نمتي كويس؟ المطر كان رخم بالليل.

هزيت راسي وحاولت أبتسم بكل طاقة التمثيل اللي ربنا وهبهالي في اللحظة دي.

— صباح النور يا حبيبي.. آه، نمت، مكنتش حاسة بحاجة خالص.

قام دخل الحمام وهو بيغني بصوت واطي. قمت بسرعة، جريت على الجاكيت بتاعه اللي كان راميه على الكرسي. حطيت إيدي في جيبه بالراحة.. لقيت تليفونه التاني. التليفون اللي عمري ما شوفته معاه.

كان مقفول برقم سري. مكنش عندي وقت أخمن، بس لاحظت حاجة في جيب الجاكيت الداخلي.. ورقة مطوية.

فتحتها بسرعة.

كانت بوليصة تأمين على الحياة باسمي، بمبلغ خيالي، والمستفيد الوحيد في حالة الوفاة نتيجة حادث هو إيهاب جلال.

والأسوأ.. التاريخ كان من شهر فات بس، وممضي عليها تزوير بإمضاء شبه إمضائي بالظبط.

رجعت الورقة مكانها ودقات قلبي بتطحن ضلوعي لما سمعت صوت محبس المية بيتقفل. قعدت على السرير ورجعت لبرودي المزيف.

خرج وهو بينشف وشه بالفوطة وقال وعينيه بتلمع بلؤم:

— بقولك إيه يا نورا.. الجو النهاردة بعد المطر تحفة، والشمس طالعة تجنن. إيه رأيك نفطر بسرعة ونروح نتمشى عند منحدر الصخرة؟ المكان هناك بيبقى ساحر والضباب فوق البحر شكله ميتفوتش.

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. هو بيستعجل قتلي.

رديت بهدوء مصطنع:

— فكرة تجنن يا حبيبي.. هلبس كوتشي مريح عشان المشي هناك بيبقى صعب.

ابتسم ابتسامة صفرا وقال:

— آه.. ياريت، عشان متتزحلقيش.

المواجهة فوق حافة الموت

لبست هدومي، وحطيت في جيبي مفك صغير كنت لاقياه في درج المطبخ. مكنش عندي سلاح تاني، وتليفوني حطيته في جيب البنطلون وخليته على وضع تسجيل الصوت المفتوح من قبل ما نتحرك بخطوة.

ركبنا العربية. الطريق للمنحدر كان فاضي تمامًا، الساحل في التوقيت ده من السنة بيبقى مهجور، خصوصًا بعد ليلة مطر وعاصفة.

طول الطريق كان بيحاول يفتح مواضيع تافهة، وأنا كنت ببص من الشباك وبشوف الموت بيقرب.

وصلنا.

المنحدر كان عالي جدًا، صخرة ضخمة بتطل على بحر هادي بس عميق، والموج تحت بيخبط في الصخور المدببة بعنف. الهوا كان شديد، وفعلاً الشبكة في الموبايل اختفت تمامًا زي ما قال في التليفون بالليل.

نزلنا من العربية، ومسك إيدي. إيده كانت دافية، بس لمستها كانت بتخليني عايزة أرجع.

مشينا لحد ما وصلنا على حافة الصخرة بالظبط. البحر كان تحتنا بمسافة تخوف.

— شايفة المنظر يا نورا؟ جميل صح؟

قالها وهو بيقرب خطوة ورايا.

قلت وأنا عيني مثبتة على البحر:

— جميل أوي يا إيهاب.. يفكرني بيوم فرحنا.. فاكر الوعود اللي وعدتهالي؟

حسيت بنبرة ارتباك في صوته:

— أكيد فاكر يا حبيبتي.. ليه بتسألي دلوقتي؟

بصيتله وقلت:

— عشان كنت عايزة أعرف.. اليونان حلوة أوي كده عشان تبيع عشر سنين جواز وتقتلني عشان تسافرها؟

فجأة الهوا بينا وقف.

إيهاب اتجمد في مكانه. ملامح وشه الدافية اتلاشت في ثانية، وحل محلها وش غريب.. وش مجرم متقفش متلبس.

رجع خطوة لورا وعينيه ضيقت بغل:

— إنتِ عرفتي منين؟

— سمعتك بالليل.. وأنت بتبيعني بالرخيص عشان شوية فلوس وواحدة تانية. بوليصة التأمين اللي زورت إمضائي عليها في جيبك دلوقتي.. وتليفوني مسجل كل كلمة قولتها من ساعة ما ركبنا العربية.

كدبت عليه في حتة التسجيل دي عشان أخوفه، بس مكنتش أعرف إن الخوف هيخليه أعنف وأشرس.

ملامحه اتحولت لجنون مطبق، وضحك ضحكة هستيرية رددت الصخر صداها:

— طب كويس إنك عرفتي.. كده كده مفيش شبكة، ومفيش مخلوق هنا هيلحقك. التسجيل ده هينزل معاكي لقاع البحر، والتليفون هيتدمر تحت الصخور. موتك النهاردة هو الحل الوحيد لمشاكلي يا نورا.. سامحيني!

وهجم عليا زي الوحش الكاسر.

الثواني الأخيرة.. صراع البقاء

زقني بكل قوته لورا ناحية الحافة. رجلي فلتت ووقعت على ضهري، وكنت خلاص هقع في الفراغ، بس مسكت في جذع شجرة ناشف خارج من الصخرة بكل ما ليا من قوة وعزم.

جسمي كله كان معلق في الهوا فوق الصخور المدببة والموج الهائج اللي مستني جثتي.

إيهاب قرب وهو بيلهث، وعينيه فيها نظرة شر صافي. وطى عليا وبدأ يفك صوابعي واحد ورا التاني من الجذع وهو بيقول ببرود مريض:

— سيبك.. ارتاحي.. كفاية عذاب.

في اللحظة دي افتكرت المفك اللي في جيبي. بإيد واحدة كنت ماسكة الجذع والوجع بيقطع كتفي، وبالإيد التانية سحبت المفك بكل قوتي وغرزته في رجله.

إيهاب صرخ صرخة هزت المكان، ورجع لورا وهو ماسك رجله اللي بتنـزف وبيترنح من الألم والصدمة.

استغليت الثواني دي وضغطت على نفسي بكل طاقة البقاء اللي جوايا، ورفعت جسمي لفوق الصخرة، واترميت على الأرض وأنا بلهث وبموت من الرعب والوجع.

إيهاب كان لسه بيصرخ ووشه قالب أزرق من الغضب، حاول يقف على رجله السليمة عشان يهجم عليا تاني وينهي الموضوع، وقال وهو بيعرج وعينيه طالعة منها شرار:

— هقتلك.. مش هسيبك تعيشي بعد اللي عملتيه.

لكن الساحل وليلة المطر مكنوش في صفه. الأرض الصخرية اللي كان واقف عليها كانت طرية ومبلولة ومغطاة بالطحالب الزلقة من عاصفة بالليل.

مع حركته العنيفة والسريعة ورجله المصابة، رجله التانية اتزحلقت.

إيهاب فقد توازنه في ثانية. عينيه وسعت من الرعب وهو بيبصلي. النظرة اتقلبت من غل لرجاء مرعب في جزء من الثانية.

مد إيده في الهوا وحاول يمسك في أي حاجة.. في الهوا.. في لبسي.

— نورااااا!

صرخته دوت في المكان كله وهو بيقع لورا.. من فوق حافة منحدر الصخرة.

جريت على الحافة وأنا منهارة وببص تحت. شوفته وهو بيخبط في الصخور المدببة تحت، لحد ما الموج الأسود سحبه وغطاه تمامًا.

البحر بلعه في ثواني، ومبقاش فيه غير صوت الموج العالي وصوت الهوا الهائج.

الستار يُسدل على الكابوس

قعدت على حافة المنحدر مش قادرة أتحرك. مش عارفة أعيط، ولا أصرخ، ولا أفرح إني عيشت.

قعدت حوالي ساعة كاملة في حالة ذهول تام، لحد ما سمعت صوت سرينات عربيات من بعيد.

عربيات شرطة وإسعاف كانت جاية بسرعة جنونية، ونازل منهم ندى وهي بتصرخ باسمي ومعاها ظباط الشرطة.

ندى لما شافت رسالتي الصبح وجت تطلبني لقت تليفوني غير متاح، منامتش، وأخدت الرسالة وطلعت على مديرية الأمن وقدمت بلاغ، وجابت الشرطة على المكان اللي أنا وصفته في الرسالة بالظبط.

الشرطة نزلت غواصين وانتشلوا جثة إيهاب بعد كام ساعة. وفتشوا عربيتنا وبيتنا المأجر، ولقوا التليفون التاني اللي كان مخبيه، ولقوا الرسايل والمكالمات المسجلة بينه وبين عشيقته مروة اللي اتقبض عليها بعد كده كشريكة في التخطيط للجريمة.

وطبعًا بوليصة التأمين المزورة كانت الدليل القاطع في جيب جاكيته.

النيابة قفلت القضية كدفاع عن النفس وحادث سقوط للمجني عليه أثناء محاولة القتل.

بعد شهر من الحادثة، كنت واقفة قدام المراية في بيتي القديم. كنت خسيت النص، وعينيا فيها حزن ميروحش بيوم وليلة.. بس كان فيها حاجة تانية أهم.. قوة.

عشر سنين اتسرقوا من عمري مع شخص وهمي، بس ربنا كتبلي عمر جديد عشان أعيشه لنفسي، قوية، صاحية، ومش مكسورة.

قفلت النور، وخرجت للبلكونة، وبصيت للسما الصافية.. ولأول مرة من ليلتها، ابتسمت من كل قلبي ونطقت:

الحمد لله الذي نجاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *