في نهاية كل شهر

فتحت الفولدر اللي كنت بتهرب منه بقالي ست شهور. كان فيه إيصالات الأقساط، وعقود الملكية، والتحويلات البنكية، وأوراق الورث والوصية اللي جدي سبهالي قبل ما يموت. أهلي عمرهم ما تكلفوا يقروا الأوراق دي بتدقيق.. كانوا فاكرين الشقة ملكهم. بس هي مكنتش ملكهم. جدي كان حاطط العقار كله تحت إدارة حراسة/أصول قانونية، وعينّي الوصية المباشرة عليه بعد ما أعدي سن الثلاثين. ومن أربع سنين، بقيت أنا قانونياً صاحبة الحق والمتحكمة الوحيدة في الشقة من غير ما يعرفوا.. عمري ما استخدمت السلطة دي لأني كنت بحبهم. دلوقتي، كلمت المحامي. ”يا أستاذ سامح،” قلتله، “أنا جاهزة أطبق عقد الإخلاء وبنود الاستغلال.” سكت لحظة. ”انتي متأكدة؟” بصيت لرسالة مريم تاني. اعرفي مقامك كويس. ”أيوه،” قلتله. “من أول بكرة الصبح.”
الساعة 8:12 صباح اليوم التالي، أمي اتصلت 11 مرة. سبت التليفون يرن وأنا قاعدة في غرفة اجتماعات زجاجية بتطل على وسط البلد في القاهرة. الساعة 8:20، الأستاذ سامح المحامي بعتلي إيميل بيأكد إن الإخطارات الرسمية اتسلمت للمحضرين وخلاص انبعتت للبيت. الساعة 8:23، مريم اتصلت. ”انتي هببتي إيه؟” رديت بمنتهى الهدوء: “صباح الخير.” ”ماما لسه واصلها جواب مجنون بيقول إنها مديونة للوصية بـ 480 ألف جنيه مصاريف انتفاع متأخرة، وقدامها 30 يوم بس عشان تصلح المخالفات دي! بتقول إنك عايزة تطرديها من البيت!” ”أنا بس بطبق بنود العقد.” ”انتي مفيش في إيدك حاجة تطبقيها! ده بيت بابا وماما!” ”لأ.. ده العقار اللي في وصية جدي.”
مريم ضحكت بسخرية: “انتي مسكينة قوي.. فاكرة شوية ورق هيخلوا ليكي كلمة علينا؟” دي كانت المشكلة في عيلتي.. تلخبطوا بين صبري السنين دي كلها وبين إنهم ياخدوا موافقتي على أفعالهم. عقد الانتفاع كان بسيط جداً: بابا وماما يقدروا يعيشوا في الشقة طول حياتهم بشرط يدفعوا الأقساط، والضرائب، والتأمين، والمصاريف. من سنين، لما شركة بابا أفلست، بدأت أنا أدفع الأقساط بشكل مباشر. ودفعت الضرائب مرتين وغيرت السباكة والشبكة بالكامل. الأستاذ سامح تحذرني كذا مرة إن الوصية بتغطي مصاريف هما المفروض يدفعوها قانونياً.. بس أنا طنشته.