من ساعة ما تجوزت

زمان كله في شهر! في اللحظة دي، جالي فضول غريب، فضول مخلوط برعب وهبّة نار في قلبي. صباعي اتهز وهو بيفتح بقية رسايل البنك.. وهنا كانت الصدمة اللي شلت حركتي. الرسايل كلها كانت عبارة عن كشف حساب لمشتريات ورا بعضها في الـ ٣ شهور اللي فاتوا. مشتريات حريمي من محلات براندات غالية في مولات كبيرة.. فساتين، وشنط، وجزم بآلاف الجنيهات! الحاجات التي كنت بقف قدام فاتريناتها أتحسر وبقول “البيت أولى”، كان بيدفع تمنها بجرّة قلم ومن غير ما يرمش. وفجأة عيني وقعت على رسالة تانية.. خصم مبلغ خيالي من محل عطور مستوردة.. تمن زجاجة برفان حريمي واحدة يساوي بالظبط مصروف البيت اللي بيمشيني بيه أنا والعيال طول الشهر! الشهر اللي بفضل ألف فيه حوالين نفسي عشان أكفي الأكل والشرب وأقول “الحمد لله مستورة”. دموعي نزلت مغرقة الشاشة، والموبايل كان هيقع من إيدي. بقيت واقفة في نص الصالة بلف حوالين نفسي ومش قادرة أتنفس.. الدنيا اسودت في عيني وكنت سامعة دقات قلبي في وداني زي الطبل. يعني الفلوس موجودة؟ والخير كتير؟ بس مش لينا.. مش للست الأصيلة اللي سدت معاه في الأيام المرة! البرفان اللي بتمن لقمة عيالنا رايح لمين؟ والهدوم الغالية اللي عمري ما حلمت أقيسها بتلبسها مين؟ الفكرة دي كانت زي السك\ينة التي اتغرست في ضهري وفتفتت قلبي حتت. قعدت على الأرض في نص الصالة، والموبايل لسه في إيدي منور، والرسايل بتجري قدام عيني زي كابوس مرعب مش عارفة أفوق منه. بقيت أبص لحوائط الشقة، للكنبة القديمة اللي قماشها داب، للسجاد اللي بقاله سنين متبهدل وبقول معلش بكرة يغيره، وأفتكر كلمته: “انتي ليه مش ست أصيلة؟” آه يا وجع قلبي.. طلعت الأصالة والمشيلة والتحمل تمنهم إني أتداس بالجزام؟ طلعت الست الأصيلة في نظره هي الست المغفلة اللي تاكل عيش وملح وتداري على عيبه، وهو يروح يرقص بالفلوس ويبعزقها بره على البرندات والبرفانات؟ قومت وقفت بالعافية، رجلي مش شيلاني، ودخلت الأوضة وبصيت في المراية.. شوفت وشي الشاحن، الهالات السودة اللي تحت عيني من كتر التفكير والتدبير، شوفت إيدي اللي خشنة من غسيل ومواعين وشقا البيت عشان أوفر تمن المنظفات. وسألت نفسي: لمين كل ده؟ مين دي اللي بتاخد شقا عمري وصبري على الجاهز؟ مين التي تلبس الفساتين بالورقة بتاعتها بفلوس عيالي؟ سمعت صوت مفتاح الباب بيلف.. رجع. رجع عشان يدور على الموبايل الذي نسيه. حطيت الموبايل مكانه على الشاحن بسرعة وحاولت أمسح دموعي، بس الشحاتة والكسرة كانت مالية ملامحي. دخل الصالة وعينيه بتدور على التليفون، وشه كان مخطوف ومستعجل، وبمجرد ما لقى الموبايل في مكانه، اتنفس الصعداء وأخده بسرعة وحطه في جيبه. بصلي بنظرة متوجسة، يمكن شاف عيني الحمرا، أو حس بنار الغدر اللي قايدة في البيت، وقالي بنبرة ناشفة وفوقية كالعادة: مالك واقفة كده ليه ومبتسمة بمرارة؟ وايه الدموع دي؟ هو احنا هنبدأ نكد من على الصبح؟ بصيتله.. كنت عاوزة أصرخ، كنت عاوزة أمسكه من هدمته وأقوله “ليه؟”، عاوزة أقوله أنا شفت رسايل البنك وشفت البرندات والبرفان اللي بتمن لقمة عيالك! كنت عاوزة أقوله فين الفستان الجديد اللي بقالي 6 سنين بحلم بيه؟ لكن في اللحظة دي، حطيت إيدي على بوقي وكتمت الصرخة. افتكرت عيالي، وافتكرت إن المواجهة بالطريقة دي ممكن تخليه يقلب الترابيزة عليا ويقولي “انتي بتفتشي ورايا” ويضيع حقي وحق ولادي. جمعت كل حيل الست المكسورة اللي جوايا، وبلعت ريقي المر، وقولتله بصوت هادي ومشرخ من الوجع: مفيش.. كنت بفتكر بس كلامك عن الأصالة، وبفكر في اللبس المستعمل اللي بابا جابه للعيال والبهجة اللي هما فيها.. كنت بسأل نفسي، يا ترى هيفضلوا يفرحوا بالفواضل طول عمرهم، ولا أبوهم هيحن عليهم قريب بـ “حاجة جديدة” من خيره اللي كتر؟ ملامح وشه اتغيرت، واتوتر لثواني، لكنه بسرعة لبس قناع الجمود والجحود وقالي وهو خارج وقافل الباب وراه: قولتلك ميت مرة أحمدي ربنا على اللقمة، الناس مش لاقية تاكل، بلاش طمع وبص للي في إيد غيرك! الباب اتقفل.. والسكوت رجع تاني يملى الشقة، بس المرة دي السكوت مكنش فيه صبر ولا رضا.. السكوت ده كان بباية العاصفة. نزلت على ركبي وعيوني على الباب، وقولت لنفسي: “لأ.. لحد هنا وكفاية. الست الأصيلة ماتت، والنهاردة ولدت ست تانية خالص.. ست هتاخد حقها وحق عيالها تالت ومتلت، والهدوم اللي بالورقة بتاعتها، هجيبها هجيبها، بس بالطريقة التي تخليه يندم على كل لحظة استخسر فينا فيها قرش.” عدى اليوم ده وأنا عاملة زي الآلة.. بشتغل، وبطبخ، وبغسل، بس عقلي مش معايا. عقلي شغال زي المكنة، بيحسب ويدبر ويجمع الخيوط. نظرتي لعيالي وهم بيلعبوا باللبس المستعمل الذي جدهملهم أبويا اتغيرت؛ مبقتش نظرة حسرة وبس، بقت نظرة تحدي. قولت في بالي: “وحياة دموعك يا بنتي ما هسيبه، اجمعي هدومك وهاتِ العيال وتعالي.” أنا مش هطلع من البيت بشنطة هدومي أنا والعيال وأسيبله الجمل بما حمل يتهنى بيه هو والي تسوى والي ماتسواش، المواجهة دلوقتي ومن غير إثباتات ممسوكة في إيدي معناها إني هطلع خسرانة، وممكن يقلب الترابيزة عليا ويقولي “انتي بتتبلي عليا وتتبصصي على تليفوني” ويطلع هو البريء قدام الناس وأهلي. لأ، أنا لازم ألعبها على الهادي وبذكاء. أول خطوة عملتها، إني كلمت بابا.. قولتله بنبرة عادية عشان ميحسش بحاجة: “يا بابا، معلش أنا محتاجة المبلغ البسيط اللي كنت بتديهوني ده في خروجة ضرورية أنا والعيال، ومتحلفنيش أشتري بيه لبس المرة دي.” بابا حبيبي مأخرش عني وحولهم لي على طول. تاني يوم الصبح، أول ما جوزي نزل الشغل، أخدت العيال ونزلنا. بس المرة دي ماروحتش على وكالة البلح ولا محلات المستعمل.. أنا روحت على المول الكبير الذي شفت اسمه في رسايل البنك! دخلت وأنا قلبي بيدق، شايلة عيالي في إيدي ولابسة عبايتي البسيطة المداوية، بس راسي مرفوعة. دخلت المحل الحريمي الغالي اللي سحب منه آلاف الجنيهات. وقفت وسط الفساتين والبرندات، وبقيت أتفرج.. الموظفة اللي في المحل بصتلي من فوق لتحت بنظرة استقلال، فمشيت ناحيتها وبمنتهى الهدوء طلعت تليفوني، ووريتها صورة لكشف الحساب والرسايل (كنت ملقطاها بتليفوني من تليفونه وهو نايم) وقولتلها بصوت واطي ومسموع: “جوزي اشترى من هنا فستان وشنطة يوم الثلاثاء اللي فات بمبلغ كذا.. وأنا جاية أبدلهم، أو أعرف الذوق اللي بيعجبه عشان أشتري زيه.” البنت ملامحها اتغيرت لما شفت قيمة المبلغ، ولما لقتني بتكلم بثقة، وببص على السيستم.. وفي ثواني طلعتلي الفاتورة باسمه! وبدأت توصفلي الحاجة: “أفندم، الأستاذ اشترى فستان سواريه أحمر مقاس 38 (سمول) وشنطة سودا قطيفة.” معدتي اتقلبت.. مقاس 38! يعني مش ليا خالص، أنا مقاسي غير كده تماماً بعد الخلفة والعيال. قولت للبيت بابتسامة غامضة: “تمام.. تقدري تطبعيلي نسخة من الفاتورة دي عشان الحسابات بينا؟” البنت لأنها

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *