جوزي رجع بعد ٣ سنين

​الجزء الثاني

​فضل كريم واقف يبص لصورة أمه، كأنه مستنيها تطلع من البرواز وتقول إن كل اللي سمعه كدب.

وفجأة صرخ بصوت عالي:

ـ ليه؟! ليه محدش بلغني إن أمي ماتت؟! إنتِ خبيتي خبر وفاتها عشان تستولي على البيت!

​من غير ما أرفع صوتي…

فتحت الملف اللي كان في إيدي، وحطيت قدامه كل الأوراق:

فواتير المستشفى.

تقارير العلاج.

شهادة الوفاة.

وكشف كامل بكل المكالمات اللي اتعملت ليه.

​وبصيتله وأنا بقول:

ـ الحاجة فاطمة توفت الساعة تسعة وربع بالليل… بعد أسبوعين كاملين وهي على جهاز التنفس الصناعي.

​سكت لحظة… وبعدين كملت:

ـ قبل ما تمشي بدقائق… فتحت عينيها، وبصت ناحية باب الأوضة… كانت مستنية تشوف ابنها الوحيد.

​غصيت وأنا بكمل كلامي:

ـ كدبت عليها… قلتلها إن طيارتك نزلت، وإنك هتوصل مع الفجر.

​نزلت دموعي لأول مرة.

ـ وماتت وهي مصدقة كلامي.

​بدأ كريم يعيط بحرقة…

لكن سارة قاطعته بسرعة وقالت وهي بتحاول تدافع عن نفسها:

ـ أكيد كنتِ بتتصلي وهو في الشغل… مش كل حاجة ترموها علينا.

​ابتسمت ابتسامة هادئة…

وفتحت صورة على موبايلي.

كانت منشورة على حساب سارة… في الليلة اللي بعد وفاة الحاجة فاطمة مباشرة.

​الصورة فيها كريم… واقف في مطعم فاخر في تورنتو، رافع كوباية عصير، وقدامه تورتة مكتوب عليها: “أهلاً يا يوسف”.

كانوا بيحتفلوا بأول شهر في عمر ابنهم.

​وفي نفس الوقت…

أنا كنت ماشية ورا نعش أمه تحت المطر.

​كريم بلع ريقه وقال بتوتر:

ـ يمكن… يمكن رقمي اتغير… والمكالمات ماوصلتش.

​ناولته الموبايل وقلت:

ـ افتح قايمة الأرقام المحظورة.

​فتحها… واتجمد مكانه.

لقى رقمي، ورقم البيت، وأرقام إخوات أمه، ورقم جارتها، وحتى رقم الأخصائية الاجتماعية في المستشفى.

​لف ببطء ناحية سارة.

وشه كان مليان صدمة.

في الأول أنكرت… لكن لما فتح الرسائل المؤرشفة… لقى كل حاجة:

صور للحاجة فاطمة وهي في العناية المركزة.

تسجيلات صوتها وهي بتنادي عليه.

ورسائلي وأنا بطلب منه يلحق أمه قبل فوات الأوان.

​فضل ساكت شوية…

لحد ما سارة قالت ببرود:

ـ أيوة… أنا اللي عملت كده.

وبعدين كملت من غير أي ندم:

ـ كنت حامل… وإنت كنت كل يوم تقول إن أي اتصال من مصر بينكد عليك يومك. أنا كنت عايزة شوية راحة.

​بص لها كريم وهو بيصرخ:

ـ إنتِ إنسانة عديمة الرحمة!

​ضحكت ضحكة مرة وقالت:

ـ بلاش تمثل دور الابن المثالي.

وأشارت للموبايل:

ـ تليفونك كان طول الوقت قدامك… ولا مرة سألت على أمك. كنت مشغول بالجولف، وشراء الشنط الغالية ليا، وبتقول إنك مستحيل ترجع تعيش في البيت ده تاني.

​الصمت اللي نزل بعدها… كان أقسى من أي خناقة.

​وقتها…

طلعت كشكول أزرق قديم، وحطيته قدامه.

ـ عارف ده إيه؟

كان دفتر يوميات الحاجة فاطمة. كانت بتكتب فيه كل حاجة في آخر شهور عمرها.

​فتح أول صفحة. لقى مكتوب بخط إيدها:

“هبة باعت عربيتها عشان تدفع تكاليف العملية.”

وقلب الصفحة اللي بعدها:

“اتصلت بكريم عشر مرات… وفي كل مرة سمعت نفس الرسالة الآلية.”

ولما وصل لآخر صفحة… كانت الكلمات باينة عليها آثار الدموع:

“هبة رعتني كأنها بنتي… أما ابني، فقد تخلى عني قبل ما أموت.”

​وقع الدفتر من إيده، وحط وشه بين كفوفه.

​لكن… لسه ما شافش أقوى ضربة.

​طلعت ظرف أبيض مختوم، وجواه ورقة موثقة في الشهر العقاري، وعليها توقيع شاهدين من الأطباء، وكمان فيديو مسجل.

قلت بهدوء:

ـ الحاجة فاطمة قبل وفاتها غيرت وصيتها.

​اتسعت عيون كريم.

كملت:

ـ حرمتك من الميراث بسبب إهمالك ليها… وكتبت البيت كله باسمي، تعويضًا عن السنين اللي رعيتها فيها، وعن كل جنيه دفعته في علاجها.

​لون وش سارة اتغير فجأة، وبصت لكريم وهي بتقول:

ـ يعني… إنت دلوقتي لا معاك بيت… ولا ميراث؟!

​ما ردش عليها.

إنما زحف ناحيتي… ومسك رجلي وهو بيعيط:

ـ سامحيني يا هبة… هسيب سارة… وهرجعلك… وهعوضك عن كل جنيه دفعتيه.

​لكن… أنا كنت فاهمة الحقيقة.

هو ماكانش بيعتذر عشان أمه، ولا ندمان على اللي عمله. هو كان خايف يخسر شغله… وسمعته… وسقف ينام تحته.

​حطيت قدامه ورق الطلاق، وقلت بكل هدوء:

ـ امضي… وبعدها عندك نص ساعة تخرج من بيتي.

​مسك القلم… وإيده بتترعش.

وقبل ما يوقع… طلعت ظرف تاني، كان أكبر… وأتقل. وحطيته جنبه.

وبصيت له وقلت:

ـ وده… الدليل على كل اللي عملته بفلوسنا، وإنت بتصرفها على حياتك الجديدة… وأنا كنت بدفع تمن علاج أمك.

​أول ما سارة شافت كشوفات الحسابات البنكية… وشها اصفر.

وعرفت… إن الكارثة الحقيقية… لسه هتبدأ.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *