ثمن طبق الشوربة (بقلم: محمد نور)

​الجزء الثاني

​بعد ثلاثة أيام، كانت مريم ما تزال بلا عمل، وتضطر لرهن بروش جدتها الذهبي لتسديد جزء من الإيجار، حين عثر عليها “فارس” في مقهى حيادي. لم يقدم لها سلمان مجرد إحسان، بل دعاها لإدارة “ملتقى الأفق”، وهو نادٍ خاص يرتاده كبار رجال الأعمال والقضاة. تشككت مريم في العرض، لكنها اشترطت القبول: لا إهانة لأي موظف، ولا تحويلات مالية مشبوهة، مع كامل الحرية في الإبلاغ عن أي مخالفة.

​في غضون أربعة أسابيع، كشفت مريم اختلاسات في المستودعات، واستبعدت طاهياً يضايق العاملات، ورفعت الأرباح بنسبة 17% دون المساس بالرواتب. بدأ سلمان ينظر إليها باحترام بالغ؛ فجميع من حوله يطيعون بلا نقاش، بينما مريم تطرح الأسئلة. وزاد التقارب بينهما عندما بدأ أبو سلمان بتناول العشاء في النادي. ورغم تخبطه في التواريخ وبحثه المستمر عن زوجته المتوفاة منذ سبع سنوات، إلا أنه كان يمتلك الوعي الكافي ليتعرف على مريم دائماً كـ “فتاة الشوربة”.

​ولما رأى سلمان معاملتها لأبيه بكل احترام ودون شفقة مجهزة، كشف لها عن الصراع الذي يمزق أسرته: “خالد الهاشمي”، الشقيق الأصغر لأبي سلمان، كان يسعى لإشهار الحجر على أخيه لانتزاع أسهمه وطرد سلمان من المجموعة. وكانت المشكلة أن خالد اشترى أطباء ومحامين وموظفين قدامى، في حين كان سلمان يخوض المواجهة بنفس أدوات النفوذ التي ورثها. حذرت مريم سلمان من أنه يخلط بين حماية أبيه والتسلط عليه.

​بعد أسبوع، اقتحم رجال تابعون لخالد النادي أثناء انقطاع مدبر للكهرباء. أصيب سلمان، وتعرّضت مريم للالتقاط صور لتكون أداة ضغط. فنقلها سلمان مع أبيه إلى منزل آمن في الجبل. وبعد ليلتين، خرج سلمان للتفاوض حول إطلاق سراح مدير محتجز، لكن الاجتماع كان فخاً.

​وبينما كان سلمان محتجزاً في مستودع مهجور، اقتحمت سيارات غير معلقة اللوحات بوابة المنزل الآمن. وصل فارس مصاباً وقاد مريم وأبا سلمان إلى ملجأ حصين تحت الأرض. كان رمز فتح الباب هو تاريخ ميلاد مريم، مما كشف عن مشاعر لم يجرؤ سلمان على الاعتراف بها بعد.

​وعندما بدأ المقتحمون بقطع المفاصل الحديدية للباب، سحبت مريم فارس للداخل وتولت إسعافه ووقفت تحمي أبا سلمان. انهدم الباب وسط الدخان والشرار، لكن سلمان ظهر فجأة من الخلف برفقة رجال مخلصين له ليحسم الموقف. وقبل أن يفقد فارس وعيه، سلم مريم هاتف أحد المقتحمين.

​عرض الهاتف مقطع فيديو يظهر ممرضة أبي سلمان وهي تتلقى أموالاً من “خالد” في صباح ذلك اليوم الماطر. لم يهرب الشيخ ولم يضل طريقه بنفسه؛ بل تلقت الممرضة أوامر بترك الرجل المسن بعيداً عن بيته، بلا معطف ولا وثائق، أملاً في أن يقضي عليه البرد والتشتت.

​لكن في نهاية الفيديو، قال خالد شيئاً أكثر رعباً: لقد احتفظ أبو سلمان بتسجيلٍ قادر على تدمير ولديه وثروتهما، وكانت مريم هي الشخص الوحيد الذي ربما يكون قد أفصح له عن مكان التخزين!

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *