بعتت في جروب العيلة… قصة أميرة

​المواجهة وحقيقة الرسائل

​في اليوم التالي… واحدة من قريباتنا كانت بتتفرج على نشرة السادسة، شافت التقرير وبعتته في جروب العيلة، فالكل دخل يتفرج.

​التقرير خلص، لكن المذيعة قالت في آخره:

​”السيدة أوضحت أنها عادت من السفر بعد وفاة زوجها، وكانت بمفردها وقت الحادث.”

 

​وبعدين ظهرت على الشاشة لقطة من هاتفي كنت وريتها للمراسلة لما سألتني إذا كان حد من أهلي عرف بوصولي.. كانت الرسالتان واضحتين تماماً:

  • ​“إحنا مشغولين، خدي أوبر.”
  • ​“كان المفروض ترتبي ظروفك.”

​مفيش أسماء ولا اتهام، لكن أي حد يعرفنا عرف أصحاب الرسائل فوراً.

​ساد صمت طويل في الجروب، أول رسالة جت من أخويا: «إحنا مقصدناش».

بعدها أمي: «يا بنتي إحنا ما كناش فاهمين حالتك».

بصيت للشاشة وماردتش.

​بعد ساعات، جرس الباب رن.. كانوا كلهم واقفين.

أمي أول ما شافتني حضنتني وهي بتعيط وقالت: «سامحيني».

أبويا كان ساكت، وأخويا وشه في الأرض.

​دخلوا البيت، ولما شافوا شنط أحمد لسه عند الباب، والهدوم اللي ما لحقتش أرتبها، فهموا لأول مرة إني ما كنتش راجعة من سفر… أنا كنت راجعة من وداع إنسان كنت فاكرة هعيش معاه العمر كله.

​قال أبويا بصوت مكسور:

— أنا غلطت.. افتكرت إنك قوية وهتقدري تدبري نفسك.

قلت بهدوء:

— القوة مش معناها إن الإنسان يواجه أصعب أيام عمره لوحده.

​ما حدش عرف يرد.

​التغيير والتعافي

​بعد أسبوع، جمعنا أغراض أحمد.. كل حاجة كانت بتفكرني بيه: بدلته، ساعته، كتبه، حتى الكوب اللي كان بيشرب فيه القهوة.

​وأثناء الترتيب، لقيت ظرف باسمي كان أحمد كاتبه قبل سفرنا بأيام.. فتحته، وكان مكتوب فيه:

​“يا أميرة… لو بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا الحياة مش مشت زي ما كنا مخططين. أوعي تسمحي للحزن يعزلك عن الناس اللي بتحبك. ولو حد قصّر في حقك، متشيليش الكره في قلبك.. خليهم يتعلموا… لكن متخليش غلطهم يسرق منك سلامك.”

 

​فضلت أبكي وأنا بقرأ.

​في الأيام التالية، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.. أخويا بدأ يجي كل يوم، مش بالكلام بل بالمواقف؛ كان يخلص لي أوراق البنوك، يوصلني المشاوير، ويصلح أي حاجة في البيت. وفي مرة قال:

— أنا كنت فاكر إن الرسالة العادية ملهاش قيمة.. دلوقتي فهمت إن الإنسان في لحظة ضعفه، وجود حد جنبه أهم من أي حاجة.

​أما أمي، بقت تيجي كل أسبوع، تطبخ الأكل اللي أحمد كان بيحبه وتقعد معايا بالساعات. وفي مرة قالت وهي ماسكة إيدي:

— أنا كنت شايفة العزومة مهمة.. بس نسيت إن بنتي كانت محتاجة حضن.

​مرت سنة.. رجعت أشتغل ورجعت أعيش، مش لأن الحزن خلص، لكن لأن أحمد كان نفسه أشوفني واقفة على رجلي.

وفي ذكرى وفاته الأولى، رحنا كلنا نزوره ووقفنا ندعيله. بصيت لأهلي وقلت:

— إحنا كلنا بنغلط.. المهم إننا منكررهوش.

هزوا رأسهم لأنهم فهموا الدرس.

​بعدها بفترة، عملنا في العيلة قاعدة بسيطة واتفقنا على حاجة جديدة: أي حد فينا يمر بأزمة ما يفضلش لوحده، حتى لو كل اللي هنقدر نقدمه هو مشوار للمطار، أو قعدة صامتة، أو كوب شاي.. لأن ساعات، أبسط موقف إنساني بينقذ قلبًا من الانكسار.

​أما أنا… كلما دخلت بيتي، ما بقيتش أشوفه بيت الوحدة، بقيت أشوفه المكان اللي نجوت فيه من كارثة، وتعلمت فيه إن أقسى شعور مش إن الإنسان يفقد شريك حياته… الأقسى إنه يحس إنه وحيد.

​ولما أهلي أدركوا ده، ما قدروا يغيّروا اللي فات… لكن قدروا يغيّروا اللي جاي.

​تمت.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *